عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 03-03-2015, 06:58 PM
جند الله جند الله متواجد حالياً
المدير
 Egypt
 Male
 
تاريخ التسجيل: 16-12-2013
الدولة: القاهرة
العمر: 53
المشاركات: 8,368
معدل تقييم المستوى: 10
جند الله تم تعطيل التقييم
افتراضي


ذو القرنين: اختلف المفسرون في تأويل معنى كلمة (الْقَرْنَيْنِ)، الواردة في قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا) [الكهف: 83]، وأخفقوا جميعا في تحديد هوية (ذِي الْقَرْنَيْنِ)، فذهبوا مذاهب شتى لا تتفق ودلالة النص اللغوية، ولم يتفقوا على قول جامع معتبر، فالمسألة خلافية، حيث لم يقف أحد منهم على تحديد معنى هذا اللقب، ومن يكون صاحبه. ولأن اللغة العربية هي من إعجاز كلام الله تعالى، فإن تأويل القرآن لا يجب أن يستند على مجرد تصورنا الشخصي لظاهر دلالة النص القريبة لأذهاننا، بل يجب دراسة جميع الدلالات اللغوية القريبة والبعيدة لكل كلمة على حدتها، ثم مقارنة مختلف المعاني المقبولة لكل كلمة مع سياق النص، كمحاولة للوصول إلى أبعاد دلالات النص اللغوية.

تناول المفسرون جميع معاني (الْقَرْنَيْنِ)، إلا تفسيرا واحدد مقبولا لم يتطرقوا إليه، وذلك من حديث عبد الله بن مسعود سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس خير؟ قال: (قرني! ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. ثم يجيء قوم تبدر شهادة أحدهم يمينه، وتبدر يمينه شهادته). فجاءت كلمة (قرن) هنا بمعنى (ناس) فيصير قول النبي صلى الله عليه وسلم (قرني) أي (أصحابي) ثم التابعين ثم تابع التابعين.

في لسان العرب (القرن: الأمة تأتي بعد الأمة ... وفي النهاية أهل كل زمان، مأخوذ من الاقتران، فكأنه المقدار الذي يقترن فيه أهل ذلك الزمن في أعمارهم وأحوالهم... والقرن من الناس: أهل زمان واحد.. قال الأزهري: والذي يقع عندي، والله أعلم، أن القرن أهل كل مدة كان فيها نبي أو كان فيها طبقة من أهل العلم، قلت السنون أو كثرت، والدليل على هذا قول النبي، صلى الله عليه وسلم: (خيركم قرني) يعني أصحابي، (ثم الذين يلونهم)، يعني التابعين، (ثم الذين يلونهم)، يعني الذين أخذوا عن التابعين، قال: وجائز أن يكون القرن لجملة الأمة وهؤلاء قرون فيها، وإنما اشتقاق القرن من الاقتران، فتأويله أن القرن الذين كانوا مقترنين في ذلك الوقت والذين يأتون بعدهم ذوو اقتران آخر... وقال سفيان بن حرب للعباس بن عبد المطلب حين رأى المسلمين وطاعتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، واتباعهم إياه حين صلى بهم: ما رأيت كاليوم طاعة قوم، ولا فارس الأكارم، ولا الروم ذات القرون؛ قيل لهم ذات القرون لتوارثهم الملك قرنا بعد قرن، وقيل ذلك لقرون شعورهم وتوفيرهم إياها وأنهم لا يجزونها).

وعلى هذا فإن (الْقَرْنَيْنِ) في الآية يحتملان أنهما أمتين كان يحكمهما "ذو القرنين"، والنبي الملك الوحيد الذي كان يحكم ملئا من أمتين، هو نبي الله سليمان عليه السلام، فكان ملأه فيه صحبة من أمة الجن، وصحبة من أمة الإنس، قال تعالى: (قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَؤُاْ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) [النمل: 38: 40].

فلبى الطلب اثنين من ملأ سليمان عليه السلام أما الأول فكان (عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ)، وأما الآخر فكان (الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ)، ذهب بعض المفسرين إلى أنه رجل من الإنس، هذا وإن كان مذهبي أن الذي عنده علم من الكتاب هو عفريت من الجن أيضا، يتميز على العفريت الأول بأن لديه علم من الكتاب. وفي هذا القول إضافة أوردها ابن كثير في "البداية والنهاية" حيث يقول: (... وقيل هو رجل من مؤمني الجان كان فيما يقال يحفظ اسم الله الأعظم...).

وبالإضافة إلى ملأ سليمان عليه السلام وقرنيه من الجن والإنس، كان له منهما جنود، هذا بالإضافة إلى جنوده من الطير، قال تعالى: (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ) [النمل: 17]. ولا يجوز أن نضيف الطير مع قرنيه من الجن والإنس، لأنهم كائنات غير مخاطبة بالكتب والرسالات.


يتبــع

untitled-1897878783.png (1235×227)


رد مع اقتباس