عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 03-05-2015, 11:00 AM
جند الله جند الله متواجد حالياً
المدير
 Egypt
 Male
 
تاريخ التسجيل: 16-12-2013
الدولة: القاهرة
العمر: 53
المشاركات: 8,368
معدل تقييم المستوى: 10
جند الله تم تعطيل التقييم
افتراضي

أوجه الشبه بين "ذي القرنين" و"سليمان" عليه السلام:
بخلاف ما ذكرناه عن لقب "ذي القرنين"، هناك أوجه شبه كثيرة بين ملامح شخصيته وبين نبي الله "سليمان" عليه السلام، مما يدعم القول بأنهما شخص واحد، خاصة وأن "ذي القرنين" لقب يحتمل وجود اسم لحامله، بينما "سليمان" اسم علم يحتمل وجود لقب أو كنية له، فأن يجتمعان لشخص واحد فهذا غير ممتنع ولا مستبعد، لذلك يجب أن نبحث عن أوجه الشبه بين صاحب اللقب، وصاحب الاسم، وخصوصا ما اختص الله به نبيه "سليمان" عليه السلام من خصائص لا تنبغي لأحد من بعده، كتسخير الريح، وشياطين الجن، وما شيدته له الجن من منشئات، أو ما لم يسبقه أحد إليه كإسالة عين القطر.

وبخلاف ما سوف أورده من أوجه شبه بين الشخصيتين، فسوف يتضمن البحث جملة من التفاصيل الهامة عن رحلة "ذو القرنين"، وعن بناءه السد، والتي لا يمكن إيجازها في نقاط يسيرة، بل تحتاج إلى كلام مفصل بالأدلة المسهبة، لذلك سأوجز بعض الأمور المتشابهة بينهما، لمجرد لفت الانتباه إلى أهمية مراعاة أوجه الشبه بين الشخصيتين، أجمل طرفا منها فيما يلي، وهناك ما هو أكثر في البحث:

ـ ملكان نبيان:
ذو القرنين كان ملكا نبيا، يتلقى الوحي من الله تعالى، بدليل قوله تعالى: (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ) [الكهف: 84]. قال ابن كثير (أي أعطيناه ملكا عظيما ممكنا فيه من جميع ما يؤتى الملوك من التمكين والجنود وآلات الحرب والحصارات ولهذا ملك المشارق والمغارب من الأرض، ودانت له البلاد وخضعت له ملوك العباد وخدمته الأمم من العرب والعجم ...).

وفي قوله تعالى: (قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا) [الكهف: 86]. هذا دليل على تلقيه وحي من الله تعالى يحكمه في الناس، وهذا يوافق الدعاء من الحديث الصحيح في حديث سليمان عليه السلام: ‏(وأسألك حكما يوافق حكمك).

سليمان عليه السلام كان ملكا نبيا، قال تعالى: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ) [ص: 35]. فإن بلغ ملك "ذي القرنين" مشارق الأرض ومغاربها، فلن يتجاوز ملك سليمان عليه السلام، وإلا فهما شخص واحد.

ـ أوتيا من كل شيء:
"ذو القرنين" آتاه الله تبارك وتعالى من كل شيء سببا، قال تعالى: (وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا) [الكهف: 84].

سليمان عليه السلام أوتي هو وداود عليه السلام من الله تعالى من كل شيء، قال تعالى: (وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ) [النمل: 16].

ـ سلطهما الله على شياطين الجن:
قام "ذو القرنين" بحبس "يأجوج ومأجوج" تحت السد، وسوف نعلم مفصلا أنهم قوم ملعونون من شياطين الجن، قال تعال: (قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا) [الكهف: 94].

سخر الله تعالى الشياطين لسليمان عليه السلام، فكان يصفدهم ويعذبهم، قال تعالى: (وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ) [ص: 37، 38]. وقال تعالى: (وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ) [سبأ: 12].

ـ طافا العالم:
سافر "ذو القرنين" حول العالم، إلى مغرب الشمس، ومنها إل مطلع الشمس، ومنها إلى بين السدين، قال تعالى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ) [الكهف: 85]، قال تعالى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ) [الكهف: 90]، قال تعالى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ) [الكهف: 93].

سخر الله تعالى الخيل ذوات الأجنحة لسليمان عليه السلام، قال ابن كثير في تفسيره: (وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار حدثنا مؤمل حدثنا سفيان عن ابيه سعيد بن مسروق عن إبراهيم التيمي في قوله عز وجل (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ) قال: كانت عشرين فرسا ذات أجنحة كذا رواه ابن جرير). وسوف نشرح هذا مفصلا في موضعه بإذن الله تعالى.

ـ لديهما علم تطويع الحديد:
كان "لذي القرنين" علم تطويع الحديد، وكان علما جديدا، بدليل أنه علم الناس جمع زبر الحديد والنفخ فيه، قال تعالى: (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا) [الكهف: 96].

ورث سليمان داود عليه السلام، قال تعالى(وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ) [النمل: 16]. ومما ورثه عن داود عليه السلام تطويع الحديد، قال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [سبأ: 10، 11].

ـ استخدما القطر:
استخدم "ذو القرنين" القطر وهو النحاس المذاب في تشييد الردم، قال تعالى: (قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا) [الكهف: 96].

أسال الله لسليمان عليه السلام عين القطر، قال تعالى: (وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ) [سبأ: 11].

ـ لهما مشيدات معمارية:
قام "ذو القرنين" بتشييد سد فوق قوم "يأجوج ومأجوج"، قال تعالى: (قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا) [الكهف: 95].

كانت الشياطين تشيد لسليمان عليه السلام الأبنية والمحاريب، والتماثيل والجفان والقدور، وكلها شيدت من الحجارة، قال تعالى: (وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ) [ص: 37]. قال تعالى: (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَاب وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ) [سبأ: 13].

ـ لا يقبلان الهدية أو المال:
عرضوا على "ذي القرنين" خرجا فأبى، ورأى أن ما مكنه الله فيه خير من خرجهم، فنسب ما لديه لله تبارك وتعالى. قال تعالى: (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌٌ) [الكهف: 94، 95].

ولما أرسلت ملكة سبأ بهدية إلى "سليمان" عليه السلام، أبى ورأى أن ما آتاه الله خير من هديتهم. قال تعالى: (فَلَمَّا جَاء سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ) [النمل: 36].

تسخير الريح:
لم تأتي كتب التفسير بنص من الكتاب أو السنة عن كيفية تسخير الريح لسليمان عليه السلام، وهذا من قوله تعالى: (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ) [ص: 36]، بل حوت من الإسرائيليات ما مفاده أن الريح كانت تنقله من مكان إلى الآخر حيث أراد، وهذا قول لا دليل على صحته نقلا، ولا يستقيم عقلا أن تحمله الريح، إلا بمعجزة، والمعجزة تتعارض مع التسخير، فالتسخير يكون وفق وظيفة الريح، أما المعجزة فهي آية من الله تفوق الوظائف المعتادة للريح.
إنما ثبت بالسنة الصحيحة أن الله سخر له خيلا ذوات الأجنحة، فمن المفترض أن وظيفة الخيل أن تحمله حيث يشاء، مما يشهد على أن الريح لم تسخر لنقله على الإطلاق، لأن نقل البشر ليس من وظائف الريح، إنما من وظائف الريح تحريك السحاب، وتلقيح النباتات. ومن يتأمل النصوص المذكور فيها تسخير الريح لسليمان عليه السلام، يتبين له من ظاهر دلالة النص اللغوية، بعدها تماما عن مفهوم حمله من مكان إلى الآخر، قد تكون الريح (تَجْرِي بِأَمْرِهِ)، لكن لم يرد لفظ يشير إلى أنها كانت تحمله أو تنقله.

في قوله تعالى: (حَيْثُ أَصَابَ)، في لسان العرب: (وفي التنزيل (تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ)؛ أي حيث قصد...). كلمة (أَصَابَ) على وزن أَفْعَلَ، فالهمزة هنا زائدة، وتسمى (الألف اليابسة)، من مصدر صوب فقلبت الواو ألفا فصارت صاب.

في لسان العرب: (صوب: الصوب: المطر. صاب المطر صوبا، وانصاب: كلاهما انصب .. وقال الليث: الصب المطر. وصاب الغيث بمكان كذا وكذا، وصابت السماء الأرض: جادتها. وصاب الماء وصوبه: صبه وأراقه؛ أنشد ثعلب في صفة ساقيتين: وحبشيين، إذا تحلبا، قالا نعم، وصوبا ... والصوب مثل الصيب، وتقول: صابه المطر أي أمطر. وفي حديث الاستسقاء: اللهم اسقنا غيثا صيبا؛ أي منهمرا متدفقا). إذن نفهم لغة أن معاني جذر كلمة صاب هي: (صاب الغيث) أي مطر الغيث، (صابت السماء الأرض) أي مطرتها، و(صاب الماء) أي صبه وأراقه، و(صابه المطر) أي أمطر. فإذا أضفنا (الألف) الزائدة في أصاب إلى معاني جذر الكلمة، يصير معناها أمطر بفتح الألف، أي أنزل المطر، فيكون معنى الآية أن الريح تجري بأمره حيث أراد صب المطر.خاصة وأن الله تعالى ربط بين الرياح والسحاب والمطر فقال: (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاء وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) [الروم: 48]. وعلى ما ذكرناه من معنى أصاب، فالشاهد هنا من قوله تعالى: (أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاء) أي أمطر به من يشاء.لا أحد ينزل المطر إلا الله تعالى، فنقول أُمطرنا من الله بضم الألف، أي أنزل علينا المطر من الله. ولأن الله سخر لسليمان عليه السلام الريح، تجري بأمره، فصارت السماء تمطر بإذن وعلم ربه عز وجل، قال تعالى: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ) [الأنبياء: 81]. فوجهة الريح كانت إلى الأرض التي بارك الله فيها، فلن يأمر الريح بالذهاب إلى الأرض المباركة إلا لخير، والخير الذي يصيب أي أرض هو المطر، هذا وإن جاز أن يأمرها بالتوجه بالسحاب إلى أي مكان شاء من العالم.فإن كان سليمان عليه السلام يأمر الريح أن تجري بالسحاب لتروي الأرض حيث أراد أن تمطر، فهذا يتم بإذن الله تبارك وتعالى، كما أن الله تعالى اختص المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام بإحياء الموتى وإبراء المرضى بإذنه، قال تعالى: (وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [آل عمران: 49]. وقال تعالى: (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي) [المائدة: 110]. اقترن ذكر الريح في القرآن الكريم، بذكر السحاب، ومن ثم نزول المطر، هذا بخلاف اقترانها بذكر العذاب.

إذن يفهم من ظاهر النص القرآني، أن الله تعالى سخر الريح لسليمان عليه السلام تجري السحب حيث أراد فتمطر، ويعم الرخاء وسعة العيش. أما أن يفهم من التسخير أنه يركب الريح على بساط ويطير به، فهذه أساطير نسجها اليهود من وحي خيالهم، وأشبه بمزاعم السحرة الذين تحملهم الشياطين فوق البساط السحري والمقشات وتحلق بهم في الفضاء، ولا يوجد نص صحيح أو ضعيف يثبت صحة شيء من تلك الأساطير. والحقيقة أن الريح لا تحمل أحدا من المخلوقات عن الأرض، خاصة إذا كانت (الرِّيحَ عَاصِفَةً) سريعة الحركة، فحتما ستهلك من تحمله. إنما كانت الريح تجري بالسحاب حيث أرادا صيبا أي مطرا، وإلى الأرض التي بارك الله فيها.قال تعالى: (وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [البقرة: 164].قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [الأعراف: 57]. قال تعالى: (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ) [الحجر: 22].قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا) [الفرقان: 48].

قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [الروم: 46].

قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاء وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) [الروم: 48].

قال تعالى: (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ) [فاطر: 9].

سرعة الريح:
وقد تعدد وصف الآيات القرآنية للريح فتارة بأنها (رُخَاء) في لسان العرب: (والرخاء: الريح اللينة). وتارة بأنها (عَاصِفَةً) إذا اشتدت، فالريح وإن كانت تجري بأمره عاصفة شديدة السرعة، إلا أنها كانت ريحا لينة لا تدمر ولا تفسد، وهذه من آيات الله أن تجتمع في الريح الشدة واللين، والقوة والأمن. وقد حددت الآيات القدر الزمني الذي كانت تستغرقه مسيرة الريح، وبدقة متناهية (غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ) قال تعالى: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ) [سبأ: 12]. وعلى هذا يمكننا تقدير سرعة الريح، وبيان المسافة التي كان يمكن أن تقطعها، فإذا فرضنا جدلا أن حصانا يجري بسرعته المقدرة بحوالي 70 كم في الساعة، متواصلا وبدون توقف، وبمعدل سرعة ثابت لا يتغير، وفي خط مستقيم، على أرض مستوية بلا جبال يتسلقها، ولا وديان يهبطها، فإن كانت (الروحة) من الصباح حتى الظهيرة، و(الغدوة) من الظهيرة حتى الغروب تقدر بحوالي 6 ساعات، فإنَّ الحصان سوف يقطع مسافة 420 كم في فترة زمنية قدرها 6 ساعات. وفي اليوم الواحد سيقطع 1680 كم في خلال 24 ساعة، وفي الشهر سيقطع مسافة 50400 كم خلال 30 يوما. ففي حين يقطع الحصان في الروحة أو الغدوة مسافة 420 كم، تكون الريح قد قطعت مسافة 50400 كم، أي ما يزيد عن محيط الكرة الأرضة والذي يقدر بحوالي 075.16 40 كم. نخلص من هذا أن الريح إن كانت تسير بسرعة حصان، فإنه كان يمكنها أن تلف الكرة الأرضية في روحة، أو في غدوة، وهذا دليل على أن السماء كانت تمطر في زمن قصير، وبأمر من سليمان عليه السلام.

الخيل ذوات الأجنحة:

إن السفر بين المشرق والمغرب في زمن مقدر أمر متعذر في تلك الأزمان الغابرة، إلا بآية من الله تبارك وتعالى، ومعجزة يجريها على يد "ذي القرنين"، فيحمله إلى تلك الأماكن بسرعة فائقة. حيث تطول المسافة برا وبحرا، بسبب ما سيعترضه من جبال شاهقة، ووديان سحيقة، وبحار محيطة شاسعة، وأجواء متقلبة، مما يجعل الرحلة شاقة مضنية، وتستغرق زمنا طويلا لا يعلم مداه إلا الله تعالى. لذلك لا يصح أن تتم رحلة "ذو القرنين" بوسائل تقليدية كالتي ينتقل بها سائر البشر من دواب وسفن، بل لابد وأن اختص بوسيلة آتاه الله إياها تعينه على فعل ذلك، قال تعالى: (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا) [الكهف: 84، 85]. ومن هذه الوسائل أن الله تعالى سخر "لذي القرنين" وهو سليمان عليه السلام (الخيل ذوات الأجنحة)، يمتطيها فتنطلق به محلقة في السماء إلى حيث شاء، وهي السبب أي الوسيلة التي كان يصل بها إلى كل بقاع الأرض.في لسان العرب: (السبب: كل شيء يتوصل به إلى غيره؛ وفي نسخة: كل شيء يتوسل به إلى شيء غيره، وقد تسبب إليه، والجمع أسباب؛ وكل شيء به إلى الشيء، فهو سبب. وجعلت فلانا سببا إلى فلان في حاجتي وودجا أي صلة وذريعة).

قال ابن كثير في تفسيره: (وقال عبد الله بن عبيد بن عمير كان سليمان يأمر الريح فتجتمع كالطود العظيم كالجبل ثم يأمر بفراشه فيوضع على أعلى مكان منها ثم يدعو بفرس من ذوات الأجنحة فترتفع حتى يصعد على فراشه ثم يأمر الريح فترتفع به كل شرف دون السماء وهو مطأطئ رأسه ما يلتفت يمينا ولا شمالا تعظيما لله عز وجل وشكرا لما يعلم من صغر ما هو فيه في ملك الله عز وجل حتى تضعه الريح حيث شاء أن تضعه).

ولم يبين عبد الله بن عبيد عمن نقل قوله هذا! ولكن قوله: (يدعو بفرس من ذوات الأجنحة) أي كان لسليمان عليه السلام خيلا بأجنحة، هو قول يوافق ما ورد من حديث عائشة رضي الله عنها في سنن أبي داود قالت: (قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، من غزوة تبوك – أو خيبر – وفي سهوتها ستر، فهبت ريح فكشفت ناحية الستر، عن بنات لعائشة – لعب – فقال: (ما هذا يا عائشة؟) قالت: بناتي! ورأى بينهن فرسا له جناحان من رقاع، فقال: (ما هذا الذي أرى وسطهن؟) قالت: فرس، قال: (وما هذا الذي عليه؟) قالت: جناحان، قال: (فرس له جناحان؟) قالت: أما سمعت: أن لسليمان خيلا لها أجنحة؟ قالت: فضحك حتى رأيت نواجذه).

فسكوت النبي صلى الله عليه وسلم إقرار على ما قالته عائشة رضي الله عنها، على ما سمعته من أنه كان لسليمان عليه السلام خيلا بأجنحة، فإن صح أن سكوت النبي صلى الله عليه سلم عن إقرار، فاختصاص سليمان عليه السلام بهذه الخيول، دليل على تسخيرها له كما سخرت له شياطين الجن، فلم نعهد في دواب البشر ولم نجد في الحفريات أثرا لخيول ذوات أجنحة. فإن كان ذلك؛ فالغالب أنها كانت من خيول الجن، فلم تكن لأحد من بعده، وبموته عليه السلام رجعت من حيث أتت. في حديث صححه الألباني من (مشكاة المصابيح) عن أبي ثعلبة الخشني قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الجن ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف حيات وكلاب، وصنف يحلون ويظعنون). فللجن دواب يركبونها كما للبشر دواب، فلهم منها خيول، قال تعالى: (وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ) [الإسراء: 64]. فقوله للشيطان وهو من الجن (بِخَيْلِكَ) يثبت أن للجن خيول يمتطونها. وبالجمع بين النصين، من أن للجن (صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء) وأن لهم خيل، فلا يمتنع من ذلك وجود خيل مجنحة، سخرها الله تعالى لسليمان عليه السلام.قال ابن كثير في تفسيره: (وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار حدثنا مؤمل حدثنا سفيان عن ابيه سعيد بن مسروق عن إبراهيم التيمي في قوله عز وجل (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ) قال: كانت عشرين فرسا ذات أجنحة كذا رواه ابن جرير.)

وفي الجنة يرزق الله تعالى أولياءه خيولا مجنحة، ففي (البدور السافرة) بإسناد جيد عن عبد الرحمن بن ساعدة قال: كنت أحب الخيل فقلت: يا رسول الله هل في الجنة خيل؟ فقال: (إن أدخلك الله الجنة كان لك فيها فرس من ياقوت له جناحان تطير بك حيث شئت).

وبكل بد فما سمعته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن هذه الخيل المجنحة، وكانت لا تزال صغيرة تلعب، يدل على أنه قول سائد، كان يتردد على ألسنة الناس، فقد سترت سهوة لها بقرام فيه الخيل ذوات الأجنحة.

قالت عائشة رضي الله عنها: (دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سترت سهوة لي بقرام فيه تماثيل، (وفي رواية : فيه الخيل ذوات الأجنحة)، فلما رآه هتكه، وتلون وجهه، وقال: (يا عائشة! أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله، (وفي رواية: إن أصحاب هذه الصور يعذبون، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم)، ثم قال : (إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة)، قالت عائشة: فقطعناه فجعلنا منه وسادة أو وسادتين، [فقد رأيته متكئا على إحداهما وفيها صورة ]. أخرجه البخاري ومسلم والزيادة الأخيرة لأحمد سندها على شرط مسلم.
وفي صحيح النسائي، قالت عائشة رضي الله عنها: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجة، ثم دخل، وقد علقت قراما فيه الخيل أولات الأجنحة، قالت : فلما رآه قال : (انزعيه)).

فالله تعالى آتى سليمان عليه السلام من كل شيء، ولكن حدد هذه الأشياء قال تعالى: (وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا) [الكهف: 84، 85]. ذكر ابن كثير في تفسيره: (وقال مجاهد: (فَأَتْبَعَ سَبَبًا) منزلا وطريقا ما بين المشرق والمغرب، وفي رواية عن مجاهد (سَبَبًا) قال: طرفي الأرض). وإن صح كلام ابن كثير رحمه الله، إلا أن كلمة (سَبَبًا) تكررت مرتين في آيتين متتاليتين، بما يفيد وحدة دلالتها، ويدخل فيها تسخير الله تعالى الخيل ذوات الأجنحة يحلق بها في الجو، وينطلق بها من مكان إلى آخر.


يتبع

untitled-1897878783.png (1235×227)


رد مع اقتباس