عرض مشاركة واحدة
  #12  
قديم 09-15-2015, 12:03 AM
جند الله جند الله غير متواجد حالياً
المدير
 Egypt
 Male
 
تاريخ التسجيل: 16-12-2013
الدولة: القاهرة
العمر: 53
المشاركات: 8,371
معدل تقييم المستوى: 10
جند الله تم تعطيل التقييم
افتراضي

يأجوج ومأجوج:
كثرت الأساطير والخرافات حول خلق "يأجوج ومأجوج Gog and Magog" وكأنهم مخلوقات مغايرة للجن والإنس، سواء بين المسلمين أو أهل الكتاب، حتى صنف الكلام عنهم ضمن علم الأساطير والفولكلور رغم أن وجودهم حقيقة ثابت بنص الكتاب والسنة. ولأننا هنا لسنا في بحث مقارن نستعرض فيه المفاهيم الباطلة وننقدها، إلا أنه في حقيقة الأمر لم يثبت في كتاب الله تعالى ولا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم أن "يأجوج ومأجوج" مخلوقات مغايرة للإنس والجن. فقد ذرأ الله تعالى لجهنم كثيرا من الجن والإنس، ولم يذكر معهم جنس ثالث من المخلوقات، فلم يخص الله تعالى قوم "يأجوج ومأجوج" بذكر مع من ذرأ لجهنم، مما دل على أنهم ملحقين بأحد الثقلين من جهة الخلق، فإما أنهم خلق من الجن، وإما أنهم خلق من الإنس، وهذا ما سنقوم بتحديده في هذا المبحث. قال تعالى: (قَالَ ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ) [الأعراف: 38]. قال تعالى: (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) [هود: 119]. قال تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ) [الأعراف: 179]. حقيقة لم أجد لاسم "يأجوج ومأجوج" معنى في اللغة العربية، فالثابت لغة أن "يأجوج ومأجوج" اسمان أعجميان، ولا اشتقاق لهما من اللغة العربية، لأن الأعجمية لا تشتق من العربية.


تمثالين يرمزان لقوم "يأجوج ومأجوج" على أنهم عمالقة، وفقا لتصور الأساطير البريطانية، منتصبان في الرواق الملكي، في ميلبورن Melbourne. وهذا مما يدل على عالمية الاعتقاد في حقيقة وجود قوم "يأجوج ومأجوج" لدى جميع الأمم والشعوب.



لوحة فنية فارسية من القرن السادس عشر تصور تخيلهم لبناء سد يأجوج ومأجوج، حيث تصور مخلوقات شيطانية تقوم ببناء السد بين جبلين، وبمعونة بعض البشر.

في لسان العرب (هما قبيلتان من خلق الله، جاءت القراءة فيهما بهمز وغير همز. قال: وجاء في الحديث: أن الخلق عشرة أجزاء: تسعة منها يأجوج ومأجوج، وهما اسمان أعجميان. واشتقاق مثلهما من كلام العرب يخرج من أجت النار، ومن الماء الأجاج، وهو شديد الملوحة، المحرق من ملوحته؛ قال: ويكون التقدير في يأجوج ومأجوج يفعول، وفي مأجوج مفعول، كأنه من أجيج النار. قال: ويجوز أن يكون يأجوج فاعولا، وكذلك مأجوج؛ قال: وهذا لو كان الاسمان عربيين، لكان هذا اشتقاقهما، فأما الأعجمية فلا تشتق من العربية؛ ومن لم يهمز، وجعل الألفين زائدتين يقول: ياجوج من بججت، وماجوج من مججت، وهما غير مصروفين؛ قال رؤبة: لو أن ياجوج وماجوج معا؛ وعاد عاد واستجاشوا تبعا). وبالرغم من أن اسم "يأجوج ومأجوج" أعجمي، إلا أنه ثبت بنصوص صحيحة أنهم يتكلمون بلسان عربي، فربما أنهم يتكلمون بعدة ألسنة، خاصة وأن الأصل في اسمهم أنه أعجمي. وقدر وردت نصوص صحية يتكلمون فيها بلسان عربي فصيح أورد طرفا منها:

(قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدا).

(قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدا إن شاء الله).

(فيقولون: قهرنا أهل الأرض، وعلونا أهل السماء!).

(فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء!).

وهذا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في صحيح الجامع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس، قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدا. فيعيده الله أشد ما كان، حتى إذا بلغت مدتهم، وأراد الله أن يبعثهم على الناس حضروا، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدا إن شاء الله. واستثنوا، فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه ويخرجون على الناس، فينشفون الماء، ويتحصن الناس منهم في حصونهم، فيرمون سهامهم إلى السماء، فترجع وعليها كهيئة الدم الذي أجفظ، فيقولون: قهرنا أهل الأرض، وعلونا أهل السماء! فيبعث الله عليهم نغفا في أقفائهم فيقتلهم بها، والذي نفسي بيده إن دواب الأرض لتسمن وتشكر شكرا من لحومهم ودمائهم).

في صحيح الجامع عن النواس بن سمعان الكلابي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (... ويبعث الله يأجوج ومأجوج ، وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية ، فيشربون ما فيها ويمر آخرهم، فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء! ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر، وهو جبل بيت المقدس، فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض، هلم فلنقتل من في السماء، فيرمون بنشابهم إلى السماء، فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دما ...).

لكن لا يمتنع من هذا أن يتحدثوا بألسنة شتى، ومن جملتها التحدث بلسان عربي. خاصة أنهم سينسلون من كل حدب، مما دل على أن لهم بوابات عديدة في أماكن شتى من العالم، بدليل أننا تعرفنا على السد الذي بناه "ذو القرنين" وهو الهرم الأوسط في هضبة الجيزة، لكن من يدقق في الحديث الشريف سيتبين له أن بعض "يأجوج ومأجوج" من سيأتون من عدة جهات حشودا. ففي الحديث ورد ذكر إحدى الحشود (فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية، فيشربون ما فيها ويمر آخرهم) وقوله (أوائلهم) جمع أولهم أي أن هناك حشودا كثيرة منهم، فمن يمر منهم ببحيرة طبرية هم أحد تلك الحشود، لأنه قال: (آخرهم) فلم يقل أواخرهم، مما يدل على وجود حشود أخرى يمرون بأماكن أخرى من العالم. (ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر، وهو جبل بيت المقدس) وجبل بيت المقدس يقع إلى جهة الجنوب الغربي من بحيرة طبرية، أي أنهم يأتون من جهة الشمال الشرقي.

"يأجوج ومأجوج" من شياطين الجن:

ذهب بعض أهل العلم إلى الجزم بأن "يأجوج ومأجوج" من ذرية آدم عليه السلام، وكان سندهم في هذا حديث صحيح أخرجه البخاري في "صحيح الجامع" عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا آدم، يقول: لبيك ربنا وسعديك، فينادى بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار، قال: يارب وما بعث النار؟ قال: من كل ألف - أراه قال - تسعمائة وتسعة وتسعين، فحينئذ تضع الحامل حملها، ويشيب الوليد، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد). فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين ومنكم واحد، ثم أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود، وإني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة). فكبرنا، ثم قال: (ثلث أهل الجنة). فكبرنا، ثم قال: (شطر أهل الجنة). فكبرنا.

وممن ذهب إلى القول بأن "يأجوج ومأجوج" من ذرية آدم ابن كثير رحمه الله فيقول في تفسيره: (ويأجوج ومأجوج من سلالة آدم عليه السلام كما ثبت في الصحيحين (إن الله تعالى يقول: يا آدم! فيقول لبيك وسعديك. فيقول: ابعث بعث النار فيقول: وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة، فحينئذ يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها. فقال: إن فيكم أمتين ما كانتا في شيء إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج).

وقول أهل العلم في خلق "يأجوج ومأجوج" أنهم من الإنس محل نظر، فوجه استدلالهم هو قوله (إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار)، فحملوا النص على أن سيخرج بعث النار من ذريته، أي أن قوم "يأجوج ومأجوج" ممن أخرجهم آدم من ذريته، ومن يدقق في الروايات ويقارن النصوص مع بعضها بعضا، سيتيقن أن المعنى المراد لا يفيد أنهم من الإنس، بل يقينا هم من كفار الجن، وأنهم جميعا في النار.

"يأجوج ومأجوج" من الهالكين:
وإن بعث النار في استفهام آدم عليه السلام: (يا رب وما بعث النار؟) جاء بلفظ مطلق بدون تخصيص، فهو يستفهم عن ما هو مطلق بعث النار بعمومهم، فلم يكنن سؤالا (على وجه التخصيص) عن بعث النار من الإنس، ولو كان يقصد التخصيص لقال: (وما بعث النار من ذريتي؟) فلم يثبت التخصيص في أي رواية من الروايات، فجاء بيان هذا البعث على وجه الإجمال أنهم (من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين)، فلم يفصل إن كان هذا العدد من الإنس فقط، أم من الإنس والجن معا.

إن عدم التفصيل جعل الصحابة يظنون كما حسب كل من لم يدقق النظر بعد ذلك في تفصيل كلام النبي صلى الله عليه وسلم أن المقصود ببعث النار هم ذرية آدم عليه السلام فقط، فجزع الصحابة رضوان الله عليهم، عن ورع وتقوى منهم، وليس عن سوء فهمهم للغة الحديث. لذلك قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين ومنكم واحد)، فسري عنهم.

ففي روايات أخرى عديدة فصل فيها النبي صلى الله عليه وسلم المقصود ببعث النار، وهذه الرواية الصحيحة التي ورد فيها (إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار) هي الرواية الوحيدة التي ذكرت بلفظ (من ذريتك). ففيها إضافة لم ترد في جميع الروايات الأخرى، وهذه الرواية صحيحة من جملة روايات صحيحة مختلفة أخرى لم يرد فيها هذا اللفظ. حيث فصلت الروايات الأخرى المقصود ببعث النار، فأكملت الروايات الأخرى ما سقط من كلام راوي الحديث.

حيث فصلت الروايات الأخرى المقصود ببعث النار بأنه عموم الخليقتين، الجن والإنس، وذكرت من ضمنها يأجوج ومأجوج. إذن فبعث النار يشترك فيه الخليقتين، وليس قاصرا على ذرية آدم عليه السلام فقط، لذلك فمضمون الأمر لآدم عليه السلام كان إخراج بعث النار من ذريته فقط، أي من الإنس لا من الجن.

في رواية صحيحة عن أنس بن مالك أوردها الطبري في تفسيره قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: (وإن معكم لخليقتين ما كانتا في شيء قط إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج، ومن هلك من كفرة الجن والإنس) أفرد فيها يأجوج ومأجوج بالذكر كناية عن دخولهم النار جميعا، فلم يستثني منهم أحدا، ثم استثنى الهالكين من كفار الجن والإنس، فدل قوله على دخول عموم يأجوج ومأجوج مع الهالكين من الكافرين، وأن مصيرهم جميعا النار مع من كفر من الجن والإنس، فلم تفصل هذه الرواية إن كانوا من الجن أم الإنس، لكنها أثبتت أن بعث النار لا يشمل يأجوج ومأجوج فقط، ولكن يشمل أيضا كفار الجن والإنس.

أفردت الأحاديث الشريفة "يأجوج ومأجوج" بالذكر، فلم تستثني طائفة منهم إلى النار، أو إلى الجنة، مما دل على أن مصيرهم إلى النار جميعا. في حين استثنت النصوص من الإنس الهالكين من بني آدم، والهالكين من الجن، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعث النار: (وإن معكم لخليقتين ما كانتا في شيء قط إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج، ومن هلك من كفرة الجن والإنس)، فجاء قوله عاما جامعا كل (يأجوج ومأجوج)، ثم عطف عليهم (ومن هلك من كفرة الجن والإنس)، فاستثنى الهالكين من كفرة الجن والإنس، وعطفهم على يأجوج ومأجوج، مما دل على أنهم مشتركون في الكفر، وأنهم جميعا هم بعث النار ، فدل على دخول عموم "يأجوج ومأجوج" النار، وليس معناه أن كل بعث النار هم "يأجوج ومأجوج" فقط. فقد أفرد بعض الرواة "يأجوج ومأجوج" بالذكر، إلا أن النصوص الأخرى جزمت أن إفراد "يأجوج ومأجوج" بالذكر لا يمنع دخول غيرهم في بعث النار، سواء من الجن أو الإنس.

في رواية صحيحة من قول عمران بن حصين أوردها ابن جرير الطبري في تفسيره، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فإن معكم خليقتين ما كانتا في قوم إلا كثرتاه، فمن هلك من بني آدم، ومن هلك من بني إبليس، ويأجوج ومأجوج). فقوله: (فمن هلك من بني آدم) وهؤلاء هم كفار الإنس، ثم ذكر الخليقة الأخرى فقال: (ومن هلك من بني إبليس، ويأجوج ومأجوج) فعطف (يأجوج ومأجوج) على (بني إبليس)، ولم يعطف (يأجوج ومأجوج) على (بني آدم)، فألحق يأجوج ومأجوج بالجن، الذين منهم إبليس وبنيه، قال تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً) [الكهف: 50]. إذا فيأجوج ومأجوج هما قوم من الجن، وليسوا من ولد آدم عليه السلام كما ذهب بعض أهل العلم. هذا والله أعلم.

مسكن "يأجوج ومأجوج":

قال تعالى: (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ * حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ) [الحج: 95، 96]. فقوله تعالى (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ) أي واجب على أهل قرية (أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ) قال ابن عباس في تفسير الآية‏:‏ ‏"‏واجب على قرية أهلكناها أنه لا يرجع منهم راجع‏"‏. وهذه القرية استوجب أهلها النار والخلود فيها بسوء أعمالهم، لقوله تعالى: (أَهْلَكْنَاهَا) ولها معنيان، المعنى الأول؛ أمتناها، وهذا لا يصح، لأن الله تعالى يتكلم عن قوم أحياء، حيث يقول (أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ)، فلا تصح بمعنى لا يرجعون إلى الله، ولا بمعنى لا يرجعون من الموت، فمن يموت لا يرجع من الموت إلى الدنيا، ومن مات لابد أن يرجع إلى الله تعالى. إنما معناها حرام عليهم أن يرجعوا إلى ما كانوا عليه من إفساد في الأرض، وهذا هو الصحيح، لذلك فهذه القرية كانت ولا تزال على قيد الحياة لم تمت، ولكن أهلكها الله تعالى بأن استوجب أهلها النار والخلود فيها بسوء أعمالهم، وهذا هو المعنى الثاني لقوله (أَهْلَكْنَاهَا).

في لسان العرب: (وفي الحديث عن أبي هريرة: إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم؛ يروى بفتح الكاف وضمها، فمن فتحها كانت فعلا ماضيا ومعناه أن الغالين الذين يؤيسون الناس من رحمة الله تعالى يقولون هلك الناس أي استوجبوا النار والخلود فيها بسوء أعمالهم، فإذا قال الرجل ذلك فهو الذي أوجبه لهم لا الله تعالى، أو هو الذي لما قال لهم ذلك ويأسهم حملهم على ترك الطاعة والانهماك في المعاصي، فهو الذي أوقعهم في الهلاك، أما الضم فمعناه أنه إذا قال ذلك لهم فهو أهلكهم أي أكثرهم هلاكا، وهو الرجل يولع بعيب الناس ويذهب بنفسه عجبا، ويرى له عليهم فضلا).

فقوم "يأجوج ومأجوج" هم من الهالكين، أي استوجبوا النار والخلود فيها بسوء أعمالهم، فقد كانوا يفسدون في الأرض من قبل أن يحرمها الله عليهم ببناء "ذو القرنين" السد بيننا وبينهم، قال تعالى: (قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا) [الكهف: 94]، حتى إذا استفتحوا بأن استثنوا بأن يقولوا بإذن الله (قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدا إن شاء الله)، حينها يأذن الله في خروجهم، فيرجعوا ليفسدوا في الأرض مرة أخرى (حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ). فكان السد رحمة من الله حتى يأتي وعده بخروجهم فيجعله دكاء، قال تعالى: (قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا) [الكهف: 98].

وقد قرن النبي صلى الله عليه وسلم قوم "يأجوج ومأجوج" بالهالكين من كفار الجن والإنس، مما يجزم بأنهم استوجبوا النار والخلود فيها.

ففي رواية صحيحة عن أنس بن مالك أوردها الطبري في تفسيره قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: (وإن معكم لخليقتين ما كانتا في شيء قط إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج، ومن هلك من كفرة الجن والإنس).

في رواية صحيحة من قول عمران بن حصين أوردها ابن جرير الطبري في تفسيره، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فإن معكم خليقتين ما كانتا في قوم إلا كثرتاه، فمن هلك من بني آدم، ومن هلك من بني إبليس، ويأجوج ومأجوج).

وقوله (قَرْيَةٍ) لها معان عدة، في لسان العرب: (والقرية من المساكن والأبنية والضياع وقد تطلق على المدن). إذن يصح القول (مسكن يأجوج ومأجوج)، و(بناء يأجوج ومأجوج) و(ضيعة يأجوج ومأجوج) و(مدينة يأجوج ومأجوج)، والأصح أن نقول؛ (مسكن يأجوج ومأجوج) لأنهم يسكنون جحورا تحت الأرض، فلا هم يقيمون في أبنية شاهقة فوق سطح الأرض، ولا ضياع مزروعة، ولا مدن مسورة ترى الشمس والنور.

إذا ربطنا هذه الآية بالتي تليها، سنعلم أن أهل هذه القرية الهالكة، هم "يأجوج ومأجوج" الذين استوجبوا النار والخلود فيها بسوء أعمالهم، قال تعالى: (حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ) فقوله (حَتَّى إِذَا) فإن (حَتَّى) حرف جر لانتهاء وغاية، و(إِذَا) ظرفا للمستقبل متضمنة معنى الشرط، لأنه جاء بعدها فعل ماضي (فُتِحَتْ)، والتاء في آخر الكلمة هي تاء التأنيث، عائدة على (قَرْيَةٍ)، و(يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ) هو اسم أهل هذه القرية. وقوله (فُتِحَتْ) أي استفتحت فطلبت الفتح بإذن الله، وذلك أن يأجوج ومأجوج لا يستثنون كل يوم، ولكن عندما يستثنون يفتح لهم (قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدا إن شاء الله. واستثنوا، فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه ويخرجون على الناس) فيكون المعنى؛ حتى إذا استفتح أهل قرية يأجوج ومأجوج رجعوا إلى إفسادهم في الأرض.

ظهور شياطين الجن:
نخلص من هذا أن إفساد يأجوج ومأجوج في الأرض، كان من جنس إفساد شياطين الجن، بدليل أنه لا يدان لقوتهم، ففي رواية من حديث صحيح عن النواس بن سمعان الكلابي في صحيح ابن ماجة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذ أوحى الله إليه يا عيسى إني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم وأحرز عبادي إلى الطور)، فإن قوله (لا يدان لأحد بقتالهم) دل على فرط قوتهم كجن، وأن لا قبل للبشر بقتالهم.

قال تعالى: (قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ) [الكهف: 94]، والله تعالى أعلى وأعلم إن كان إفساد "يأجوج ومأجوج في الأرض، عن ظهور منهم للبشر حينها، أم كان يتم إفسادهم وهم متخفون عن أعين الإنس. لكن الراجح لدي حسب ظاهر النصوص، أنهم كانوا يظهرون عيانا للناس، بدليل أن الناس كانت تميزهم باسم "يأجوج ومأجوج"، والإنسان لا يميز شخصا باسمه إلا أن يكون ظاهرا له شكلا. بدليل أنهم طلبوا من "ذي القرنين" بناء سد مادي ليحجبهم عنهم، والمادي يحجب ماديا مثله.

ولو كانوا متخفين عن أعين البشر لما ظهروا للناس عيانا بعد قتل المسيح عليه السلام للدجال أعاذنا الله من شر فتنته. وهذا بدليل من حديث بسند حسن صحيح عن أبو سعيد الخدري ذكره شيخنا الألباني رحمه الله في صحيح ابن ماجة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(تفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون كما قال الله تعالى (وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ) فيعمون الأرض وينحاز منهم المسلمون حتى تصير بقية المسلمين في مدائنهم وحصونهم ويضمون إليهم مواشيهم، حتى أنهم ليمرون بالنهر فيشربونه حتى ما يذرون فيه شيئا فيمر آخرهم على أثرهم فيقول قائلهم: لقد كان بهذا المكان مرة ماء. ويظهرون على الأرض فيقول قائلهم: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم، ولننازلن أهل السماء. حتى إن أحدهم ليهز حربته إلى السماء فترجع مخضبة بالدم فيقولون: قد قتلنا أهل السماء. فبينما هم كذلك إذ بعث الله دواب كنغف الجراد فتأخذ بأعناقهم فيموتون موت الجراد يركب بعضهم بعضا، فيصبح المسلمون لا يسمعون لهم حسا. فيقولون: من رجل يشري نفسه وينظر ما فعلوا. فينزل منهم رجل قد وطن نفسه على أن يقتلوه فيجدهم موتى فيناديهم: ألا أبشروا فقد هلك عدوكم. فيخرج الناس، ويخلون سبيل مواشيهم، فما يكون لهم رعي إلا لحومهم، فتشكر عليها كأحسن ما شكرت من نبات أصابته قط).

والشاهد من الحديث هو قوله صلى الله عليه وسلم: (فيقولون من رجل يشري نفسه وينظر ما فعلوا فينزل منهم رجل قد وطن نفسه على أن يقتلوه، فيجدهم موتى فيناديهم ألا أبشروا فقد هلك عدوكم) فقولهم (ينظر ما فعلوا) دليل على إمكان رؤية الرجل لقوم "يأجوج ومأجوج"، رغم أنهم من الجن، وهذه خصوصية وردت في حق "يأجوج ومأجوج" كطائفة مشاهدة من الجن للبشر، مما يدل على عدم امتناع ظهور الجن للناس على إطلاقه، فظهورهم تبعا لمشيئتهم، هذا إن امتلك الجني من القوة مثل ما لقوم "يأجوج ومأجوج".

وقد ذهب كثير من أهل العلم إلى استحالة رؤية الجن على عمومهم، وقولهم محل نظر، وسندهم في مذهبهم قول الله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ) [الأعراف: 27]، والشاهد من الآية قوله تعالى (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ) فحملوا كلمة (قَبِيلُهُ) على عموم جنس بني الجن، وهذا فيه مغالطة من جهة اللغة، فقبيله تعني جماعته ولا تعني مطلقا بني جنسه. وعلى هذا فالمعنى اللغوي لكلمة (قَبِيلُهُ) يسقط الاستدلال بالآية الكريمة في غير موضعها، لمن قال باستحالة رؤية الإنس للجن، أو ظهور الجن متجسدين للعيان.

في لسان العرب: (القبيل: الجماعة من الناس يكونون من الثلاثة فصاعدا من قوم شتى، كالزنج والروم والعرب، وقد يكونون من نحو واحد، وربما كان القبيل من أب واحد كالقبيلة، وجمع القبيل قبل، واستعمل سيبويه القبيل في الجمع والتصغير وغيرهما من الأبواب المتشابهة).

المنكرين هو ما وقع لكثير من الصحابة رضوان الله عليهم، وللكفار، من ظهور شياطين الجن لهم، وهذا ثابت بنصوص صحيحة صريحة الدلالة بلا تأويل لا لبس فيها، ولا شك. إذا فظهور "يأجوج ومأجوج" للعيان في الماضي البعيد، وفي المستقبل القريب، وظهور الشياطين للصحابة والمشركين، ينفي مذهب من قال بامتناع تجسد الجن وتخفيهم عن أعيننا، وينفي الخصوصية الزمانية والمكانية والشخصية، فرؤية الجن ممكن في كل زمان ومكان، ولكل صالح وطالح، ومؤمن وكافر.

يتبع


untitled-1897878783.png (1235×227)


رد مع اقتباس