عرض مشاركة واحدة
  #14  
قديم 09-15-2015, 12:16 AM
جند الله جند الله غير متواجد حالياً
المدير
 Egypt
 Male
 
تاريخ التسجيل: 16-12-2013
الدولة: القاهرة
العمر: 53
المشاركات: 8,371
معدل تقييم المستوى: 10
جند الله تم تعطيل التقييم
افتراضي

مكونات السد ومراحل بناءه:
إن تشييد أي مبنى وفق أصول هندسة الإنشاء المعماري لابد وأن يتكون من جزأين، القواعد، والمبنى، بدون هذا التقسيم في تشييد أي مبنى فإنه لا يمكن أن يستقر فوق سطح الأرض، خاصة وإن كان سدا عظيما مثل سد "يأجوج ومأجوج" فلا بد لمؤسسه أن يراعي استمراره قائما لآلاف السنين، وكذلك الوظيفة المنوط بها السد، وعليه فالسد يتكون من ثلاثة أجزاء:

الجزء الأول:
ردم ما يراد سده تحت سطح الأرض.

الجزء الثاني:
قاعدة يتم ترسيخها تحت سطح الأرض.

الجزء الثالث:
مبنى مشيد فوق سطح الأرض.

وهذا التقسيم الهندسي نلاحظه في الجبال الشاهقة لابد لها من أساس ممتد تحت الأرض، لذلك سماها الله تعالى أوتادا، قال تعالى: (وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا) [النبأ: 7]، وهذا مما يساعد على رسوخ الجبال، وثباتها ورسوها قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ) [الرعد: 3]. فوضع الأساسات هي أهم خطوة في الإعداد لبناء أي مبنى في العالم، ورفع القواعد هو أول خطوة قام بها إبراهيم عليه السلام حين قام ببناء الكعبة، فأهمية بناء القواعد لأي بناء أصل هندسي ثابت في كتاب الله العظيم، قال تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ) [البقرة: 127].

فبناء السد له خصوصية من حيث الوظيفة المشيد لها، حيث يجيب أن يراعى فيه عزل "يأجوج ومأجوج" لمنعهم من الصعود إلى سطح الأرض. وعزلهم كان أول خطوة قام بها "ذو القرنين" عند تشييد السد، وهي ما تناوله القرآن الكريم بالتفصيل في سورة الكهف. قال تعالى: (قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا) [الكهف: 94؛ 96].

موقع الردم:
حيث ورد ذكر لفظين منفصلين في محكم الآيات وهما (سَدًّا)، و(رَدْمًا)، فالسد هو مجمل البناء الذي قام بتشييده، ويشمل القاعدة تحت سطح الأرض، والبناء المشيد فوق سطح الأرض. أما الردم فهو خلاف السد، ومتواجد أسفل قاعدة السد، ووظيفته ردم الحفرة التي يخرج منها قوم "يأجوج ومأجوج". فالخطوات التي فصلها القرآن الكريم متعلقة بردم حفرة "يأجوج ومأجوج"، ولا علاقة لها ببناء السد على مجمله، والسبب في هذا أن مرحلة الردم هي أهم مرحلة في بناء السد، لأنها تهتم بالعزل بيننا وبين "يأجوج ومأجوج". فلا أهمية لذكر بناء السد مقارنة بأهمية تفاصيل عزلهم، لأن كيفية تشييد السد من البديهيات المعمارية التي لا تحتاج إلى تفصيل وشرح.


رسم بياني لمكونات السد وأجزاءه

لقد حدد ذو القرنين مكان الردم بمنتهى الدقة، فقال: (بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ) ظرف مكان يفيد أن الردم تم عمله في مكان وسط يقع بين البشر فوق سطح الأرض، وبين "يأجوج ومأجوج" في جوف الأرض، فتم عمل الردم في المسافة الفاصلة ما بين سطح الأرض وأعلى التجويف في باطن الأرض. لذلك لا يصح القول بأن الردم تم عمله فوق سطح الأرض، إنما قاعدة السد هو ما تم بناؤه فوق الردم، وفوق سطح الأرض يرتفع جسم السد. فإن كان المدخل إلى "يأجوج ومأجوج" يقع بين السدين، إلا أن مكونات الردم من زبر الحديد والقطر تسد ما بين الصدفين أي جانبي جوف المدخل.

إذن الردم المذكور في القرآن والسنة ليس هو جسم السد الظاهر فوق سطح الأرض، ولكن المقصود بالردم هنا ما تم به سد مدخل يأجوج ومأجوج، الحجارة التي سد بها الفتحة أو الباب الموصل إلى تحت الأرض حيث يقيم "يأجوج ومأجوج". وعليه لا يصح القول أن الردم هو عين السد، بل إن الردم جزء لا يتجزأ من بنيان السد. ففي روايتين صحيحتين ذكر الردم على وجه الخصوص فقال: (فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج) فخصص الردم بنسبته إلى يأجوج ومأجوج، وذكر مرة على وجه العموم (إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم) فجعلهم يحفرون كامل السد، وليس الردم فقط، مما يفيد اختلاف دلالة الردم عن دلالة السد، وأن الردم جزء من السد.

فمن حديث زينب بنت جحش رضي الله عنها قالت: استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم من نومه وهو محمر وجهه وهو يقول: (لا إله إلا الله! ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج). وعقد بيديه عشرة. قالت: زينب قلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: (إذا كثر الخبث).

ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنه في صحيح الجامع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس، قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدا، فيعيده الله أشد ما كان، حتى إذا بلغت مدتهم، وأراد الله أن يبعثهم على الناس حضروا، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدا إن شاء الله، واستثنوا، فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه ويخرجون على الناس، فينشفون الماء، ويتحصن الناس منهم في حصونهم، فيرمون سهامهم إلى السماء، فترجع وعليها كهيئة الدم الذي أجفظ، فيقولون: قهرنا أهل الأرض، وعلونا أهل السماء! فيبعث الله عليهم نغفا في أقفائهم فيقتلهم بها، والذي نفسي بيده إن دواب الأرض لتسمن وتشكر شكرا من لحومهم ودمائهم).

المرحلة الأولى:
تنقسم المرحلة الأولى إلى عدة خطوات، فلابد أولا من حفر الأساس، ثم جمع زبر الحديد، ثم تسوية ما بين الصدفين، ثم النفخ، ثم صب النحاس المذاب.

حفر الأساس:

عند تشييد أي بناء فأول ما يقوم به البناءون هو حفر الأرض وصب الأساسات، وحقيقة لم يرد في القرآن ذكر أن "ذو القرنين" قام بالحفر لتأسيس السد وتشييده، لأن وضع الأساسات لتشييد أي بناء في العالم من المسلمات التي لا يقدم ذكرها جديدا، بالإضافة إلى أن الأساسات لا بد أن يحفر لها عميقا في باطن الأرض، وبدون حفر لا يكون للأساس وجود، وبالتالي ينتفي وجود بناء للسد. حيث اقتصر القرآن الكريم على ذكر أهم ما اعتمد عليه تأسيس بناء السد من تفاصيل، تعد وثيقة الصلة بمنع يأجوج ومأجوج من الخروج للإفساد في الأرض، فحدد الهدف من بناءه، وبين تفاصيل تحقيق هذا الهدف.

فمن الواجب أن نذكر حفر الأساسات عند دراستنا لكيفية بناء السد، كخطوة تهدف إلى إسقاط الآيات في الواقع حتى نستطيع أن نتبين وجه دلالة النص. ولكي نعلم أن القرآن الكريم عندما ذكر ما قام به "ذو القرنين" من عمل، لم يذكر وصفا شاملا لكل خطوات بناء السد، إنما ذكر أهم مراحل وضع الأساس لبناء السد، وبين الحكمة البالغة من تنفيذها، وهذا من عظيم بلاغة كلام الله تبارك وتعالى. وبناءا عليه فليس كل ما ذكره الله تعالى في قصة بناء السد من مراحل هو فقط ما تم بالفعل من عمل، إنما هناك مراحل أخرى من التشييد سكت القرآن الكريم عن ذكرها، لكونها مسلمات، فكان يجب علينا ذكرها عند دراستنا للقرآن الكريم، حتى نسقط الآيات في موضعها الصحيح، وبهذا يستقيم فهمنا لدلالة النص.
لذلك فسر ما أورده القرآن الكريم من تفاصيل عن بناء السد على أنها جميع مراحل بناء السد، وبالتالي أهملوا ما سكت عنه القرآن من تفاصيل بديهية، بدونها لم يكن "ذو القرنين" يتمكن من إتمام عمله، من أجل تحقيق الغرض من بناء السد، فلا يمكن أن نتخيل بناء سد بدون أساسات تحجب ما خلفه. وكان جديرا بمن يدرس قصة بناء السد، أن يضع في حساباته جميع المراحل العلمية لتشييد أي بناء، حتى يستطيع تحديد في أي مرحلة قام "ذو القرنين" بما قام به من عمل. لذلك اعتقد الكثيرين أن المقصود بما ذكره القرآن الكريم عن تشييد السد هو الجزء الظاهر منه فقط، وأغفلوا الجزء الأساسي المخفي منه تحت الأرض، هذا والله اعلم.

فأول خطوة من المفترض أن قام بها "ذو القرنين" هي إعداد حفرة واسعة وغاية في العمق، حيث بني الهرم الثاني على مساحة 215 متر مربع، وهي بالتأكيد مساحة أقل بكثير مما يفترض أن يحفر، لأن الأساس لابد أن يكون أكثر اتساعا من مساحة قاعدة هيكل السد، لتمكين الأساسات من تحمل ثقل القاعدة العريضة لجسم السد.

وفي واقع الأمر فإن الحفر في هضبة صخرية أمر عسير جدا، لذلك فمن الراجح أنه تمت الاستفادة من الحجارة الناتجة عن الحفر في عملية البناء فلم تهدر. وحفر الأساس بهذه الطريقة العملية يحتاج جهدا وزمنا كبيرين، ولكن لأن الله تعالى سخر شياطين الجن لسليمان عليه السلام، فإن البشر لن يتكبدوا أدنى مشقة هذا العمل المضني.

وباعتبار أن أي بناء يتكون من أربعة جوانب، فكذلك السد كان له أربعة جوانب، وعليه فإن الحفرة التي ستحتوي الأساس لا بد أن تكون رباعية الشكل، تلتقي أقطارها في المركز حيث يقع باب "يأجوج ومأجوج". ويشترط أن تكون حفرة عميقة جدا بهدف الوصول إلى أعمق نقطة يمكن ردمها تحت الأرض، من أجل سد الباب عليهم وردمه بالحجارة والصخور، وإرساء قاعدة راسخة لبناء السد عليها. لذلك فإن أبعاد هذه الحفرة أطول من أبعاد قاعدة الهرم الأوسط، بمعنى أن قاعدة جسم السد الظاهرة فوق سطح الأرض أقل عرضا من الحفرة.

ومن يدقق النظر حول الجانب الشمالي والغربي للهرم الأوسط، سوف يجد جزء ظاهر من جانبي هذه الحفرة، أهمل التعامل معه بسبب ارتفاعه عن منسوب الأرض، حيث كان يجب أن تنخفض قاعدة الهرم عن هذين الجانبين بهدف استواء منسوب سطح الأرض.


صورة توضيحية تبين جزء ظاهر من الحفرة الكبيرة التي تم حفرها لوضع أساسا بناء سد يأجوج ومأجوج


يظهر خلف قاعدة الهرم الغربية جزء صخري مرتفع مما تبقى من الجانب الغربي للحفرة، ترك مهملا بسبب ارتفاعه عن منسوب الأرض.

ومن يتأمل الأرض حول قاعدة الهرم سوف يتأكد بما لا يدع مجالا للشك أن الحفر لم يتوقف عند استواء منسوب الأرض فقط، بل امتد عميقا إلى ما تحت مستوى الأرض ذات كتل الصخور الكلسية الضخمة، والمرصوفة بطبقة من صخور البازلت أو الجرانيت، ويتخلل فيما بينها شقوق تدل على حدود كل صخرة.


الأرض حول قاعدة الهرم عبارة عن صخور ضخمة متراصة بجوار بعضها البعض، لاحظ الفواصل بين الحجارة.

يبدو أن الحجارة الكلسية المرصوفة حول قاعدة الهرم، هي مما تم استخراجه من الحفرة الكبيرة، ولا يمنع أن تم إضافة حجارة من مناطق أخرى، وذلك لأن الحجارة المستخرجة من الحفرة لن تكفي لبناء جسم السد، والدليل على أنه تم إضافة صخور من مناطق أخر، أننا سنلاحظ وجود كسوة من صخور البازلت السوداء، تشكل طبقة من صف واحد تغطي الحجارة الكلسية تماما، ولكن يبدو أنها مع الزمن تم خلعها والانتفاع بها في مكان آخر، لكن يوجد بقايا يمكن مشاهدتها تثبت ما أشرنا إليه.


طبقة من صخور البازلت تم رصف الأرض بها حول قاعدة الهرم لتغطي الحجارة الكلسية التي تم وضعها في حفرة الأساس.

ردم البوابة:
بعد حفر أساس السد تحت الأرض، فمن المؤكد أنه سيبلغ إلى أصول مدخل "يأجوج ومأجوج"، باعتباره بئر أو حفرة ممتدة تحت الأرض يعبرون من خلالها إلى سطحها، وحينها بدأ "ذو القرنين" بسد المدخل الذي يخرج منه "يأجوج ومأجوج"، وهذا من قوله تعالى: (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا) [الكهف: 95]. فسد الباب عليهم بزبر الحديد ثم صب فوقه النحاس، حتى امتلأت الحفر عن آخرها، وساواه بقاع الحفرة العميقة، فتسطح قاع الحفرة تماما، وبهذا يكون قد تم عمل الردم.في لسان العرب: (ردم: الردم: سدك بابا كله أو ثلمة أو مدخلا أو نحو ذلك. يقال: ردم الباب والثلمة ونحوهما يردمه، بالكسر، ردما سده، وقيل: الردم أكثر من السد لأن الردم ما جعل بعضه على بعض).مرحلة الردم هذه استعان فيها بالقوة البشرية، ولم يقتصر اعتماده في تنفيذها على استخدم شياطين الجن، لقوله: (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ)، أي القوة البشرية، وطلبه المعونة منهم ليس عن عجز منه أو من شياطين الجن، إنما من الواضح أن مرحلة الردم كانت من أخطر المراحل على الإنس من قبل قوم "يأجوج ومأجوج"، فبكل تأكيد لم يسلموا من إفسادهم في الأرض من قبل، وبالتالي لن يسلموا من اعتداءهم إن هم حاولوا أن يسدوا عليهم آخر منفذ لهم إلى سطح الأرض، وعالم الإنس.

لذلك ففي هذه المرحلة، كان على "ذو القرنين" مسؤولية التفرغ لتأمين باب "يأجوج ومأجوج" ضد أي محاولة منهم للاعتداء على العاملين في ردم البوابة، حتى يستطيعوا إتمام عملهم بدون التعرض لأية مخاطر. وفي واقع الأمر أن من ذهبوا إليه يشكون إفسادهم في الأرض، لن يستطيعوا الاقتراب منهم لردم الباب عليهم ما لم يتم تأمينهم، ولو كان لهم قبل بقوم "يأجوج ومأجوج" لتكفلوا بهم ولاستغنوا عن الاستعانة به. فكان لزاما الاعتماد على رجل اختصه بالقدرة على التصدي لهم بصفتهم من جملة شياطين الجن، وكما هو معلوم وثابت بصريح النص القرآني، أن سليمان عليه السلام هو من اختصه الله بتسخير شياطين الجن له، قال تعالى: (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ) [ص: 36؛ 38].

لم تكن لدى شياطين الجن، و"يأجوج ومأجوج"، القدرة على معصية أمره، وإلا تعرضوا لأشد العذاب، قال تعالى: (وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ) [سبأ: 12]. لذلك فتأمين مهمة ردم السد ضد عدوان قوم "يأجوج ومأجوج"، كان أهم دور في عملية تشييد السد، وبدون تأمين العاملين لكان بناء السد ضربا من المحال.

لاحظ أنه بعد نزول المسيح عليه السلام، سيأمره الله تعالى بتحريز عباده إلى الطور، حيث لا قبل للبشر حينها بقتال "يأجوج ومأجوج"، فمن حديث النواس بن سمعان الكلابي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذ أوحى الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عبادا لي، لا يدان لأحد بقتالهم . فحرز عبادي إلى الطور). فبالرغم من أن عيسى عليه السلام نبي مرسل، إلا أنه لم يؤتى خصوصية التصدي لهؤلاء القوم من شياطين الجن، بل أمره ربه بالتحرز منهم. فلو كان "ذو القرنين" ملكا ونبيا فقط، لما استطاع مواجهتهم وبناء السد، ولكن لابد أنه كان ملك نبي اختصه الله بخصوصية التصدي للجن، وهذا ما يقطع بأن "ذي القرنين" هو نبي الله الملك سليمان عليه السلام، فلم يختص الله أحد من البشر غيره بتسخير شياطين الجن.

في دعاء جامع ضد اعتداء شياطين الجن، علمه جبريل عليه السلام لنبينا صلى الله عليه وسلم، ثبت فيه نصا الاستعاذة بالله تبارك وتعالى، من شر ما ذرأ في الأرض، ومن شر ما يخرج منها، أي من شر ذرأ في الأرض من شياطين، ومن شر ما يخرج منها من شياطين الجن، أي أن باطن الأرض مأهولة بشياطين الجن. فمن حديث عبد الرحمن بن حنيش التميمي، وحسنه شيخنا الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة:

جاءت الشياطين إلى رسول الله من الأودية، وتحدرت عليه من الجبال، و فيهم شيطان معه شعلة من نار يريد أن يحرق بها رسول الله، قال: فرعب، قال جعفر: أحسبه قال: جعل يتأخر. قال: وجاء جبريل فقال: يا محمد! قل. قال: (ما أقول؟) قال: قل: (أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما خلق و ذرأ و برأ، ومن شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن!)، فطفئت نار الشيطان، وهزمهم الله عز و جل.فالغرض من الدعاء هنا، هو الاستعاذة بالله تبارك وتعالى من شر شياطين الجن، ثم خصص النص كل طائفة من الشياطين، فمنهم من ينزل من السماء، ومنهم من يعرج فيها، ومنهم من ذرأ في الأرض، ومنهم من يخرج منها. إذن يوجد من شياطين الجن من يقيمون في الأرض، ويخرجون منها لإيذاء الناس، وأخبرتنا النصوص عن فريق منهم وهم قوم "يأجوج ومأجوج".

جمع زبر الحديد:
من المؤكد أن "يأجوج ومأجوج" مع فرط قوتهم، لن يعجزوا عن نقب مكوناته، ولو بعد طول زمن، خاصة وأنه يتخللها فراغات وفجوات من السهل أن تضعف من تماسكها مع مرور الزمن. بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم (فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج) وعقد بيديه عشرة. فهم استطاعوا فتح الردم رغم كل ما قام به "ذو القرنين"، وهذا لا يمنع أن يتوكل على الله فيأخذ بالأسباب، ثم يفوض الأمر لله تعالى فهو كفيل بهم قال تعالى: (قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا) [الكهف: 98].

وبسبب حسن توكل "ذو القرنين" على الله، وأخذ بالأسباب، فإن الله يعيد السد أشد ما كان كلما فتحوه، رغم أن يأجوج ومأجوج يحفرون السد كل يوم، حتى كادوا يرون شعاع الشمس، فمن حديث أبي هريرة رضي الله عنه في صحيح الجامع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس، قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدا، فيعيده الله أشد ما كان، حتى إذا بلغت مدتهم، وأراد الله أن يبعثهم على الناس حضروا، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدا إن شاء الله، واستثنوا، فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه ويخرجون على الناس، ...).

لذلك كان لابد من معالجة تلك الصخور بطريقة تكسبها صلابة، وتسد ما بينها من فجوات وفراغات، ولأن الله آتى سليمان عليه السلام علما عز وجوده في زمانه، فقد أسال له عين القطر أو النحاس المذاب، وورث من علم أبيه داود عليه السلام، إلانة وتطويع الحديد، فقد كان لديه من العلم ما يستطيع به تطويع المعادن وسبكها. وسوف نتعرف كيف استفاد من هذا العلم في إحكام غلق الردم على "يأجوج ومأجوج".

أمر ذو القرنين القوم أن يأتوه بزبر الحديد، قال تعالى: (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ)، وهذا يدل على أن خام الحديد لم يكن متاحا له، على خلاف القطر فقد تكفل بإفراغه ولم يطلب منهم أن يوفروه له.

وفي لسان العرب: (وزبرة الحديد: القطعة الضخمة منه، والجمع زبر. قال تعالى (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ) ... الزبرة القطعة من الحديد، والجمع زبر).

وزبر الحديد المستخدمة في تأسيس السد هي عبارة عن قطع من حجارة الحديد الخام، المتوفرة بنسب ضئيلة جدا غير متحد بعناصر أخرى إلا من بعض الشوائب، إلا أن مركباته واسعة الانتشار في التربة والصخور بنسب متفاوتة، وقطع الحديد هي ما تسمى علميا باسم "الحجارة النيزكية Meteorite"، والتي كانت المصدر الرئيسي للحصول على معدن الحديد في ذاك الزمان، حيث لم يعرف بعد استخراج الحديد من المناجم.


زبر الحديد أو (الحجارة النيزكية Meteorite)

استخدم المصريون الحديد النيزكي، فهم أوائل من استخدمه، حيث عثر على أدوات مصنعة منه ترجع إلى حوالي عام 3500 قبل الميلاد. وبناءا عليه لم يعرف بعد صهر الحديد وسباكته ليتم سحبه وتشكيله على هيئة قضبان أو كتلا ضخمة منه، إنما كانوا يجمعون تلك الحجارة النيزيكية من الصحراء حولهم.

عرف الإنسان الحديد منذ القدم، يجمع كحجارة صلبة من على سطح الأرض، حيث كانت تهبط من السماء فيما يعرف بالحديد النيزكي. لذلك تم تقديسه ويسميه معدن السماء أو معدن الآلهة، وفي نيجيريا على سبيل المثال عرفوا عبادة الإله أوغن Ogun إله الحديد، وهو خلاف الإله أوغون Ogoun إله الحرب والنار لدى الهنود الحمر. ولم يعرف الإنسان الحديد مصهورا إلا عن طريق الحمم البركانية، وما تخرجه البراكين من معادن مختلفة مصهورة ومختلطة منها الحديد. وعلى هذا فقد كان الحديد يحتوي على قدر كبير من الشوائب، هذا بخلاف أن الحديد وحده يعد عنصر لين إن لم يسبك مع معدن آخر يكسبه صلابة وقوة، لذلك كان صهر الحديد والمعادن يحتاج إلى نار حامية تنقيته من الشوائب، والوصول بالنار على درجة حرارة عالية هو ما لم يتوفر قبل عهد داود وسليمان عليهما السلام.



ومن الواضح أنه استخدم كمية هائلة من زبر الحديد، هذا إذا عرفنا أن الصدف كل شيء مرتفع عظيم كالهدف والحائط والجبل. حيث ارتفع بحجارة الحديد حتى ساوى بين جانبي قاعدة السد قال تعالى: (حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ)، أي ساوى بين الصدفين بحجارة الحديد. وغزارة كمية الحديد كانت تطلب ولا شك عدد غفيرا من القوة البشرية، وهذا شاهد على قوة هؤلاء القوم وغزارة عددهم حين ذاك، قال تعالى: (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا)، وهذا يدل على أن المقصود بالقوة هنا هي القوة البشرية، وكناية وكثرة عدد الأفراد المشاركين في جمع زبر الحديد، وكذلك القوة المالية نظير ما يقدم من أجور لهم على عملهم هذا.


ومصدر الحديد هو الحجارة التي تكونت في الفضاء الخارجي وارتطم بسطح الكرة الأرضية ويطلق عليه اسم "الحجر النيزكيMeteorite "، وميتيورايت اسم مستمد من أصل يوناني، بينما يطلق على هذا الجسم وهو في الفضاء اسم "الجسيم النيزكي meteoroid" أو النيزك الدائر حول الشمس، وعندما يقترب من الأرض يزداد ضغط الجسم فترتفع حرارته ويسطع ضوئه، فيتحول إلى شبه كرة نارية، وهو ما يطلق عليه "الشهاب النجميmeteor "، وتم العثور على حجارة نيزكية على سطح الأرض والقمر والمريخ والمشتري.

وما يطلق عليه "الشهاب النيزكي Meteor " عبارة عن الوميض المذنب الذي نراه يسطع ليلا في السماء، نتيجة اشتعال الحجر النيزكي، أما الحجر نفسه فيسمى "الجسيم النيزكيMeteoroid " وهو جسيم صغير الحجم لا يتعدى المليمترات، ومعظمها تتبخر أو تتلاشى عندما تدخل في الغلاف الجوي قيل وصولها لسطح الأرض، وإلا ارتطمت بالأرض، وحينها يطلق عليها "الحجر النيزكي Meteorite" وغالبا ما تكون الحجارة النيزكية ضئيلة الحجم، فقد يتراوح وزن الحجر منها ما بين جرامات، ومنها ما قد يصل إلى حجم صخرة تزن مئات الكيلوجرامات.


وتقسم الأحجار النيزكية Meteorites حسب تركيبها إلى ثلاثة أقسام:

النوع الأول Stony meteorite:
والتي تقسم إلى نوعين آخرين هما chondrites وachondrites. معظم الأحجار النيزكية التي اكتشفت على سطح الأرض ترجع لهذا النوع. وحوالي 68٪ من الأحجار النيزكية تسقط على الأرض هي من النوع chondrites التي تتصف بأنها صغيرة الحجم ودائرية وتحتوي معظمها على معادن السيليكا والتي تبدو منصهره على طريق السقوط قبل ارتطامها بالأرض.


النوع الثاني Stony-iron meteorites:

وهذا النوع من الأحجار النيزكية تحتوي على معادن السيليكا وكمية كبيرة من المواد المعدنية والمواد الصخرية، أي تحتوي على خليط من الحديد السيليكا.


النوع الثالث Iron meteorites:
والتي تحتوي على المواد المعدنية وحديد النيكل. وفقط 6٪ من الجسيمات النيزكية من النوع الحديدي.


وعلى هذا فالحديد معدن ينزل من السماء على هيئة نيازك حجرية، فهو معدن من خارج نطاق الكرة الأرضية،قال تعالى: (وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) [الحديد: 25]. وهكذا تعرفنا على أنواع زبر الحديد وأشكالها المختلفة، حتى نتصور ما قام أهل (صعيد مصر وادي النيل) بجمعه من زبر الحديد، فهم من ساهموا بقوتهم البشرية في بناء السد، فإن كان البناء تم بإشراف نبي الله سليمان عليه السلام، فلا حق لليهود اليوم أن ينسبوا لأنفسهم فضل العمل في بناء السد، بل المصريين هم من أسهموا في بناءه.

التسوية بين الصدفين:
ولأن الردم يتكون من حجارة الحديد، فمن المتيسر على "يأجوج ومأجوج" نقب هذا الحجارة وتفتيتها، ليتيسر خروجهم من تحت الردم إلى سطح الأرض. لذلك استمر في ردم الحفرة عن آخرها بزبر الحديد حتى ساواها بسطح الأرض، قال تعالى (حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ) [الكهف: 96]. و(الصَّدَفَيْنِ) هما جانبي الحفرة. في لسان العرب: (الأصمعي: الصدف كل شيء مرتفع عظيم كالهدف والحائط والجبل. والصدف والصدفة: الجانب والناحية. والصدف والصُّدف: منقطع الجبل المرتفع. ابن سيده: والصدف جانب الجبل، وقيل الصدف ما بين الجبلين، والصُّدف لغة فيه؛ عن كراع). فذكر الله تبارك وتعالى صدفين، أي جانبين فقط، ولم يذكر الصدفين الآخرين، لأنه بداهة أي حفرة سواء كانت رباعية أو دائرية، لابد له من أربعة جوانب، فإن ذكر جانبين يقتضي وجود جوانب أخرى. فإذا ساوى بين صدفين من أي جهة، شمالية وجنوبية، أو شرقية وغربية، فسوف يستوي ما بين الصدفين الآخرين تلقائيا، وعليه فلا حاجة لذكر الصدفين الآخرين في الآية، وهذا من بلاغة القرآن الكريم. ولا يصح حمل الصدفين على أنهما جانبي الجبلين، لأن لفظ السدين لا يفيد وجود جبلين، إنما يفيد حسب القراءتين بضم السين وفتحها أنهما حاجزان د أشبه بالجبل، وقد تقدم بيان هذا مفصلا. خاصة وأن معنى الردم يفيد سد الحفرة أو الثلمة، والثلمة حسب لسان العرب هي (الخلل في الحائط وغيره) وهذا يسري على الحفرة في الأرض. وعليه فالردم لا يصح أن يقام بين جانبي جبلين، لأن جانبي الردم من أمامه وخلفه لا يستندان إلى جدارين، ولم يرد في الآيات ذكر لبناء جدارين، وحتى الصدفين الوارد ذكرهما لم يذكر أنه قام بتشييدهما، مما دل على وجدهما مسبقا.


بينما الحفرة مخروطية الشكل يقل قطاعها كلما نزلنا إلى أسفل، بحيث يساعد ميل جوانبها وانحدارها على صعود "يأجوج ومأجوج" ونزولهم في الحفرة، لتنتهي بفتحة ضيقة تحت الأرض تطل على قوم "يأجوج ومأجوج". فلا يوجد حول الحفرة خلل أو فراغ، لأن حوافها تحجز زبر الحديد من جميع جوانبها، حتى ساواه بجميع جوانبها فسدت الحفرة تماما.

النفخ:

بعد إعداد زبر الحديد، (قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا) [الكهف: 96]، أي جعله متأججا، فلم يصل به إلى حد الانصهار، حيث أمرهم بالنفخ فقال: (انفُخُوا)، بينما تولى هو (جَعَلَهُ نَارًا)، مما يعني أنه قام بجزء من مهمة إشعال الحديد نارا، وإشعال الحديد لا يقتصر على النفخ فقط، فكان لابد من توفير وقود، بالإضافة إلى أن تأجيج مساحة شاسعة وكمية هائلة من زبر الحديد تحتاج إلى بناء فرن ضخم جدا، وأن يكون ذو فتحات تهوية تسمح بتمرير الهواء إلى داخل هذا الفرن، من أجل تسعير جذوة النار. وربما أن فتحات التهوية المتواجدة في الهرم كان هي الفتحات وظيفتها تمرير الهواء المنفوخ، مما يعني أن الهرم كان عبارة عن فرن كبير، وفي قاعه تحت القاعدة تماما تكمن طبقة من زبر الحديد والنحاس. فمن المؤكد أن "ذي القرنين" علمهم طريقة خاصة في النفخ لم يرد ذكرها في النص، لكن بلا أدنى شك أنهم لجئوا إلى طريقة مبتكرة للنفخ تم تطويرها حتى وصلنا إلى شكل المنفاخ التقليدي اليوم.


(وكان الحديد لأجيال طويلة نادرا لدرجة أنه كان يعتبر أغلى من الذهب، وكانت مهنة الحدادة من أشرف المهن في العصور القديمة والوسطى، فقد كانت مهنة نبي الله داود عليه السلام... وبغية تنقية الحديد من الشوائب، فقد اخترع الفرن النفاخ، حيث يكون هذا الفرن كبير الحجم، يبلغ ارتفاعه نحوا من ثلاثة وثلاثين قدما وقطره حوالي ثمانية أمتار، ويبطن من الداخل بآجر ناري ذي مزايا خاصة... توجد بمصر، طبيعيا، مجموعة متنوعة من خامات المعادن؛ وكان معدن النحاس هو الأكثر استخداما في مصر القديمة. وعرف الحديد النيزكي أولا، ولكنه لم يكن يستخرج من المناجم أو يستغل عامة؛ حتى العصر البطلمي).

(وللوصول إلى درجة حرارة عالية كافية لاستخلاص المعادن من خاماتها الطبيعية، فإن قدماء المصريين بنوا مواقد خاصة كانت تحمى بالفحم. وكانت المعادن تصهر، لتنقى، في بوتقة فوق النار. وكان العمال، في عصر الدولة القديمة، ينفخون في النار بمنافخ؛ للوصول إلى درجة حرارة انصهار المعدن، وكان ذلك يتطلب عددا من العمال الذين يتناوبون على النفخ. وطورت منافخ الكير الكبرى في الدولة الحديثة؛ وكانت تتكون من طبق فخاري قليل العمق مغطى بالجلد. وعندما كان المعدن يستخلص، فإنه عادة ما يعد على هيئة كتل؛ ثم يرقق باستخدام مطرقة حجرية بيضاوية).

صب النحاس المذاب:
كان يجب أن يتوافر في هذا الردم مواصفات خاصة، وغاية في الأهمية، بهدف أن يعجز يأجوج ومأجوج عن ارتقاء ظهر الردم، وأن يعجزوا عن نقب ما يحويه من صخور صلدة، قال تعالى: (فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا) [الكهف: 97].

في لسان العرب: (يقال: ظهر على الحائط وعلى السطح صار فوقه. وظهر على الشيء إذا غلبه وعلاه. ويقال: ظهر فلان على الجبل إذا علاه. وظهر السطح ظهورا: علاه).

فقوله تعالى (اسْطَاعُوا) يوحي بالسهولة واليسر لكي (يَظْهَرُوهُ)، بينما استخدم قوله (اسْتَطَاعُوا) توحي بالصعوبة والعسر مع قوله (نَقْبًا)، لأن عجزهم عن أن يظهروا الردم مترتب على عجزهم عن نقبه، فإن تعسر عليهم النقب تعسر بالتالي أن يظهروه، فأن ينقبوا الردم أشد صعوبة من أن يعتلوا ظهره.

تولى "ذو القرنين" بنفسه إفراغ النحاس المذاب فوق زبر الحديد المتأججة نارا، قال تعالى: (قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا) [الكهف: 96]، وقد اختص الله تعالى سليمان عليه السلام بأن أسال له عين القطر، قال تعالى: (وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ) [سبأ: 12]، وهذا يدعم القول بأن "ذي القرنين" هو كنية أو لقب لنبي الله "سليمان" عليه السلام.

ينصهر الحديد عند درجة حرارة (1535ْ) مئوية، ويغلي عند درجة حرارة (2750ْ) مئوية. بينما ينصهر النحاس عند درجة حرارة حوالي (1083ْ) مئوية، ويغلي عند درجة حرارة (2567ْ) مئوية. فالوصول بالنحاس إلى درجة الغليان يحتاج إلى أفران خاصة، وهذا يحتاج تقنية لم يكن من الهين توفيرها في تلك العصور، حيث كانت تصاغ المعادن بالطرق، فلم تعرف سباكة المعادن بعد. لذلك من المؤكد أن هذا تم بعلم من الله تعالى لنبيه سليمان عليه السلام. فقوله (أُفْرِغْ) يفيد أن النحاس وصل إلى مرحلة الغليان، وتحول إلى سائل يمكن صبه.

ففي لسان العرب: (والإفراغ: الصب. وفرغ عليه الماء وأفرغه: صبه... وافرغ الذهب والفضة وغيرهما من الجواهر الذائبة: صبها في قالب).

سيبرد الحديد قبل أن يبرد النحاس، لأن انصهار الحديد يتطلب درجة حرارة أعلى من النحاس، وبالتالي سيستمر النحاس مذابا أطول فترة ممكنة، وبهذه الطريقة لن يسمح الحديد المستعر ببقاء النحاس المذاب ثابتا أعلاه، بل سينساب بسبب الجاذبية الأرضية إلى طبقة الردم، فيتخلل الفراغات فيما بين الحجارة والصخور، ليملئ ما بينها من خلل، مما يؤدي إلى تماسكها فيما بينها.

هذا بخلاف تلاحم الحديد المنصهر مع النحاس المغلي ينتج عنه سبيكة (برونزية) تزيد من صلابة الردم ضد أي محاولة من "يأجوج ومأجوج" لنقب الردم، وتضاعف من قدرته على التحمل لأطول فترة زمنية ممكن. حيث أن النحاس يستخدم للحام الحديد، ويكسبه قوة أكثر. وفي هذا يذكر البيروني في كتابه "الجماهر في معرفة الجواهر" (لما كان النحاس لحام الحديد قال ذو القرنين “آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال ائتوني أفرغ عليه قطرا).

يتبع

untitled-1897878783.png (1235×227)


رد مع اقتباس