عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 08-23-2018, 04:44 PM
جند الله جند الله غير متواجد حالياً
المدير
 Egypt
 Male
 
تاريخ التسجيل: 16-12-2013
الدولة: القاهرة
العمر: 52
المشاركات: 7,586
معدل تقييم المستوى: 10
جند الله تم تعطيل التقييم
افتراضي دراسة: آيات حادثة الإفك وفيمن أنزلت!

قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿١١لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَـذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ ﴿١٢لَّوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَـئِكَ عِندَ اللَّـهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ ﴿١٣ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّـهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿١٤إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّـهِ عَظِيمٌ ﴿١٥وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـذَا سُبْحَانَكَ هَـذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ﴿١٦يَعِظُكُمُ اللَّـهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿١٧وَيُبَيِّنُ اللَّـهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّـهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿١٨ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّـهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿١٩وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّـهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّـهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴿٢٠ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّـهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَـكِنَّ اللَّـهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَاللَّـهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿٢١ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّـهُ لَكُمْ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٢٢ إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿٢٣يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٢٤ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّـهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّـهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ﴿٢٥) [النور].

اختلفت الروايات فيمن أنزلت آيات حادثة الإفك؛ فانقسمت الروايات بين عائشة ومارية القبطية، وسنحاول بإذن الله تعالى دراسة النصوص، عسى أن نصل للحقيقة بإذن الله تعالى. مع الأخذ في الاعتبار أن التاريخ مزيف، وتم العبث في الروايات، وإنما ندرس أقوالهم دون الانحياز لأي رأي منهم، فنحاول فهم آيات القرآن من خلال ما وافقه من الروايات ولم يعارضه.

وبعيدا عن الخلاف المذهبي، ومن قبل البحث في أي من زوجاته صلى الله عليه وسلم نزلت الآيات، هل في الآيات من دليل يشير أن المطعون في عرضها زوجة من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم؟ أم أن الآيات نزلت في غير زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، استغلوها حبلا يلعبون عليه مذهبيا، كل يدعي ما يخطئ به الآخر؟

كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا أرادَ سفرًا أَقْرَعَ بينَ أزواجِه، فأيَّتُهنَّ خرَجَ سهمُها خرَجَ بها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم معه ، قالت عائشةُ: فأقرَعَ بينَنا في غزوةٍ غزاها، فخرَجَ فيها سهمي، فخرَجْتُ مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بعدَ ما أُنْزِلَ الحجابُ، فكُنْتُ أُحْمَلُ في هَوْدَجِي وأُنْزَلُ فيه، فسِرْنا حتى إذا فَرَغَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من غزوتِه تلك وقَفَلَ ، ودَنَوْنا مِن المدينةِ قافلين ، آذَنَ ليلةً بالرحيلِ ، فقُمْتُ حينَ آذَنوا بالرَّحيلِ ، فمَشَيْتُ حتى جاوزْتُ الجيشَ ، فلما قَضَيتُ شأني أقبَلْتُ إلى رَحْلي ، فلَمَسْتُ صدري فإذا عِقْدٌ لي مِن جَزْعِ ظَفَارِ قد انقطَعَ! فرَجَعْتُ فالتَمَسْتُ عِقْدي؛ فحَبَسَني ابتغاؤُه،

قالت: وأقبلَ الرَّهْطُ الذين كانوا يَرْحَلُون لي، فاحتملوا هُوْدَجي، فرَحَلوه على بعيري الذي كنتُ أركَبُ عليه، وهم يَحْسِبون أني فيه، وكان النساءُ إذ ذاكَ خِفَافًا لم يَهْبُلْنَ، ولم يَغْشَهُنَّ اللحمُ؛ إنما يأكُلْنَ العَلَقَةَ مِن الطعامِ، فلم يَسْتَنْكِرِ القومُ خِفَةَ الهَوْدَجِ حينَ رَفعوه وحملوه، وكنتُ جاريةً حديثةَ السنِّ، فبعثوا الجملَ فساروا، ووَجَدْتُ عِقْدي بعدَ ما استمَرَّ الجيشُ، فجِئْتُ منازلَهم وليس بها منهم داعٍ ولا مجيبٌ، فتَيَمَّمْتُ منزلي الذي كنتُ فيه، وظَنَنْتُ أنهم سيَفْقِدوني فيَرجِعون إليَّ، فبينا أنا جالسةٌ في منزلي غلَبَتْني عيني فنِمْتُ، وكان صفوانُ بنُ المُعطِّل السُّلَمِيُّ ثم الذَّكْوَانِيُّ مِن وراءِ الجيشِ ، فأصبحَ عندَ منزلي، فرأى سَوادَ إنسانٍ نائمٍ، فعرفَني حين رآني، وكان رآني قبلَ الحجابِ، فاستيقَظْتُ باسترجاعِه حينَ عرَفَني، فخَمَّرْتُ وجهي بجِلْبابي، والله ما تكلَّمْنا بكلمةٍ، ولا سَمِعْتُ منه كلمةً غيرَ استرجاعِه، وهوى حتى أناخَ راحلتَه، فوَطِئَ على يدِها، فقُمْتُ إليها فركِبْتُها، فانطلَقَ يَقُودُ بي الراحلةَ حتى أَتَيْنا الجيشَ مُوغِرِين في نَحْرِ الظَّهيرةِ وهم نُزُولٌ .

قالت: فهلَكَ مَن هلَكَ، وكان الذي تَولَّى كِبْرَ الإفكِ عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلُولٍ. قال عروةُ: أُخْبِرْتُ أنه كان يُشاعُ ويُتَحَدَّثُ به عندَه، فيُقِرُّه ويَسْتَمِعُه ويَسْتَوْشِيه. وقال عروةُ أيضا: لم يُسَمَّ مِن أهلِ الإفكِ أيضًا إلا حسانُ بنُ ثابتٍ، ومِسْطَحُ بنُ أَثَاثَةَ، وحِمْنَةُ بنتُ جَحْشٍ، في ناسٍ آخرين لا علمَ لي بهم، غيرَ أنهم عُصْبَةٌ، كما قال الله تعالى، وإن كِبْرَ ذلك يُقالُ له: عبدُ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ابنُ سلولٍ. قال عروةُ: كانت عائشةُ تَكْرَهُ أن يُسَبَّ عندَها حسانٌ؛ وتقولُ: أنه الذي قال:

فإن أبي ووالدَه وعرضي *** لعرضِ محمدٍ منكم وقاءُ

قالت عائشةُ: فقَدِمْنا المدينةَ، فاشتَكَيْتُ حين قَدِمْتُ شهرًا، والناسُ يُفِيضون في قولِ أصحابِ الإِفْكِ، لا أشعرُ بشيءٍ مِن ذلك، وهو يُرِيبُني في وجعي أني لا أَعْرِفُ مِن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم اللُّطْفَ الذي كنتُ أرى منه حين أَشْتَكي، إنما يَدْخُلُ عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيُسَلِّمُ، ثم يقول: (كيف تِيْكُم؟) ثم يَنْصَرِفُ، فذلك يُرِيبُني ولا أَشْعُرُ بالشرِّ، حتى خَرَجْتُ حينَ نَقْهْتُ، فخَرَجْتُ مع أمِّ مِسْطَحٍ قِبَلَ المَناصِعَ، وكان مُتَبَرَّزَنا، وكنا لا نَخْرُجُ إلا ليلًا إلى ليلٍ، وذلك قبلَ أن نتخِذَ الكُنُفَ قريبًا مِن بيوتِنا، قالت: وأمرُنا أمرُ العربِ الأُوَلُ في البريِّةِ قِبَلَ الغائطَ، وكنا نَتَأَذَّى بالكُنُفِ أن نتخِذَها عند بيوتِنا، قالت: فانطلَقْتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ، وهي ابنةُ أبي رَهْمِ بنِ المُطَّلِبِ بنِ عبدِ مَنافٍ، وأمُّها بنتُ صخرِ بنِ عامرٍ خالةُ أبي بكرٍ الصديقِ، وابنُها مِسْطَحُ بنُ أَثَاثَةَ بنُ عبَّادِ بنِ المطلبِ، فأقْبَلْتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بيتي حينَ فَرَغْنا مِن شأنِنا، فعثَرَتْ أمُّ مِسْطَحٍ في مُرُطِها فقالت: تَعِسَ مَسْطَحٌ! فقلت لها: بِئْسَ ما قلتِ! أَتَسُبِّين رجلًا شَهِدَ بدرًا؟ فقالت: أَيْ هِنْتَاه، أو لم تسمعي ما قال؟ قالت: وقلتُ: وما قال؟ فأخبرتني بقولِ أهلِ الإِفْكِ، قالت: فازدَدْتُ مرضًا على مرضي، فلما رَجَعْتُ إلى بيتي دخَلَ عليَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فسلم، ثم قال: (كيف تيكم؟) فقلتُ له: أَتَأْذَنُ لي أن آتي أبويَّ؟ قالت: وأُرِيدُ أن أَسْتَيْقِنَ الخبرَ مِن قِبَلِهما، قالت: فأَذِنَ لي رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

فقلتُ لأمي: يا أمتاه، ماذا يَتَحَدَّثُ الناسُ؟ قالت: يا بُنَيَّةُ، هوِّني عليك، فواللهِ لقلَّما كانت امرأةٌ قطُّ وَضِيئَةً عندَ رجلٍ يُحِبُّها، لها ضرائرُ، إلا أكثرْنَ عليها. قالت: فقُلْتُ: سبحان الله، أو لقد تحدَّثَ الناسُ بهذا! قالت: فبكيتُ تلك الليلةَ حتى أَصْبَحْتُ لا يَرْقَأُ لي دمعٌ ولا أَكْتِحِلُ بنومٍ، ثم أَصْبَحْتُ أَبْكي.

قالت: ودعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عليَّ بنَ أبي طالبٍ وأسامةَ بنَ زيدٍ، حين اسْتَلْبَثَ الوحيُّ، يسأَلُهما ويَسْتَشِيرُهما في فِراقِ أهلِه، قالت: فأما أسامةُ أشارَ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالذي يَعْلَمُ مِن بَراءَةِ أهلِه، وبالذي يعلم لهم في نفسِه، فقال أسامة: أَهْلُك، ولا نعلمُ إلا خيرًا. وأما عليٌّ فقال: يا رسولَ اللهِ، لم يُضَيِّقِ اللهُ عليك، والنساءُ سِواها كثيرٌ، وسلِ الجاريةَ تَصْدُقْك.

قالت: فدعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَرِيرَةَ، فقال: أَيْ بريرةُ، هل رأيتِ شيءً يُرِيبُك؟ قالت له بريرةُ: والذي بعثَك بالحقِّ، ما رأيتُ عليها أمرًا قطُّ أُغْمِصُه أكثرَ مِن أنها جاريةٌ حديثةُ السنِّ، تنامُ عن عجينِ أهلِها، فتأتي الداجنَ فتأكلُه.

قالت: فقام رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن يومِه فاستَعَذَرَ مِن عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ، وهو على المنبرِ، فقال: (يا معشرَ المسلمين، مَن يَعْذُرُني مِن رجلٍ قد بلَغَني عنه أذاه في أهلي، واللهِ ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا ما علمتُ عليه إلا خيرًا وما يَدْخُلُ على أهلي إلا معي). قالت: فقام سعدُ بنُ معاذٍ أخو بني عبدِ الأَشْهَلِ فقال: أنا يا رسولَ اللهِ أَعْذُرُكَ، فإن كان مِن الأَوْسِ ضَرَبْتُ عنقَه، وإن كان مِن إخوانِنا مِن الخَزْرَجِ، أمرْتَنا ففَعَلْنا أمرَك. قالت: فقام رجلٌ مِن الخَزْرَجِ، وكانت أمُّ حسانٍ بنتَ عمِّه مِن فِخِذِه، وهو سعدُ بنُ عُبَادَةَ، وهو سيدُ الخَزْرَجِ، قالت: وكان قبلَ ذلك رجلًا صالحًا، ولكن احتَمَلَتْه الحَمِيَّةُ، فقال لسعدٍ: كذَبْتَ لعَمْرُ اللهِ لا تَقْتُلُه، ولا تَقْدِرُ على قتلِه، ولو كان مِن رَهْطِك ما أَحْبَبْتُ أن يُقْتَلَ. فقام أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ، وهو ابنُ عمِّ سعدٍ، فقال لسعدِ بنِ عبادةَ: كذَبْتَ لعَمْرُ اللهِ لَنَقْتُلَنَّه، فإنك منافقٌ تُجادِلُ عن المنافقين. قالت: فثار الحيَّان الأَوْسُ والخَزْرَجُ، حتى هموا أن يَقْتَتِلوا، ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قائمٌ على المنبرِ، قالت: فلم يزَلْ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُخْفِضُهم، حتى سكتوا وسكتَ، فبَكَيْتُ يومي ذلك كلَّه لا يَرْقَأُ لي دمعٌ ولا أكتَحِلُ بنومٍ.

قالت: وأصبح أبويَّ عندي، قد بكَيْتُ ليلتين ويومًا ، ولا يَرْقَأُ لي دمعٌ لا أكْتَحِلُ بنومٍ ، حتى إني لأظنُّ أن البكاءَ فالقٌ كبدي ، فبينا أبوايَّ جالسان عندي وأنا أبكي ، فاستأَذَنَتْ عليَّ امرأةٌ مِن الأنصارِ فأَذِنْتُ لها ، فجلَسَتْ تبكي معي ، قالت: فبينا نحن على ذلك دخَلَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم علينا فسلَّمَ ثم جَلَسَ، قالت: لم يَجْلِسْ عندي منذ قيل ما قيل قبلها، وقد لَبِثَ شهرًا لا يُوحى إليه في شأني بشيءٍ، قالت: فتَشَهَّدَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين جَلَسَ، ثم قال: (أما بعدُ؛ ياعائشةُ، إنه بلَغَني عنك كذا وكذا، فإن كنتِ بريئةً، فسُيُبَرِّئُك اللهُ، وإن كنتِ أَلْمَمْتِ بذنبٍ، فاستغفري اللهَ وتوبي إليه، فإن العبدَ إذا اعتَرَفَ ثم تابَ، تابَ اللهُ عليه). قالت عائشة : فلما قضى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مقالتَه قَلُصَ دمعي حتى ما أُحِسُّ منه قطرةً، فقلتُ لأبي: أَجِبْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عني فيما قال، فقال أبي: والله ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقلت لأمي: أجيبي رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيما قال، قالت أمي: واللهِ ما أدري ما أقولُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم .

فقلت: وأنا جاريةٌ حديثةُ السنِّ لا أقرأُ مِن القرآنِ كثيرًا: إني واللهِ لقد علمتُ: لقد سمعتم هذا الحديثَ حتى استقرَّ في أنفسِكم وصدقتم به ، فلئِن قلتُ لكم: إني بريئةٌ، لا تصدقوني، ولئن اعترَفْتُ لكم بأمرٍ، والله يعلمُ أني منه بريئةٌ، لتُصَدِّقُنِّي، فواللهِ لا أَجِدُ لي ولكم مثلًا إلا أبا يوسفَ حين قال: فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون .

ثم تحوَّلْتُ واضطَجَعْتُ على فراشي، واللهُ يعلمُ أني حِينئِذٍ بريئةٌ ، وأن اللهَ مُبَرِّئي ببراءتي ، ولكن واللهِ ما كنتُ أظنُّ أن اللهَ مُنْزِلٌ في شأني وحْيًا يُتْلَى ، لشأني في نفسي كان أحقرُ مِن أن يَتَكَلَّمَ اللهُ فيَّ بأمرٍ ، ولكني كنتُ أرجو أن يَرى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في النومِ رؤيا يُبَرِّئُني اللهُ بها ، فواللهِ ما رامَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مجلسَه، ولا خرَجَ أحدٌ مِن أهلِ البيتِ، حتى أُنْزِلَ عليه ، فأَخَذَه ما كان يَأْخُذُه مِن البُرَحَاءِ ، حتى إنه لَيَتَحَدَّرُ منه العرقُ مثلَ الجُمَانِ، وهو في يومٍ شاتٍ ، مِن ثِقَلِ القولِ الذي أُنْزِلَ عليه، قالت: فسُرِّىَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو يَضْحَكُ ، فكانت أول كلمةٌ تَكَلَّمَ بها أن قال : يا عائشةُ ، أما والله فقد برَّأَكِ . فقالت لي أمي : قومي إليه. فقلت: واللهِ لا أقومُ إليه ، فإني لا أحمدُ إلا اللهَ عز وجل، قالت: وأنزل اللهُ تعالى : (إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم). العشر الآيات، ثم أنزل اللهً هذا في براءتي،

قال أبو بكر الصديق، وكان يُنْفِقُ على مِسْطَحِ بنِ أَثَاثَةَ؛ لِقَرابِتِه منه وفقرِه: واللهِ لا أُنْفِقُ على مِسْطَحٍ شيئًا أبدًا ، بعد الذي قال لعائشةَ ما قال. فأنزل اللهُ: ولا يأتل أولوا الفضل منكم - إلى قوله - غفور رحيم . قال أبو بكر الصديق: بلى واللهِ إني لَأُحِبُّ أن يًغْفِرَ اللهُ لي ، فرجَعَ إلى مِسْطَحٍ النفقةَ التي يُنْفِقُ عليه، وقال: واللهِ لا أَنْزِعُها منه أبدًا.

قالت عائشةُ: وكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سألَ زينبَ بنتَ جَحْشٍ عن أمري، فقال لزينبَ: (ماذا علِمْتِ ، أو رأيتِ؟) فقالت: يا رسولَ اللهِ، أحمي سمعي وبصري، واللهِ ما علمتُ إلا خيرًا. قالت عائشةُ: وهي التي كانت تُساميني مِن أزواجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فعَصَمَها اللهُ بالورعِ. قالت: وطَفِقَتْ أختُها تُحَاربُ لها، فهلَكَتْ فيمَنْ هَلَكَ.

قال ابنُ شهابٍ: فهذا الذي بَلَغَني مِن حديثِ هؤلاء الرَّهْطِ . ثم قال عروةُ : قالت عائشةُ: واللهِ إن الرجلَ الذي قيل له ما قيل لَيَقولُ: سبحانِ اللهِ! فوالذي نفسي بيدِه ما كَشَفْتُ مِن كَنَفِ أنثى قطُّ، قالت: ثم قُتِلَ بعدَ ذلك في سبيلِ اللهِ. الراوي : عائشة أم المؤمنين | المحدث : البخاري | المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 4141 | خلاصة حكم المحدث : [صحيح] | انظر شرح الحديث رقم 7613
التخريج : أخرجه البخاري (4141) واللفظ له، ومسلم (2770)

=============
(حديث مرفوع) حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حَمْشَاذٍ الْعَدْلُ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الأَبَّارُ ، ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ حَمَّادٍ سَجَّادَةُ ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأُمَوِيُّ ، ثَنَا أَبُو مُعَاذٍ سُلَيْمَانُ بْنُ الأَرْقَمِ الأَنْصَارِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: "أُهْدِيَتْ مَارِيَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهَا ابْنُ عَمٍّ لَهَا، قَالَتْ: فَوَقَعَ عَلَيْهَا وَقْعَةً، فَاسْتَمَرَّتْ حَامِلا، قَالَتْ: فَعَزَلَهَا عِنْدَ ابْنِ عَمِّهَا، قَالَتْ: فَقَالَ أَهْلُ الإِفْكِ وَالزُّورِ: مِنْ حَاجَتِهِ إِلَى الْوَلَدِ ادَّعَى وَلَدَ غَيْرِهِ، وَكَانَتْ أُمُّهُ قَلِيلَةَ اللَّبَنِ، فَابْتَاعَتْ لَهُ ضَائِنَةَ لَبُونٍ، فَكَانَ يُغَذَّى بِلَبَنِهَا، فَحَسُنَ عَلَيْهِ لَحْمُهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: فَدُخِلَ بِهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ، فَقَالَ: (كَيْفَ تَرَيْنَ؟) فَقُلْتُ: مَنْ غُذِّيَ بِلَحْمِ الضَّأْنِ يَحْسُنُ لَحْمُهُ. قَالَ: (وَلا الشَّبَهُ؟!)، قَالَتْ: فَحَمَلَنِي مَا يَحْمِلُ النِّسَاءَ مِنَ الْغَيْرَةِ أَنْ قُلْتُ: مَا أَرَى شَبَهًا. قَالَتْ: وَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ مَا يَقُولُ النَّاسُ، فَقَالَ لِعَلِيٍّ: (خُذْ هَذَا السَّيْفَ، فَانْطَلِقْ فَاضْرِبْ عُنُقَ ابْنِ عَمِّ مَارِيَةَ حَيْثُ وَجَدْتَهُ)، قَالَتْ: فَانْطَلَقَ، فَإِذَا هُوَ فِي حَائِطٍ عَلَى نَخْلَةٍ يَخْتَرِفُ رُطَبًا، قَالَ: فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى عَلِيٍّ وَمَعَهُ السَّيْفُ، اسْتَقْبَلَتْهُ رِعْدَةٌ. قَالَ: فَسَقَطَتِ الْخِرْقَةُ، فَإِذَا هُوَ لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ مَا لِلرِّجَالِ شَيْءٌ مَمْسُوحٌ". ()

الحاكم النيسابوري ( المستدرك على الصحيحين ) رقم الحديث: 6875


untitled-1897878783.png (1235×227)


رد مع اقتباس