بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ

(وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ) [النمل: 82]
منتـدى آخـر الزمـان  

العودة   منتـدى آخـر الزمـان > منتدى مقارنة الأديان > الحوارات والمناظرات الدينية > اليهودية

اليهودية

               
 
  #51  
قديم 08-04-2018, 01:54 AM
المدير
 Egypt
 Male
 
تاريخ التسجيل: 16-12-2013
الدولة: القاهرة
العمر: 51
المشاركات: 6,790
معدل تقييم المستوى: 10
جند الله تم تعطيل التقييم
افتراضي (التحنف) وتنطق (التحنث) عند بعض العرب:

(التحنف) وتنطق (التحنث) عند بعض العرب:
كانَ أوَّلُ ما بُدِئَ بهِ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الرؤيا الصادقةُ في النومِ ، فكانَ لا يرَى رؤيَا إلا جاءتْ مثلَ فَلَقِ الصُّبحِ ، ثم حُبِبَ إليهِ الخَلاءُ ، فكانَ يلْحَقُ بغارِ حِرَاءٍ ، فيَتَحَنَّثُ فيهِ - قالَ : والتَّحَنُّثُ التَّعَبُّدُ - الليالِيَ ذواتِ العددِ قبْلَ أن يَرجِعَ إلى أهلِهِ ، ويَتَزَوَّدُ لذَلِكَ ، ثمَّ يَرْجِعُ إلى خَدِيجَةَ ، فيَتَزَوَّدُ بمثْلِهَا ،

حتى فَجِئَهُ الحقُّ وهوَ في غَارِ حِرَاءٍ ، فجاءَهُ المَلَكُ فقالَ : اقرأْ ، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ( ما أنَا بِقَارِئٍ ) . قالَ : ( فأخَذَنِي فَغَطَّنِي حتى بلغَ مني الجَهدَ ، ثم أرسلنِي فقالَ : اقرأْ ، قلتُ : ما أنَا بقارِئٍ ، فأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانيةَ حتى بلَغَ مني الجَهدَ ، ثم أرسلَني فقالَ : اقرأْ ، قلتُ : ما أنَا بقَارِئٍ ، فأخذَنِي فَغَطَّنِي الثَالِثَةَ حتى بلَغَ مني الجَهْدَ ، ثمَّ أرسلَنِي فقالَ : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ) . الآياتِ إلى قَوْلِهِ : (عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) .

فرجَعَ بهَا رسولُ اللهِ صلَى اللهُ عليهِ وسلمَ تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ ، حتى دَخَلَ على خَدِيجَةَ ، فقالَ : ( زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي ) . فَزَمَّلوهُ حتَّى ذهَبَ عنهُ الروعُ .

قالَ لخَدِيجَةَ : ( أيْ خَدِيجَةُ ، مَا لِي ، لقدْ خَشِيتُ على نفسِي ) . فأخبرَهَا الخَبَرَ ، قالتْ خَدِيجَةُ : كلَّا ، أَبْشِرْ ، فواللهِ لا يُخْزِيكَ اللهُ أبدًا ، فواللهِ إنَّكَ لَتَصِلُ الرحِمَ ، وتصدُقُ الحديثَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ ، وتَكْسِبُ المَعْدُومَ ، وتَقْرِي الضَّيْفَ ، وتُعِينُ على نَوَائِبِ الحقِّ .

فانْطَلَقَتْ بهِ خديجةُ حتَّى أَتَتْ بهِ وَرَقَةَ بنَ نَوْفَلٍ ، وهوَ ابنُ عمِّ خديجَةَ أَخِي أبِيهَا ، وكانَ امرأً تَنَصَّرَ في الجاهِلَيَّةِ ، وكانَ يكْتُبُ الكتابَ العربِيَّ ، ويكتُبُ من الإنجيلِ بالعربيةِ ما شاءَ اللهُ أن يكتُبَ ، وكانَ شيخًا كبيرًا قد عَمِيَ ، فقالتْ خديجةُ : يا ابنَ عَمِّ ، اسمَعْ من ابْنِ أخِيكَ ، قالَ ورَقَةُ : يا ابنَ أخِي ، ماذا تَرَى ؟ فأَخْبَرهُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ خَبَرَ ما رأَى ، فقالَ ورَقَةُ : هذا النَّامُوسُ الذي أُنِزَل على موسَى ، لَيْتَنِي فيهَا جذَعًا ، ليتَنِي أكُونُ حيًّا ، ذَكَرَ حَرفًا ، قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ( أوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟ ) . قالَ وَرَقَةُ : نَعمْ ، لم يأتِ رجلٌ بمَا جِئْتَ بهِ إلا أُوِذِيَ ، وإنْ يُدْرِكْنِي يَومُكَ حيًا أنْصُرُكَ نصرًا مُؤَزَّرًا .

ثمَّ لم يَنْشَبْ ورقةُ أنْ تُوُفِّيَ ، وَفَتَرَ الوحْيُ فَتْرَةً ، حتى حَزِنَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .()[] الراوي : عائشة أم المؤمنين | المحدث : البخاري | المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 4953 | خلاصة حكم المحدث : [صحيح] | انظر شرح الحديث رقم 6302

هذا الحديث محوري في تاريخ الأمة، ففيه تأريخ للحظة الانتقال من الجاهلية، إلى الإسلام. يجب علينا أن نعيد دراسة هذا الحديث برواياته حرفاً حرفاً، وكلمةً كلمةً. فعليه من الملاحظات الكثير، منها الظاهر ومنها الخفي. فهو يتناول ذكر إرهاصات النبوة، والتمهيد لنزول الوحي، فمنها الرؤى الصادقة، التي وجهت تفكير النبي صلى الله عليه وسلم صوب الحدث المنتظر.

ومما يعنينا هنا ذكر لحوقه صلى الله عليه وسلم بغار حراء، وبيان أسباب ذلك، والدوافع التي أدت به لهجر أهله والاختلاء في الغار. والوقوف على ما كان يقوم به أثناء إقامته في الغار.

فنجد أن عائشة تقول: (فيَتَحَنَّثُ فيهِ)، أي يتحنث في الغار، وقد راج أن معنى التحنث فيما ورد بعدها (والتَّحَنُّثُ التَّعَبُّدُ)، حتى أن علماء اللغة أخذوا بهذا المعنى وأدرجوه في معاجمهم. وألصق هذا المفهوم في العقول وترسخ، وصار كأنه جزء من الخبر، وأحد الثوابت المجمع عليها. والحقيقة أنهذه الزيادة مدرجة على النص، وليست منه، وإنما هي من اجتهاد الزهري. وهذا في حد ذاته تحريف صريح منه للخبر، فلا يحق لأحد من الناس مهما بلغ شأنه أن يدرج فهمه، أو رأيه في النص، فيظن القارئ أنه من الحديث وليس منه، وهذا ما حدث. له الحق أن يعقب بعد الحديث برأيه لبيان طرف منه، فينسب القول لنفسه، لكن أن يدرج هذا في النص وينسبه للراوي، فهذا تحريف وتضليل، بدليل أن قوله هذا صار معتقدا سائدا عند المسلمين، وسنكتشف أن قوله هذا مردود عليه، وباطل كل البطلان، فلم تكن هناك عبادة مشروعة قبل نزول الوحي، وإلا فأي عبادة كان يقيمها؟ وتبعاً لأي دين وملة كان يتعبد؟

يقول بن عثيمين: "والذي يسمع هذا الحديث يظن أن التفسير من عائشة - رضي الله عنها - في قولها "والتحنث التعبد" والواقع أن التفسير من الزهري - رحمه الله - وهو الآن مدرج في الحديث بدون بيان منه أنه مدرج، وهذا الإدراج يُراد به التفسير، والتفسير هنا لابد منه؛ لأن الحنث في الأصل هو الإثم، كما قال تعالى: (وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ) [الواقعة: 46]. وإذا لم يُبين معنى التحنث لاشتبه بالإثم، ولكن النبي صلى الله عليه وسلّم كان يتعبد، والتعبُّد مزيلٌ للحنث الذي هو الإثم، فهو من باب تسمية الشيء بضده".() [] العثيمين/ محمد صالح/ (شرح المنظومة البيقونية في مصطلح الحديث)/ تح. فهد بن ناصر بن إبراهيم السليمان/ الثانية، 1423 هـ - 2003م/ دار الثريا للنشر. [صفحة: 1/ 111].

كلمة التحنث مصدرها (ح . ن . ث)، وقد ورد هذا المصدر في موضعين من كتاب الله تعالى، فمرة وردة بلفظ (الْحِنْثِ) في قوله تعالى: (وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ) [الواقعة: 46]. ومرة بلفظ (تَحْنَثْ) في قوله تعالى: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ) [ص: 44]. والأصل في المعنى واحد في كلا الكلمتين، لكن تتغير دلالة المعنى بتغير تركيب الكلمة، ويراد بقوله (الْحِنْثِ) أي الإثم، فيكون المراد بقوله (وَلَا تَحْنَثْ) أي ولا تأثم، فلا نجد في كلتا المرتين ذكر لفظ بمعنى التعبد.

ومن ذلك ما ورد أن حكيمَ بنَ حِزامٍ قال: يا رسولَ اللهِ، أرأَيتَ أمورًا كنتُ أتحنَّثُ بها في الجاهليةِ، من صلةٍ، وعَتاقةٍ، وصدقةٍ، هل كان لي فيها من أجرٍ؟ قال حكيمٌ : قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : (أسلَمتَ على ما سلَف من خيرٍ).() [] الراوي : حكيم بن حزام | المحدث : البخاري | المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 5992 | خلاصة حكم المحدث : [أورده في صحيحه] وقال : يقال أيضا عن أبي اليمان أتحنت قال معمر وصالح وابن المسافر: (أتحنث)، وتابعهم هشام عن أبيه. |

أما ما نسب لعائشة من فولها: (يَتَحَنَّثُ)، فإثبات اللفظ محل نظر؛ فهو فعل ثلاثي مزيد بحرفين، هي التاء في أوله، والتشديد في عين الجذر، على وزن (يَتَفَعَّلُ)، تفيد هذه الصيغة معنيين: المطاوعة مثل: علمته فتعلم، جمعته فتجمع. والثاني التكلف مثل: تجمل وتحلى وتحمل.

وإن معاني الحنث كلها مذمومة، فالتحنث هو التأثم، بمعنى التبرأ من الإثم والذنب، كما ورد في مقولة معاذ: " فأخبرَ بها معاذُ عندَ موتِهِ تأثُّمًا".() فلم يقترف إثما عليه الصلاة والسلام حتى يتبرر منه، وقد فارق قومه إلى الغار متبرئا من أفعالهم، وشركهم.وعليه فلا يصح أن نثبت اللفظ في الرواية.


[] قالَ: (يا معاذُ!) قالَ: لبَّيكَ رسولَ اللَّهِ وسعديكَ قالَ: (يا معاذُ!) قالَ: لبَّيكَ رسولَ اللَّهِ وسعديكَ قالَ: (يا معاذُ!) قالَ لبَّيكَ رسولَ اللَّهِ وسعديكَ قالَ: (ما من عبدٍ يشهدُ أنَّ لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ إلَّا حرَّمهُ اللَّهُ على النَّارِ) قالَ يا رسولَ اللَّهِ أفلا أخبرُ بها الناس فيستبشروا قالَ: (إذًا يتَّكِلوا). فأخبرَ بها معاذُ عندَ موتِهِ تأثُّمًا.
الراوي : أنس بن مالك | المحدث : مسلم | المصدر : صحيح مسلم الصفحة أو الرقم: 32 | خلاصة حكم المحدث : صحيح | انظر شرح الحديث رقم 7216 التخريج : أخرجه البخاري (128)، ومسلم (32) واللفظ له

"قال الجوهري: بلغ الغلام الحنث: أي بلغ المعصية أو الطاعة. وفيه أن الرسول كان يأتي حراء، فيتحنث فيه: أي يتعبد فيه. يقال: فلان يتحنث: أي يفعل فعلا يخرج به من الإثم والحرج. ومنه حديث حكيم بن حزام: أرأيت أمورا كنت أتحنث بها في الجاهلية؛ أي أتقرب بها إلى الله. ومنه حديث عائشة: ولا أتحنث إلى نذري؛ أي: لا أكسب الحنث وهو: الذنب والإثم. ومنه: تكثر فيهم أولاد الحنث؛ أي: أولاد الزنا".

وقال بن كثير: "وقوله في الحديث: والتحنث التعبد، تفسير بالمعنى، وإلا فحقيقة التحنث من حنث البِنْيَة فيما قاله السهيلي الدخول في الحنث، ولكن سمعت ألفاظ قليلة في اللغة معناها الخروج من ذلك الشيء. كحنث: أي خرج من الحنث، وتحوب، وتحرج، وتأثم، وتهجد هو ترك الهجود وهو: النوم للصلاة، وتنجس وتقذر، أوردها أبو شامة.

وقد سئل ابن الأعرابي عن قوله يتحنث أي يتعبد. فقال: لا أعرف هذا إنما هو يتحنف من الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام. قال ابن هشام: والعرب تقول التحنث والتحنف يبدلون الفاء من الثاء، كما قالوا: جدف وجذف كما قال رؤبة بن العجاج.

وقد اختلف العلماء في تعبده عليه السلام قبل البعثة هل كان على شرع أم لا؟ وما ذلك الشرع؟ فقيل: شرع نوح، وقيل: شرع إبراهيم، وهو الأشبه الأقوى. وقيل: موسى، وقيل: عيسى، وقيل: كل ما ثبت أنه شرع عنده اتبعه، وعمل به.
ولبسط هذه الأقوال ومناسباتها مواضع أخر في أصول الفقه. والله أعلم". [] ابن كثير/ (البداية والنهاية)/ [صفحة: 3/ ؟؟]

قال بن حجر: "قَوله فَيَتَحَنَّثُ هي بمعنى يَتَحَنَّفُ أي يَتَّبِعُ الحنيفية وهي دين إبراهيم والفاء تبدَل ثاء في كثير من كلامهم وقد وقع في رواية بن هشام فِي السيرة يَتَحَنَّفُ بالفاء أو التَّحَنُّثُ إِلقاء الْحِنْثِ وهو الْإِثْمُ كما قيل يَتَأَثَّمُ وَيَتَحَرَّجُ وَنحوهما". [] (فتح الباري) [صفحة: 1/ 23].

قال بن هشام: "تقول العرب: التحنث والتحنف، يريدون الحنيفية فيبدلون الفاء من الثاء...". [] ابن هشام/ "السيرة النبوية"[صفحة: 1/ 266]. وقال البرماوي: "قال ابن هشام في "السِّيرة": إنَّ يتحنَّف بالفاء أصلُه بالثَّاء، فأُبدلتْ كالجَدَث في جَدَف، وهو القَبْر، ونازعَه السُّهَيْلي، وقال: الفاء هي الأَصل، والثاء مُبدلةٌ منْها، وإنَّ القَبْر إنما أصلُه جَدَفٌ من الجَدْف، وهو القَطْع، فأُبدلت الفاء بمُثلَّثةٍ.). [] البِرْماوي/ شمس الدين (اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح) [صفحة: 1/ 46].

قال العيني: "قَوْله فَيَتَحَنَّث بِالْحَاء الْمُهْملَة ثمَّ النُّون ثمَّ الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَقد فسره فِي الحَدِيث بِأَنَّهُ التَّعَبُّد وَقَالَ الصغاني التحنث إِلْقَاء الْحِنْث يُقَال تَحنث أَي تنحى عَن الْحِنْث وتأثم أَي تنحى عَن الْإِثْم وتحرج أَي تنحى عَن الْحَرج وتحنث اعتزل الْأَصْنَام مثل تحنف. وَفِي الْمطَالع يَتَحَنَّث مَعْنَاهُ يطْرَح الْإِثْم عَن نَفسه بِفعل مَا يُخرجهُ عَنهُ من الْبر وَمِنْه قَول حَكِيم أَشْيَاء كنت أتحنث وَفِي رِوَايَة كنت أتبرر بهَا أَي أطلب الْبر بهَا وأطرح الْإِثْم وَقَول عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا وَلَا أتحنث إِلَى نذري أَي أكتسب الْحِنْث وَهُوَ الذَّنب وَهَذَا عكس مَا تقدم. وَقَالَ الْخطابِيّ وَنَظِيره فِي الْكَلَام التحوب والتأثم أَي ألْقى الْحُوب وَالْإِثْم عَن نَفسه قَالُوا وَلَيْسَ فِي كَلَامهم تفعل فِي هَذَا الْمَعْنى غير هَذِه.

وَقَالَ الْكرْمَانِي هَذِه شَهَادَة نفي كَيفَ وَقد ثَبت فِي الْكتب الصرفية أَن بَاب تفعل يَجِيء للتجنب كثيرا نَحْو تحرج وتخون أَي اجْتنب الْحَرج والخيانة وَغير ذَلِك. قلت جَاءَت مِنْهُ أَلْفَاظ نَحْو تَحنث وتأثم وتحرج وتحوب وتهجد وتنجس وتقذر وتحنف وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ فلَان يتهجد إِذا كَانَ يخرج من الهجود وتنجس إِذا فعل فعلا يخرج بِهِ عَن النَّجَاسَة.

وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي فِي الْمُنْتَهى تَحنث تعبد مثل تحنف وَفُلَان يَتَحَنَّث من كَذَا بِمَعْنى يتأثم فِيهِ وَهُوَ أحد مَا جَاءَ تفعل إِذا تجنب وَألقى عَن نَفسه. وَقَالَ السُّهيْلي التحنث التبرر تفعل من الْبر وَتفعل يَقْتَضِي الدُّخُول فِي الشَّيْء وَهُوَ الْأَكْثَر فِيهَا مثل تفقه وَتعبد وتنسك وَقد جَاءَت أَلْفَاظ يسيرَة تُعْطِي الْخُرُوج عَن الشَّيْء وإطراحه كالتأثم والتحرج والتحنث بالثاء الْمُثَلَّثَة لِأَنَّهُ من الْحِنْث والحنث الْحمل الثقيل وَكَذَلِكَ التقذر إِنَّمَا هُوَ تبَاعد عَن القذر وَأما التحنف بِالْفَاءِ فَهُوَ من بَاب التَّعَبُّد.

وقال الْمَازرِيّ يَتَحَنَّث يفعل فعلا يخرج بِهِ من الْحِنْث والحنث الذَّنب وقال التَّيْمِيّ: هذا من المشكلات ولا يهتدي له سوى الحذاق. وسئل ابْن الْأَعرَابِي عن قوله يَتَحَنَّث فقال: لا أعرفه. وسألت أبا عمرو الشَّيْبَانِيّ فقال: لا أعرف يَتَحَنَّث إنما هو يتحنف من الحنيفية دين إبراهِيم عليه السلام. قلت: قد وقع في سيرة ابن هشام يتحنف بِالْفَاءِ". () [] العيني/ ابو محمد محمود (عمدة القارئ) [صفحة: 1/ 49].

وعلى ما سبق بتبين لنا أن المحدث لجهله بلغات العرب، خفي عنه أن التحنث لا يقابله معنى التعبد، وإنما يفيد معنى التأثم، ومن المستبعد أن المحدث يجهل معنى قوله تعالى: (وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ) [الواقعة: 46]. وقوله تعالى: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ) [ص: 44]، وإلا ما سقط في هذا اللبس، هذا إن أحسنا فيه الظن على أفضل الأحوال، اللهم إلا أن يكون قد تعمد تحريف الكلمة. وكأنه لم يكن يدري أن بعض العرب يقلبون الفاء إلى الثاء عن نطقهم، فكتب ما سمع، وأثبت ما جهل، عامدا أم غير متعمد. لذلك يجب أن نثبت الصواب فنقول؛ (يَتَحَنَّفُ)، ولا نقول (يَتَحَنَّثُ)، فنعيد دراسة النص وفق الكلمة الصواب، وندرس التحنف ماهو، وكيفية تحنفهم في الجاهلية.

وجاءَ في لسانِ العرب: " الحَنيفُ: المسلم، الذي يَتَحَنَفُ عن الأَدْيان، أَيْ: يَميلُ إِلى الحَقّ.

"وقد وصفت الحنيفيّةُ بالإسلام. وقد قيل: الحَنِيفُ من كان على دِينِ إبراهيم، ثم سمي به من كان يتَحَنَّف ويحج البيت في الجاهلية حَنِيفًا، والحنيفُ اليوم المسلم".() [] بن العربي/ محمد بن عبد الله/ (المسالك في شرح موطأ الإمام مالك) [صفحة: 3/ 610].

untitled-1897878783.png (1235×227)


  #52  
قديم 08-04-2018, 04:04 AM
المدير
 Egypt
 Male
 
تاريخ التسجيل: 16-12-2013
الدولة: القاهرة
العمر: 51
المشاركات: 6,790
معدل تقييم المستوى: 10
جند الله تم تعطيل التقييم
افتراضي

كنتُ مع النَّبيِّ بمكَّةَ ، فخرجْنا في بعضِ نَواحيها ، فما استقبلَهُ جبلٌ ولا شجرٌ إلَّا هوَ يقولُ : السَّلامُ عليكَ يا رسولَ اللهِ .

الراوي : علي بن أبي طالب | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح الترغيب
الصفحة أو الرقم: 1209 | خلاصة حكم المحدث : صحيح لغيره


عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ : " بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَجْيَادَ إِذْ رَأَى مَلَكًا وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى فِي أُفُقِ السَّمَاءِ ، يَصِيحُ : يَا مُحَمَّدُ ، أَنَا جِبْرِيلُ . فَذُعِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَرَجَعَ سَرِيعًا إِلَى خَدِيجَةَ ، فَقَالَ : إِنِّي لأَخْشَى أَنْ أَكُونَ كَاهِنًا . قَالَتْ : كَلا يَا ابْنَ عَمَّ ، لا تَقُلْ ذَاكَ ، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ ، وَتُؤَدِّي الأَمَانَةَ وَإِنَّ خُلُقَكَ لَكَرِيمٌ " .[1] جمل من أنساب الأشراف صفحة: 117

189- وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ [3] ، عَنِ الْوَاقِدِيِّ، عَنْ علي بن محمد بن عبيد اللَّه، عن منصور بن عبيد اللَّه عن أمه عزيزة بنت أبي تجراة: أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم كان، حين أراد اللَّه كرامته وابتداءه بالنبوة، إذا خرج لحاجته أبعد حتى لا يرى بيتا ويفضي إلى الشعاب والأودية. فلا يمر بشجرة إلا قالت: «السلام عليك يا رسول اللَّه» ، فيلتفت عن يمينه وشماله وخلفه فلا يرى أحدا.

190- وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ [4] ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ، عَنْ أَبِي حَبِيبَةَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:
بَيْنَا رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَجْيَادَ إِذْ رَأَى مَلَكًا وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى فِي أُفُقِ السَّمَاءِ، يَصِيحُ: «يَا مُحَمَّدُ، أَنَا جِبْرِيلُ» . فَذُعِرَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَجَعَ سَرِيعًا إِلَى خَدِيجَةَ. [فَقَالَ: إِنِّي لأَخْشَى أن أكون كاهنا.] قالت: كلا، يابن عَمَّ، لا تَقُلْ ذَاكَ، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتُؤَدِّي الأَمَانَةَ وَإِنَّ خُلُقَكَ لَكَرِيمٌ.


191- وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ [1] ، عَنِ الْوَاقِدِيِّ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ رَاشِدٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّه، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ.
فَكَانَ لا يَرَى رُؤْيَا إِلا كَانَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ. وَحُبِّبَتْ إِلَيْهِ الْخُلْوَةُ. فَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءَ، فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ- وَالتَّحَنُّثُ التَّعَبُّدُ وَالتَّبَرُّرُ- وَيَمْكُثُ اللَّيَالِيَ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ. ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ، فَيَتَزَوَّدُ. حَتَّى فَجَأَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءَ. وَعُرِضَ لَهُ جِبْرِيلُ لَيْلَةَ السَّبْتِ وَلَيْلَةَ الأَحَدِ. ثُمَّ أَتَاهُ بِالرِّسَالَةِ يَوْمَ الاثْنَيْنِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ: وَرَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنُ أَرْبَعِينَ سَنَةً.


192- وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الْوَاقِدِيِّ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:
كَانَتْ قُرَيْشٌ إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ، خَرَجَ مَنْ يُرِيدُ التَّحَنُّثَ مِنْهَا إِلَى حِرَاءَ، فَيُقِيمُ فِيهِ شَهْرًا، وَيُطْعِمُ مَنْ يَأْتِيهِ مِنَ الْمَسَاكِينِ. حَتَّى إِذَا رَأَوْا هِلالَ شَوَّالٍ، لَمْ يَدْخُلِ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ أُسْبُوعًا [2] . فَكَانَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.



193- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ السَّلُولِيُّ [3] ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابن إِسْحَاقَ [4] ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو مَيْسَرَةَ:
أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَوَّلَ مَا بُعِثَ، يُدْعَى: «يَا مُحَمَّدُ» ، وَلا يَرَى شَيْئًا غَيْرَ أَنَّهُ يَسْمَعُ الصَّوْتَ، فَيَهْرُبُ مِنْهُ فِي الأَرْضِ، قَالَ: فَذَكَرَ ذَلِكَ لِخَدِيجَةَ ابْنَةِ خُوَيْلِدٍ، وَقَالَ: خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عُرِضَ لِي أَمْرٌ.
قَالَتْ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: إِذَا خَلَوْتُ، دعيت فأسمع صوتا ولا أرى شيئا فَقَدْ خَشِيتُ. قَالَتْ: مَا كَانَ اللَّه [1] لِيَفْعَلَ بِكَ سُوءًا، إِنَّكَ لَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتُؤَدِّي الأَمَانَةَ. ثُمَّ إِنَّ خَدِيجَةَ قَالَتْ لأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ: انْطَلِقْ مَعَ مُحَمَّدٍ إِلَى وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ يَقْرَأُ الْكُتُبَ [2] ، فَلْيَذْكُرْ لَهُ مَا يَسْمَعُ. فَانْطَلَقَا، حَتَّى أَتَيَا وَرَقَةَ. [فقال له النبي صلى اللَّه عليه وسلم: إِنِّي إِذَا خَلَوْتُ، دُعِيتُ «يَا مُحَمَّدُ» ، فَأَسْمَعُ صَوْتًا وَلا أَرَى شَيْئًا.] قَالَ لَهُ وَرَقَةٌ: لَيْسَ عَلَيْكَ بَأْسٌ، فَإِذَا دُعِيتَ فَاثْبُتْ، حَتَّى تَسْمَعَ مَا يُقَالُ لَكَ، فَتَثَبَّتَ لِلصَّوْتِ. فَقَالَ له: قل: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» . فقال: بسم اللَّه الرحمن الرحيم. فَأَعَادَهَا عَلَيْهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ قَالَ: قُلِ «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ. حَتَّى خَتَمَهَا [3] ، فَقَالَ لَهُ: قُلْ «آمِينَ» . ثُمَّ رَجِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى وَرَقَةَ. فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ. فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ النَّبِيُّ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ، وَأَنَّكَ الَّذِي نَجِدُ فِي الْكِتَابِ، وَإِنَّكَ لَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَلَتُؤْمَرَنَّ بِالْقِتَالِ، وَلَئِنْ طَالَتْ لي [4] الْحَيَاةُ، لأُقَاتِلَنَّ مَعَكَ.


194- قال الكلبي: هو ورقة بْن نوفل بْن أسد بْن عَبْد العزى/ 48/ بن قصي تنصر حتى استحكمت نصرانيته. ثم خرج إلى الشام. فمات هناك. وقال بعضهم: مات بمكة بعد المبعث، ودفن بها.


195- وقال الواقدى: أقام ورقة على النصرانية، فكان يدعا القس. وعاش حتى بعث النبي صلى اللَّه عليه وسلم، فلقيه ببعض طرق مكة، فقال له:
يا محمد، إنه لم يبعث نبي إلا له آية وعلامة، فما آيتك؟ فدعى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم سمرة، فأقبلت تخد الأرض خدا. فقال ورقة: أشهد لئن أمرت بالقتال، لأقاتلن معك ولأنصرنك نصرا مؤبدا. ثم مات. [فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رأيت القس وعليه حلة خضراء يرفل في الجنة] .
وقال الواقدي: أثبت خبره أنه خرج إلى الشام. فلما بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قد أمر بالقتال بعد الهجرة، أقبل يريده. حتى إذا كان ببلاد لخم وجذام، قتلوه وأخذوا ما كان معه. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يترحم عليه.


197- وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ أَبُو خَيْثَمَةَ، ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثنا أَبُو عَمْرٍو الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ:
سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ:
سألت أبا سلمة أى القرآن أنزل قبل؟ فقال: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [2] . فقلت لأبى سلمة: أو اقرأ فَقَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، أَيُّ القرآن أنزل قبل؟، فقال: «يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ» . فقلت: أو اقرأ؟ قَالَ جَابِرٌ: أُحَدِّثُكُمْ مَا حَدَّثَنَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، [قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
جَاوَرْتُ بِحِرَاءَ شَهْرًا، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي نَزَلْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ الْوَادِيَ، فَنُودِيتُ، فَنَظَرْتُ أَمَامِي وَخَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شمالى، فلم أر أحدا، ثم نوديت، فنظرت، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، ثُمَّ نُودِيتُ الثَّالِثَةَ، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، ثُمَّ نُودِيتُ فَإِذَا هُوَ فِي الْهَوَاءِ. يَعْنِي جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ- فَأَخَذَتْنِي رَجْفَةٌ شَدِيدَةٌ، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ، فَقُلْتُ: «دَثِّرُونِي، دَثِّرُونِي» ، فَدَثَّرُونِي، وصبوا علىّ الماء، فأنزل الله «يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ] » .
198- حَدَّثَنِي شُرَيْحُ بْنُ يُونُسَ أَبُو الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ [1] ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: فَتَرَ الْوَحْيُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَكَانَ أَوَّلُ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي- إِلَى قَوْلِهِ «مَا لَمْ يَعْلَمْ [2] » - فَلَمَّا فَتَرَ، حَزِنَ حُزْنًا شَدِيدًا حَتَّى جَعَلَ يَأْتِي رُءُوسَ الْجِبَالِ مِرَارًا، فَكُلَّمَا أَوْفَى عَلَى ذِرْوَةِ جَبَلٍ، بَدَا لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَقُولُ: «إِنَّكَ نَبِيٌّ» ، فَيَسْكُنُ لِذَلِكَ جَأْشُهُ وَتَرْجِعُ إِلَيْهِ نَفْسُهُ.
فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي يَوْمًا إِذْ رَأَيْتُ الْمَلَكَ الَّذِي كَانَ يأتى بحراء، بين السماء والأرض، فجشئت مِنْهُ رُعْبًا: فَرَجَعْتُ إِلَى خَدِيجَةَ، فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي. قالت خديجة: فدثرناه. فأنزل الله:
«يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ» .

199- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ الْمَرْوَزِيُّ، ثنا حَجَّاجُ بْن مُحَمَّد، عَنِ ابْن جريج، عَنْ مجاهد، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:
أَنَّ أَوَّلَ مَا نَزَلَ من القرآن: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. قَالَ حَجَّاجٌ:
ثُمَّ اخْتَلَفْنَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَزَلَتْ كُلُّهَا بِحِرَاءٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعْتَكِفٌ هُنَاكَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَزَلَ مِنْهَا إلى قوله «ما لَمْ يَعْلَمْ» ، وَنَزَلَ بَاقِيهَا بَعْدَ مَا شَاءَ اللَّهُ.


200- حدثنا محمد بن حاتم، ثنا حفص (بن) غياث، ثنا الشيباني، قال محمد [3]- يعني سليمان بن أبي سليمان- عن عبد الله بن شداد، قال: أول سورة نزلت من القرآن/ 49/ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ» ، ثم أبطأ عنه التنزيل بعض الإبطاء، فقال كفار قريش: ودعه ربه وقلاه. فنزلت «وَالضُّحى [1] » ، إلى آخر السورة.

201- وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.
[عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بحراء، بين السماء والأرض، فجشئت منه رهبا. فأتيت خديجة فقلت: «زمّلونى زملوني» ، فنزلت «يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ [2] » والثبت أَنَّهُ قَالَ «دَثِّرُونِي» لِلرَّوْعِ الَّذِي دَخَلَهُ، فَنَزَلَتْ «يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [3]] » وإنما نزلت يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ بَعْدُ، حِينَ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَقُومَ مِنَ اللَّيْلِ [4] .


202- وروى الواقدي، عن عيسى بن وردان، عن أبى كريب، عن أبيه، أنه وجد في كتاب ابن عباس: أول السور المكية اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، ثم ن وَالْقَلَمِ، ثم يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، ثم المزمل.


203- حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، ثنا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ، ثنا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ:
سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ فَقُلْتُ: أى القرآن أنزل أولا؟ قال: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُلْتُ: وَأَيُّ أَوْلِ سُورَةٍ نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ أَوَّلا؟ قَالَ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [5] .


وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عبد الله الأنصارى فقلت: أى القرآن أنزل أولا؟ قال: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. فقلت له: (و) أَيُّ أَوَّلِ سُورَةٍ نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ أَوَّلا؟ قَالَ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. وَقَالَ جَابِرٌ: [حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: جَاوَرْتُ فِي حِرَاءَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ جواري، نزلت فاستبطنت الوادى، فنودي، فَنَظَرْتُ أَمَامِي وَخَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي، فلم أر شيئا. فَنَظَرْتُ فَإِذَا أَنَا بِهِ- يَعْنِي الْمَلَكَ- بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ. فَانْطَلَقْتُ إِلَى خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: «دَثِّرُونِي» ، فدثرونى وصبّوا علىّ ماء، فأنزلت «يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ] » . 204- حدثني روح بن عبد المؤمن المقرى، ثنا مسلم بن إبراهيم، عن قرة بن خالد، ثنا أبو رجاء العطاردي قال: كان أبو موسى الأشعري يطوف علينا في هذا المسجد- يعني مسجد البصرة- يقرئنا القرآن. وعنه أخذت هذه السورة: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. وكانت أول سورة أنزلت عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.


205- حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ الهيثم، ثنا عمرو بن عاصم، عن هشام بن [1] الكلبي، عن أبى صالح قال أول ما نزل من القرآن اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، حتى بلغ إلى «الرجعى [2] » . ثم نزلت يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [3] ، ثم ثلاث آيات من ن [4] .

206- حدثني يحيى بن معين، ثنا وكيع، ثنا سفيان، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: أول ما نزل من القرآن اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، ثم ن وَالْقَلَمِ.


207- حدثنا محمد بن حاتم السمين، ثنا وكيع وعبد الرحمن بن مهدي، قالا ثنا شعبة، عن عمرو بن دينار، عن عبيد بن عمير قال:
أول ما نزل من القرآن اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ.


208- وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ أَبِي نُعَيْمٍ، قَالَ سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ:
جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صُورَةِ رَجُلٍ، فَقَالَ لَهُ:
اقْرَأْ. قَالَ: وَمَا أَقْرَأُ؟ قَالَ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، إِلَى قَوْلِهِ «مَا لَمْ يَعْلَمْ» .


[الوضوء والصلاة]
209- حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ الْهَيْثَمِ، حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ الْكِنْدِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ [1] عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ وَالْكَلْبِيِّ قَالُوا:
عَلَّمَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الوضوء، والصلاة، واقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خلق. فَأَتَى خَدِيجَةَ زَوْجَتَهُ، فَأَخْبَرَهَا بِمَا أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِهِ. وَعَلَّمَهَا الْوُضُوءَ، فَصَلَّتْ مَعَهُ. فَكَانَتْ أَوَّلَ مَنْ خَلَقَ اللَّهُ صَلَّى مَعَهُ.


210- وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الْوَاقِدِيِّ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ/ 50/ بْنِ قَيْسٍ قَالَ:
فَحَصَ جِبْرِيلُ بِعَقَبَةِ الأَرْضِ، فَنَبَعَ مَاءٌ، فَعَلَّمَ جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوُضُوءَ، فَمَضْمَضَ ثُمَّ اسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ نَضَحَ تَحْتَ إِزَارِهِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسْرُورًا، فَجَاءَ إِلَى خَدِيجَةَ فحدثها وأراها مَا أَرَاهُ جِبْرِيلُ. ثُمَّ صَلَّتْ مَعَهُ رَكْعَتَيْنِ.


211- حدثني محمد بن سعد [2] ، عن الواقدي، عن نَجِيحٍ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ:
أَنَّ خَدِيجَةَ لَمَّا أَتَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهَا بِمَا بُدِئَ بِهِ، جَمَعَتْ عَلَيْهَا ثِيَابَهَا، وَأَتَتْ وَرَقَةَ فَحَدَّثَتْهُ حَدِيثَهُ وَقَالَتْ لَهُ: مَا جِبْرِيلُ؟ فَقَالَ وَرَقَةُ: سُبْحَانَ اللَّهِ الْقُدُّوسِ، جِبْرِيلُ نَامُوسُ اللَّهِ الأَكْبَرُ وَسَفِيرُهُ إِلَى أَنْبِيَائِهِ، لَئِنْ كَانَ صَاحِبُكِ رَأَى هَذِهِ الرُّؤْيَا، إِنَّهُ لَنَبِيٌّ، لَوَدِدْتُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فَأَكُونَ لَهُ وَزِيرًا، وَابْنَ عَمٍّ. ثُمَّ خَرَجَتْ، فحدثت عَلَى عَدَّاسٍ، غُلامِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَكَانَ نَصْرَانِيًّا، فَقَالَتْ: يَا عَدَّاسُ أَخْبِرْنِي عَنْ جِبْرِيلَ، فَقَالَ: «قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، وَمَا ذِكْرُ جِبْرِيلَ فِي هَذَا الْبَلَدِ الَّذِي أَهْلُهُ عَبَدَةُ أَوْثَانٍ؟
جِبْرِيلُ نَامُوسُ اللَّهِ الأَكْبَرُ، وَلَمْ يَأْتِ قَطُّ إِلا إِلَى نَبِيٍّ» . فَرَجَعَتْ، فَأَخْبَرَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قال الرَّجُلانِ، وَبَشَّرَتْهُ بِذَلِكَ.

212- وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، أنبأ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ قَالَ:
قُلْتُ يَا با سَعِيدٍ، هَلْ أُرِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رؤيا النبوة؟ فَقَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَكِنَّهُ رَأَى [1] النُّورَ الَّذِي رآه، عليه السلام.



عن عائشة قالت: كان أول ما بديء به رسول الله صلى الله عليه و سلم من الوحي الرؤيا الصادقة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح قالت فمكث على ذلك ما شاء الله وحبب إليه الخلوة فلم يكن شيء أحب إليه منها وكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى فجئه الحق وهو في غار حراء, أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن بن عباس قال فبينا رسول الله صلى الله عليه و سلم على ذلك وهو بأجياد إذ رأى ملكا واضعا إحدى رجليه على الأخرى في أفق السماء يصيح يا محمد أنا جبريل يا محمد أنا جبريل فذعر رسول الله صلى الله عليه و سلم من ذلك وجعل يراه .[2]الطبقات الكبرى لإبن سعد ج 1 ص 194

untitled-1897878783.png (1235×227)


  #53  
قديم 08-04-2018, 02:43 PM
المدير
 Egypt
 Male
 
تاريخ التسجيل: 16-12-2013
الدولة: القاهرة
العمر: 51
المشاركات: 6,790
معدل تقييم المستوى: 10
جند الله تم تعطيل التقييم
افتراضي

[ خديجة بين يدي ورقة تحدثه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ]


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :



فجاءني جبريل ، وأنا نائم (فلم يقل: (فجائني جبريل، في المنام) وإلا كانت رؤيا فضلا عن أن السياق لا يدل عى أنها كانت رؤيا منامية .. وهذا يلزم منه أنه سقط من الراوي ما يفيد أنه أفاق من نومه



بنمط من ديباج فيه كتاب ،




الأَنماط؛ قال ابن الأَثير: هي ضرب من البُسُط له خَمْل رقيق، واحدها نمَط.


(أي كتاب في بساط من ديباج)

فقال اقرأ ؛



قال : قلت : ما أقرأ ؟ (صيغة استفهام تدل على أنه قارئ بخلاف رواية البخاري المتضاربة التي أوحت للكثيرين بأنه غير قارئ يأمره فيقول: اقرأ فيجيب: (ما أنا بقارئ) ولكن هذه الرواية بهذا اللفظ أكثر اتساقا من رواية البخاري)



قال : فغتني به حتى ظننت أنه الموت ، ثم أرسلني



(وفي حديث المَبْعَثِ: فأَخَذَني جبريلُ فغَتَّني؛ الغَتُّ والغَطُّ سواء، كأَنه أَراد عَصَرني عَصْراً شديداً حتى وَجَدْتُ منه المَشَقَّةَ، كما يَجِدُ من يُغْمَسُ في الماء قَهْراً.
وغَتَّهُ خَنِقاً يَغُتُّه غَتّاً: عَصَر حَلْقَه نفَساً، أَو نَفَسين، أَو أَكثر من ذلك.
وغَتَّه في الماءِ يَغُتُّه غَتّاً: غَطَّه، وكذلك إِذا أَكرهه على الشيء حتى يَكْرُبَه.)



(فغتني به) الهاء ضمير عائد على النمط .. أي اعتصره بهذا النمط الذي كان معه .. لكن ما الذي دفعه لهذا الفعل؟





فقال : اقرأ ؛



قال : قلت : ما أقرأ ؟



قال : فغتني به حتى ظننت أنه الموت ، ثم أرسلني ،



فقال : اقرأ ؛



قال : قلت : ماذا أقرأ ؟



قال : فغتني به حتى ظننت أنه [ ص: 237 ] الموت ، ثم أرسلني ،



فقال : اقرأ ؛



قال : فقلت : ماذا أقرأ ؟



ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي ، ()



فقال : اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم



قال : فقرأتها



(فإن كان ما حدث يقظة وليس مناما فكان قارئا ولم يكن أميا )



ثم انتهى فانصرف عني





(وهببت من نومي)



(من الواضح أن هذه الزيادة أضافها أحد الرواة استدراكا منه على ما ورد في أول الرواية .. وهذا وضع لا يصح



فكأنما كتبت في قلبي كتابا .







قال : فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتا من السماء يقول : يا محمد ، أنت رسول الله وأنا جبريل ؛ قال : فرفعت رأسي إلى السماء أنظر ، فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول : يا محمد ، أنت رسول الله وأنا جبريل . قال : فوقفت أنظر إليه فما أتقدم وما أتأخر ، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء ، قال : فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك ، فما زلت واقفا ما أتقدم أمامي وما أرجع ورائي حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي ، فبلغوا أعلى مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني ذلك ؛ ثم انصرف عني

وانصرفت راجعا إلى أهلي حتى أتيت خديجة فجلست إلى فخذها مضيفا إليها : فقالت : يا أبا القاسم ، أين كنت ؟ فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة [ ص: 238 ] ورجعوا لي ، ثم حدثتها بالذي رأيت ، فقالت : أبشر يا ابن عم واثبت ، فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة

ثم قامت فجمعت عليها ثيابها ، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي ،


هذه الرواية أكثر واقعية من الروايات الأخرى التي ذكرت أنها ذهبت معه إلى ورقة بن نوفل لأنه رجع إلى بيته وقال دثروني مما وجد من جهد ورعب فمن المفترض أن تتركه يرتاح وتسرع هي لتسأل ورقة





وهو ابن عمها ، وكان ورقة قد تنصر وقرأ الكتب ، وسمع من أهل التوراة والإنجيل ، فأخبرته بما أخبرها به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه رأى وسمع ؛ فقال ورقة بن نوفل : قدوس قدوس ، والذي نفس ورقة بيده ، لئن كنت صدقتيني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى ، وإنه لنبي هذه الأمة ، فقولي له : فليثبت .

فرجعت خديجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بقول ورقة بن نوفل ،



فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم جواره وانصرف ، صنع كما كان يصنع بدأ بالكعبة فطاف بها ، فلقيه ورقة بن نوفل وهو يطوف بالكعبة فقال : يا ابن أخي أخبرني بما رأيت وسمعت فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقال له ورقة : والذي نفسي بيده ، إنك لنبي هذه الأمة ، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى ولتكذبنه ولتؤذينه ولتخرجنه ولتقاتلنه ، ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصرا يعلمه ، ثم أدنى رأسه منه ، فقبل يافوخه ، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزله .


[ امتحان خديجة برهان الوحي ]

قال ابن إسحاق : وحدثني إسماعيل بن أبي حكيم مولى آل الزبير : أنه حدث [ ص: 239 ] عن خديجة رضي الله عنها أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أي ابن عم ، أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك ؟ قال : نعم . قالت : فإذا جاءك فأخبرني به . فجاءه جبريل عليه السلام كما كان يصنع ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخديجة : يا خديجة ، هذا جبريل قد جاءني ، قالت : قم يا ابن عم فاجلس على فخذي اليسرى ؛ قال فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس عليها ، قالت : هل تراه ؟ قال : نعم ، قالت : فتحول فاجلس على فخذي اليمنى ؛ قالت : فتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس على فخذها اليمنى ، فقالت : هل تراه ؟ قال : نعم . قالت : فتحول فاجلس في حجري ، قالت : فتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس في حجرها . قالت : هل تراه ؟ قال : نعم ، قال : فتحسرت وألقت خمارها ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في حجرها ، ثم قالت له : هل تراه ؟ قال : لا ، قالت يا ابن عم ، اثبت وأبشر ، فوالله إنه لملك وما هذا بشيطان

قال ابن إسحاق : وقد حدثت عبد الله بن حسن هذا الحديث ، فقال : قد سمعت أمي فاطمة بنت حسين تحدث بهذا الحديث عن خديجة ، إلا أني سمعتها تقول : أدخلت رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها وبين درعها ، فذهب عند ذلك جبريل ، فقالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن هذا لملك وما هو بشيطان

untitled-1897878783.png (1235×227)


  #54  
قديم 08-04-2018, 05:02 PM
المدير
 Egypt
 Male
 
تاريخ التسجيل: 16-12-2013
الدولة: القاهرة
العمر: 51
المشاركات: 6,790
معدل تقييم المستوى: 10
جند الله تم تعطيل التقييم
افتراضي

451 - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال : حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال : حدثنا أحمد بن عبد الجبار قال : حدثنا يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق قال : حدثني عبد الملك بن عبد الله بن أبي سفيان بن العلاء بن جارية الثقفي ، وكان واعية ، عن بعض أهل العلم « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد الله عز وجل كرامته وابتدأه ، لا يمر بحجر ولا شجر إلا سلم عليه وسمع منه ، فيلتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه وعن يمينه وعن شماله ولا يرى إلا الشجر وما حوله من الحجارة وهي تحييه بتحية النبوة : السلام عليك يا رسول الله . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج إلى حراء في كل عام شهرا من السنة ينسك فيه ، وكان من نسك من قريش في الجاهلية يطعم من جاء من المساكين حتى إذا انصرف من مجاورته وقضائه لم يدخل بيته حتى يطوف بالكعبة حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله تعالى به ما أراد من كرامته من السنة التي بعث فيها ، وذلك الشهر رمضان فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان يخرج لجواره ، وخرج معه بأهله حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته ورحم العباد به جاءه جبريل عليه السلام بأمر الله عز وجل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » فجاءني ، وأنا نائم ، فقال : اقرأ . فقلت : ما أقرأ ؟ فغتني حتى ظننت أنه الموت ، ثم كشفه عني ، فقال : اقرأ : فقلت : وما أقرأ ؟ فعاد لي بمثل ذلك ، ثم قال : اقرأ . فقلت : وما أقرأ وما أقولها إلا تنجيا أن يعود لي بمثل الذي صنع ، فقال : اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم (1) . ثم انتهى ، فانصرف عني وهببت من نومي فكأنما صور في قلبي كتابا ، ولم يكن في خلق الله عز وجل أحد أبغض إلي من شاعر أو مجنون فكنت لا أطيق أنظر إليهما ، فقلت : إن الأبعد يعني نفسه لشاعر أو مجنون ، ثم قلت : لا تحدث عني قريش بهذا أبدا ، لأعمدن إلى حالق من الجبل فلأطرحن نفسي منه فلأقتلنها فلأستريحن ، فخرجت ما أريد غير ذلك فبينا أنا عامد لذلك إذ سمعت مناديا ينادي من السماء يقول : يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل ، فرفعت رأسي إلى السماء انظر فإذا جبريل عليه السلام في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول : يا محمد أنت رسول الله ، وأنا جبريل فرفعت أنظر إليه وشغلني عن ذلك وعما أريد ، فوقفت وما أقدر على أن أتقدم ولا أتأخر ، وما أصرف وجهي في ناحية من السماء إلا رأيته فيها ، فما زلت واقفا ما أتقدم ولا أتأخر حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي حتى بلغوا مكة ، ورجعوا فلم أزل كذلك حتى كاد النهار يتحول ، ثم انصرف عني



وانصرفت راجعا إلى أهلي حتى أتيت خديجة فجلست إلى فخذها مضيفا إليها ، فقالت : يا أبا القاسم أين كنت ؟ فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا ، فقلت لها : إن الأبعد لشاعر أو مجنون . فقالت : أعيذك بالله تعالى من ذلك يا أبا القاسم ، ما كان الله ليفعل بك ذلك مع ما أعلم من صدق حديثك ، وعظم أمانتك ، وحسن خلقك ، وصلة رحمك . وما ذاك يا ابن عم ، لعلك رأيت شيئا أو سمعته . فأخبرتها الخبر . فقالت : أبشر يا ابن عم ، واثبت له فوالذي يحلف به إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة . ثم قامت فجمعت ثيابها عليها ، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل وهو ابن عمها ، وكان قد قرأ الكتب وتنصر وسمع من التوراة والإنجيل ، فأخبرته الخبر ، وقصت عليه ما قص عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى وسمع . فقال ورقة : قدوس قدوس ، والذي نفس ورقة بيده لئن كنت صدقتيني يا خديجة ، إنه لنبي هذه الأمة ، وإنه ليأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى عليه السلام ، فقولي له فليثبت . فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته ما قال لها ورقة فسهل ذلك عليه بعض ما هو فيه من الهم بما جاءه . فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم جواره (2) صنع كما كان يصنع : بدأ بالكعبة فطاف بها ، فلقيه ورقة وهو يطوف بالكعبة فقال : يا ابن أخي أخبرني بالذي رأيت وسمعت ، فقص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره ، فقال ورقة : والذي نفسي بيده إنه ليأتيك الناموس (3) الأكبر الذي كان يأتي موسى ، وإنك لنبي هذه الأمة ، ولتؤذين ، ولتكذبن ، ولتقاتلن ، ولتنصرن ، ولئن أنا أدركت ذلك لأنصرنك نصرا يعلمه الله ، ثم أدنى إليه رأسه فقبل يافوخه (4) ، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزله ، وقد زاده الله عز وجل من قول ورقة ثباتا ، وخفف عنه بعض ما كان فيه من الهم «


(3) الناموس : صاحب السر وحافظه والمراد جبريل عليه السلام
(4) اليافوخ : أعلى الرأس ومكان التقاء العظام فيها



راجع دلائل النبوة ج 2 / 147 - 148.
الكتاب : دلائل النبوة للبيهقي

untitled-1897878783.png (1235×227)


  #55  
قديم 08-05-2018, 05:41 AM
المدير
 Egypt
 Male
 
تاريخ التسجيل: 16-12-2013
الدولة: القاهرة
العمر: 51
المشاركات: 6,790
معدل تقييم المستوى: 10
جند الله تم تعطيل التقييم
افتراضي


الكتب » أخبار مكة للفاكهي » بَابٌ جَامِعٌ مِنْ أَخْبَارِ مَكَّةَ فِي الإِسْلامِ ... » ذِكْرُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ فِيهَا الصَّلاةُ ...




رقم الحديث: 2425
(حديث مرفوع) وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , قَالَ : حَدَّثَنِي وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَسْأَلُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ الْجُنْدَعِيَّ ، عَنْ بُدُوِّ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ عُبَيْدٌ : كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُجَاوِرُ بِحِرَاءٍ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ شَهْرًا ، وَيُطْعِمُ مَنْ جَاءَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، فَإِذَا قَضَى جِوَارَهُ لَمْ يَصِلْ إِلَى بَيْتِهِ حَتَّى يَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ ، فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحِرَاءٍ ، وَكَانَ يَقُولُ : " لَمْ يَكُنْ مِنَ الْخَلْقِ شَيْءٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ شَاعِرٍ أَوْ مَجْنُونٍ ، كُنْتُ لا أُطِيقُ النَّظَرَ إِلَيْهِمَا ، فَلَمَّا ابْتَدَأَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِكَرَامَتِهِ أَتَانِي رَجُلٌ فِي كَفِّهِ نَمَطٌ مِنْ دِيبَاجٍ ، فِيهِ كِتَابٌ ، وَأَنَا نَائِمٌ فَقَالَ : اقْرَأْ ، فَقُلْتُ : وَمَا أَقْرَأُ ؟ فَغَطَّنِي حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ الْمَوْتُ ، ثُمَّ كَشَطَ عَنِّي ، فَقَالَ : اقْرَأْ ، فَقُلْتُ : وَمَا أَقْرَأُ ؟ فَعَادَ لِي مِثْلُ ذَلِكَ فَقَالَ : اقْرَأْ ، فَقُلْتُ : وَمَا أَقْرَأُ ؟ فَعَاوَدَنِي بِمِثْلِ ذَلِكَ ، فَقُلْتُ : أَنَا أُمِّيٌّ ، وَلا أَقُولُهَا إِلا تَنَحِّيًا مِنْ أَنْ يَعُودَ لِي بِمِثْلِ الَّذِي فَعَلَ بِي ، فَقَالَ : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ { 1 } خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ { 2 } سورة العلق آية 1-2 إِلَى قَوْلِهِ عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ سورة العلق آية 5 ثُمَّ انْتَهَى كَمَا كَانَ يَصْنَعُ بِي قَالَ : فَفَزِعْتُ ، فَكَأَنَّمَا صَوَّرَ فِي قَلْبِي كِتَابًا ، فَقُلْتُ : إِنَّ الأَبْعَدَ لَشَاعِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ، فَقُلْتُ : لا تَحَدَّثُ عَنِّي قُرَيْشٌ بِهَذَا لأَعْمِدَنَّ إِلَى حَالِقٍ مِنَ الْجَبَلِ ، فَلأَطْرَحَنَّ نَفْسِي مِنْهُ فَلأَقْتُلُهَا ، فَخَرَجْتُ وَمَا أُرِيدُ غَيْرَ ذَلِكَ ، فَبَيْنَا أَنَا عَامِدٌ لِذَلِكَ ، إِذْ سَمِعْتُ مُنَادِيًا يُنَادِي مِنَ السَّمَاءِ : يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ ، وَأَنَا جِبْرِيلُ ، فَذَهَبْتُ أَرْفَعُ رَأْسِي ، فَإِذَا رَجُلٌ صَافٌّ قَدَمَيْهِ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ ، فَوَقَفْتُ لا أَقْدِرُ عَلَى أَنْ أَتَقَدَّمَ وَلا أَتَأَخَّرَ , وَمَا أَصْرِفُ وَجْهِي فِي نَاحِيَةٍ مِنَ السَّمَاءِ إِلا قَدْ رَأَيْتُهُ ، حَتَّى بَعَثَتْ خَدِيجَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا إِلَيَّ رُسُلَهَا فِي طَلَبِي ، وَرَجَعُوا إِلَيْهَا ، فَلَمْ أَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى كَادَ النَّهَارُ يَتَحَوَّلُ ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ فَجِئْتُ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، فَجَلَسْتُ إِلَى فَخِذَيْهَا مُضِيفًا ، فَقَالَتْ : يَا أَبَا الْقَاسِمِ أَنَّى كُنْتَ ؟ وَاللَّهِ لَقَدْ بَعَثْتُ فِي طَلَبِكَ رُسُلِي ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْتُ : إِنَّ الأَبْعَدَ لَشَاعِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ، فَقَالَتْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : مَعَاذَ اللَّهِ يَا ابْنَ عَمِّ ، مَا كَانَ اللَّهُ لِيَفْعَلَ بِكَ إِلا خَيْرًا ، لَعَلَّكَ رَأَيْتَ شَيْئًا أَوْ سَمِعْتَ ؟ فَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ فَقَالَتْ : يَا ابْنَ عَمِّ ، وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ ، إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونَ نَبِيَّ هَذِهِ الأُمَّةِ ، ثُمَّ جَمَعَتْ عَلَيْهَا ثِيَابَهَا ، ثُمَّ انْطَلَقَتْ إِلَى وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ ، وَكَانَ يَقْرَأُ الْكُتُبَ ، فَأَخْبَرَتْهُ الْخَبَرَ ، وَقَصَّتْ عَلَيْهِ مَا قَصَّ عَلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ وَرَقَةُ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لإِنْ كُنْتِ صَدَقْتِنِي ، إِنَّهُ لِنَبِيُّ هَذِهِ الأُمَّةِ ، إِنَّهُ لَيَأْتِيهِ النَّامُوسُ الأَكْبَرُ ، الَّذِي يَأْتِي مُوسَى ، فَقُولِي لَهُ فَلْيَثْبُتْ قَالَ : فَرَجَعَتْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَخْبَرَتْهُ الْخَبَرَ فَاسْتَكْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِوَارَهُ بِحِرَاءٍ ، ثُمَّ نَزَلَ فَبَدَأَ بِالْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ فَلَقِيَهُ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ فَقَالَ : يَا ابْنَ أَخِي أَخْبِرْنِي بِالَّذِي رَأَيْتَ ، فَقَصَّ عَلَيْهِ خَبَرَهُ ، فَقَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ لِيَأْتِيكَ النَّامُوسُ الأَكْبَرُ ، الَّذِي كَانَ يَأْتِي مُوسَى ، وَإِنَّكَ لِنَبِيُّ هَذِهِ الأُمَّةِ ، وَلَتُؤْذَيَنَّ وَلَتُخْرَجَنَّ ، وَلَتُقَاتَلَنَّ ، وَلَتُنْصَرَنَّ ، وَلَئِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ لأَنْصُرَنَّكَ نَصْرًا يَعْلَمُهُ اللَّهُ مِنِّي حَقًّا ، ثُمَّ دَنَا فَقَبَّلَ شَوَاتَهُ , يَعْنِي وَسَطَ رَأْسِهِ , ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ : وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ فِي ذَلِكَ : ذَكَرْتُ وَكُنْتُ فِي الذِّكْرَى لَجُوجًا لِهَمٍّ طَالَ مَا بَعَثَ النَّشِيجَا وَوَصْفٍ مِنْ خَدِيجَةَ بَعْدَ وَصَفٍ فَقَدْ طَالَ انْتِظَارِي يَا خَدِيجَا وَقَالَ : وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ أَيْضًا فِي ذَلِكَ : يَا لَلرِّجَالِ لِصَرْفِ الدَّهْرِ وَالْقَدَرِ وَمَا عَسَى قَدْ قَضَاهُ اللَّهُ مِنْ غِيَرِ جَاءَتْ خَدِيجَةُ تُنْبِينِي لأُخْبِرَهَا وَمَا لَنَا بِخَمِيسِ الْغَيْبِ مِنْ خَبَرِ فَكَانَ مَا سَأَلَتْ عَنْهُ لأُخْبِرَهَا أَمْرًا أُرَاهُ سَيَأْتِي النَّاسَ فِي أُخَرِ بِأَنَّ أَحْمَدَ يَأْتِيهِ فَيُخْبِرُهُ جِبْرِيلُ أَنَّكَ مَبْعُوثٌ إِلَى الْبَشَرِ فَقُلْتُ كَانَ الَّذِي تَرْجِينَ يُنْجِزُهُ لَكِ الإِلَهُ فَرِّجِي الْخَيْرَ وَانْتَظِرِي فَأَرْسِلِيهِ إِلَيْنَا كَيْ نُسَائِلَهُ عَنْ أَمْرِهِ مَا يَرَى فِي النَّوْمِ وَالسَّهَرِ فَقَالَ حِينَ أَتَانِي مَنْطِقًا عَجَبًا يَقِفُّ مِنْهُ أَعَالِي الْجِلْدِ وَالشَعَرِ إِنِّي رَأَيْتُ أَمِينَ اللَّهِ وَاجَهَنِي فِي صُورَةٍ أُكْمِلَتْ فِي أَحْسَنِ الصُّوَرِ ثُمَّ اسْتَمَرَّ فَكَادَ الْخَوْفُ يُذْعِرُنِي مِمَّا يُسَلِّمُ مَا حَوْلِي مِنَ الشَّجَرِ وَلِلْمَلِيكِ عَلَيَّ أَنْ دَعَوْتُهُمْ قَبْلَ الْجِهَادِ بِلا مَنٍّ وَلا كَدَرِ لَيْتَ الْمَلِيكَ إِلَهَ النَّاسِ أَخَّرَنِي حَتَّى تَعَالَى مَنْ يَدْعُو مِنَ الْبَدَرِ .

untitled-1897878783.png (1235×227)


  #56  
قديم 08-05-2018, 11:58 AM
المدير
 Egypt
 Male
 
تاريخ التسجيل: 16-12-2013
الدولة: القاهرة
العمر: 51
المشاركات: 6,790
معدل تقييم المستوى: 10
جند الله تم تعطيل التقييم
افتراضي أبو بكر والصديق في الجاهلية:

أبو بكر والصديق في الجاهلية:
من المتعارف عليه حتى الآن وجود صديق واحد فقط، لكن اللغز المحير، هل عقمت الأمة من الصديقين، فلم يخرج منها إلا صديق واحد فقط، أم فيها أكثر من صديق، فمحيت من كل كتب الأخبار سيرتهم؟ أم ترانا نفهم معنى الصديق خطأ؟ وهل يوجد عدة أشخاص أطلق على كل واحد منهم أبو بكر؟ أم تراه لقب أطلق على شخص واحد فلم يتكرر؟

والصديق تطلقه كتب السير على أبي بكر، وهو عبد الله بن أبي قحافة، لكن من يبحث ويدقق يجد أنه لا دليل يثبت أنه كان صديقاً، باعتبار اللقب منزلة رفيعة، وحكم غيبي من الله تعالى على صاحبه، وليس مجرد لقب تشريفي في الحياة الدنيا، نطلقه على من نشاء. فيحرم أن يطلقه بشر على بشر بدون وحي، كما يحرم أن نطلق لقب شهيد على أحد مات، لأنها أحكام ربانية اختص الله تبارك وتعالى بها نفسه، فنهى عن تزكية أنفسنا.

تأمل لقب [أبا بكر الصديق]؛ والذي دائما ما نقش بماء الذهب، في الصحف، وعلى الجدران، وإن كان هذا من الغلو والإسراف، لكن صاحب هذا اللقب يستحقه ولا شك، لعظيم فضله، وعلو منزلته الكريمة. بداية سنحاول تحليل هذا اللقب، لنكتشف دلالاته، ومعناه على حقيقته، لأن اللقب يدل على شخصية صاحبه، وعلى من أطلق؟ ومتى أطلق؟ وما سبب إستحقاقه اللقب؟

اللقب يتكون من كلمة [أبو] من الأسماء الخمسة. ومن شقين، الشق الأول؛ [بَكْرٍ] أي من بكر بفعل الشيء قبل حينه، (وكل من بادر إلى شيء، فقد أَبكر عليه وبَكَّرَ أَيَّ وَقْتٍ كانَ) فقولك: وصل الضيف مبكراً، أي وصل الضيف قبل موعده. وقولك: قطفت الثمر مبكراً، أي قطفته قبل أوان حصاده. (من غسَّلَ يومَ الجمعةِ واغتسلَ ثمَّ بَكَّرَ وابتَكرَ ومشى ولم يرْكب ودنا منَ الإمامِ فاستمعَ ولم يلغُ كانَ لَهُ بِكلِّ خطوةٍ عملُ سنةٍ أجرُ صيامِها وقيامِها).() فقوله (بَكَّرَ) من التبكير، أي: خرج للجمعة مبكرا في الوقت، أي قبل وقت وجوب الصلاة الجمعة وصعود الخطيب المنبر.
[] الراوي : أوس بن أبي أوس وقيل أوس بن أوس والد عمرو | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح أبي داود الصفحة أو الرقم: 345 | خلاصة حكم المحدث : صحيح

وكما تبين لنا فالوحي لم يبدأ بنزول القرآن الكريم، وإنما سبقه مرحلة تمهيد استمرت سبع سنين تقريبا. وعلى هذا فالوحي مر بمرحلتين: مرحلة الإلهام، وبدأت في الجاهلية، واستمرت سبع سنين. ومرحلة نزول القرآن الكريم وبها بدأ الإسلام بشرائعه وشعائره، واستمرت ثلاثة وعشرون عاما تقريبا. لذلك فإن التأريخ للسيرة لا يقتصر على مرحلة نزول القرآن الكريم، وإنما هناك جزء من السيرة لا يقل أهمية وقعت أحداثه في الجاهلية، وكان له عظيم الأثر في في الإسلام. ولأهميته البالغة حرص المؤرخون للسيرة على حذف هذا الجزء المهم من السيرة فلا نجد له أثر في كتبهم ومصنفاتهم.

إن اسم (بكر) كان متداولا بين الناس، وشائعا في الجاهلية، وما بعدها، ولا مانع أن يكون قد أطلق على عبد الله بن آبي قحافة، لكن أن يوصف إنسان بـ (الصديق)، فهذه صفة خاصة، وتزكية في الدين، متعلقة بسرائر أعمال القلوب، لا تطلق إلا من الله تبارك وتعالى على من شاء من عباده، وهي صفة عظيمة أطقت على أنبياء ورسلا من قبل، فلا يحق لبشر أن يطلقها على بشر، إلا بوحي منزل من الله تعالى القائل: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم ۚ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) [النساء: ٤٩]، فلا تطلق صفة الصديق، كما لا تطلق كذلك صفة الشهيد على أحد، لأنها تزكية اختص الله عز وجل بها نفسه. كما زكى الله تبارك وتعالى؛ إبراهيم، وإدريس، ويوسف، ومرهم عليهم السلام جميعا.

فقال تعالى: (مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ) [المائدة: ٧٥]

وقال تعالى: (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ) [يوسف: ٤٦]

وقال تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا) [مريم: ٤١]

وقال تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا) [مريم: ٥٦]

ذكر بعض أهل العلم، أن قوله تعالى: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) نزل في أبي بكر، واستدلوا بها على صديقيته، قال الطبري في ذكر من قال بذلك: "حدثني أحمد بن منصور، قال: ثنا أحمد بن مصعد المروزي، قال: ثنا عمر بن إبراهيم بن خالد، عن عبد الملك بن عمير، عن أسيد بن صفوان، عن عليّ رضي الله عنه، في قوله: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ) قال: محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، وصدّق به، قال: أبو بكر رضي الله عنه".() وهذا كلام مرسل، يدل على أنهم اقتطعوا الآية، من سياق ما قبلها وبعدها، فصار بإمكانهم إطلاقها على من أرادوا، رغم أن أهل العلم اختلفوا فيمن المراد بمن جاء بالصدق.

قال بن كثير: "قال مجاهد، وقتادة، والربيع بن أنس، وابن زيد: ( الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ) هو الرسول. وقال السدي: هو جبريل عليه السلام، ( وَصَدَّقَ بِهِ ) يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ( وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ ) قال:من جاء بلا إله إلا الله، ( وَصَدَّقَ بِهِ ) يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقرأ الربيع بن أنس: (الذين جاءوا بالصدق) يعني: الأنبياء، (وصدقوا به) يعني: الأتباع. وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد: ( وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ) قال: أصحاب القرآن المؤمنون يجيئون يوم القيامة، فيقولون: هذا ما أعطيتمونا، فعملنا فيه بما أمرتمونا. وهذا القول عن مجاهد يشمل كل المؤمنين، فإن المؤمن يقول الحق ويعمل به، والرسول صلى الله عليه وسلم أولى الناس بالدخول في هذه الآية على هذا التفسير، فإنه جاء بالصدق ، وصدق المرسلين، وآمن بما أنـزل إليه من ربه والمؤمنون، كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ( وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ ) هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وَصَدَّقَ بِهِ) المسلمون".()

يقول تبارك وتعالى: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّـهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ * وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ * لِيُكَفِّرَ اللَّـهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ *أَلَيْسَ اللَّـهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّـهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَمَن يَهْدِ اللَّـهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّـهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ) [الزمر: ٣٢؛ ٣٧].

والشق الثاني؛ [الصِدِّيق] أي الذي أمن بالله ورسله، مصداقا لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّـهِ وَرُسُلِهِ أُولَـئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ) [الحديد: ١٩]. وفي اللسان: (والصِّدِّيقُ المبالغ في الصِّدْق). وفي مقاييس اللغة: (والصِّدِّيق الملازم للصِّدْق.) وهذا يوافق قوله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الصِّدقَ يَهدي إلى البِرِّ ، وإنَّ البِرَّ يَهدي إلى الجنَّةِ ، وإنَّ الرَّجُلَ ليَصدُقُ حتَّى يَكونَ صدِّيقًا ...). [] الراوي : عبدالله بن مسعود | المحدث : البخاري | المصدر : صحيح البخاريالصفحة أو الرقم: 6094 | خلاصة حكم المحدث : [صحيح]

نخلص من هذا أن لقب آبو بكر الصديق؛ أطلق على شخص بكر في تصديق النبي صلى الله عليه وسلم قبل بداية بعثته، وليس بعدها، فكان له صاحباً، وناصراً في الجاهلية، فلم يكن حينها نبوة، ولا كتاب أنزل عليه بعد، وإنما كان التحنف لله عز وجل.

والملفت أن الصحابة، ومنهم من كان له السبق في الإسلام، لم يطلق على أي أحد منهم هذا اللقب، وإنما أفردت كتب السير، والروايات عبد الله بن آبي قحافة بهذا اللقب دون غيره من الصحابة، حتى فاطمة ابنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأمها خديجة عليهما السلام، لم نجد أي اقتران لذكر إحداهما بهذا اللقب، رغم أن فضل خديجة عليها السلام يفوق فضل الصحابة مجتمعين، لأنها أول من صدقه في الجاهلية، فناصرته وآزرته، وشدت من عضده، فالمقام لا يتسع لذكر فضلها وعظيم منزلتها، لكن رغم هذا؛ لم نجد أحد عدها من الصديقين، وهذا أمر ملفت، وبحاجة لتفسير.

إذن فليس المقصود بالصديق هنا أي أحد ممن آمن بعد بعثته، وإنما شخص آمن به، وصدقه في الجاهلية، وقبل البعثة بزمن. إلا أن هذا اللقب أطلق على عبد الله بن أبي قحافة، ولكننا لم نعلم أنه تحنف في الجاهلية، فلم يلاقي ما لاقاه المتحنفين من اضهاد أهل مكة، ولم يرد له ذكر بين المتحنفين قبل البعثة، ولم يصدق النبي صلى الله عليه وسلم إلا بعد بعثته مباشرة. قال ابن إسحاق: "واجتمعت قريش يوما في عيد لهم عند صنم من أصنامهم ، كانوا يعظمونه وينحرون له ، ويعكفون عنده ، ويديرون به ، وكان ذلك عيدا لهم في كل سنة يوما ، فخلص منهم أربعة نفر نجيا ، ثم قال بعضهم لبعض : تصادقوا وليكتم بعضكم على بعض؛ قالوا: أجل . وهم : ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي؛ وعبيد الله بن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة، وكانت أمه أميمة بنت عبد المطلب. وعثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وزيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن عبد الله بن قرط بن رياح بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي؛ فقال بعضهم لبعض: تعلموا والله ما قومكم على شيء لقد أخطئوا دين أبيهم إبراهيم ما حجر نطيف به، لا يسمع ولا يبصر، ولا يضر ولا ينفع، يا قوم التمسوا لأنفسكم ( دينا )، فإنكم والله ما أنتم على شيء. فتفرقوا في البلدان يلتمسون الحنيفية، دين إبراهيم".()

إذن محال أن يكون بن أبي قحافة هو من أطلق عليه لقب أبو بكر الصديق، لأن معنى اللقب لا يتفق وحاله، على وجه الإطلاق. إنما المفترض أن يكون قد أطلق لقب [أبو بكر الصديق] على رجل صدق النبي صلى الله عليه وسلم في الجاهلية، وناصره قبل بعثته، وكان متحنفا، ولاقى أصناف الويلات من أهل مكة، وإلا فقد اللقب دلالته، ووجاهته.

فلم تنزل آية الغار بخصوص بن أبي قحافة، ولا حتى أي آية أخرى، والشاهد ما أورده البخارى في صحيحه عن عائشة تنفي فيه نزول شيئا من القرآن بخصوص أهلها. فعن عائشة قالت: كانَ مَرْوَانُ على الحجازِ، استعمَلَهُ معاويةُ، فخطَبَ فجعلَ يذْكُرُ يزِيدَ بنَ معاويةَ لكي يُبَايَعَ لهُ بعدَ أبيهِ، فقالَ لهُ عبدُ الرحمنِ بنُ أبي بكرٍ شيئًا، فقالَ: خُذُوهُ، فدخَلَ بيتَ عائِشَةَ فلمْ يقْدِروا، فقالَ مَرْوَانُ: إنَّ هذا الذي أنزلَ اللهُ فيهِ: (وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي) [الأحقاف: 17]. فقالتْ عائشةُ من وراءِ الحِجَابِ: ما أنزلَ اللهُ فينَا شيئًا من القرآنِ، إلَّا أنَّ اللهَ أنزلَ عُذْرِي. [] الراوي : عائشة أم المؤمنين | المحدث : البخاري | المصدر : صحيح البخاريالصفحة أو الرقم: 4827 | خلاصة حكم المحدث : [صحيح]. وأما ما نسب إليها في الخبر (إلَّا أنَّ اللهَ أنزلَ عُذْرِي) فهذه عندي زيادة موضوعة، لا تصح، وشرحها له موضعه.

بينما في رواية عن عبدالله بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أبو بَكرٍ صاحبي ومؤنِسي في الغارِ، سُدُّوا كلَّ خَوخَةٍ في هذا المسجدِ إلَّا خَوخةَ أبي بَكرٍ). ()

[] الراوي : عبدالله بن عباس | المحدث : أبو نعيم | المصدر : حلية الأولياء الصفحة أو الرقم: 5/29 | خلاصة حكم المحدث : ثابت من حديث يعلى بن حكيم عن سعيد عن ابن عباس وحديث طلحة غريب تفرد به إسماعيل عن مالك التخريج : أخرجه عبدالله بن أحمد كما في ((مجمع الزوائد)) للهيثمي (9/45)، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (4/303).

فإذا لم ينزل قرآنا في عائلة عبد الله بن أبي قحافة، بحسب قول عائشة: (ما أنزلَ اللهُ فينَا شيئًا من القرآنِ)، فكلامها ينفي أن والدها هو أبو بكر المذكور في قوله صلى الله عليه وسلم: (أبو بَكرٍ صاحبي ومؤنِسي في الغارِ). ثم إن قول النبي صلى الله عليه وسلم (صاحبي ومؤنِسي في الغارِ) فالصحبة، والمؤانسة تدلان على طول مدة مكثهما في الغار، قال بن منظور: (والأُنْسُ، وهو ضد الوحشة). فإقامتهما في الغار لم تكن إقامة مجرد عابري سبيل، يبيتان فيه، وفي الصباح الباكر يغادراه، ليكملا طريق سفرهما. أي أن الغار كان ملجأ، ومأوى، ومقر إقامة لهما فترة طويلة من الزمن، وليس مجرد ليلة عابرة.

بل من خلال كتاب الله تبارك وتعالى، سيتبين لنا أن أبا بكر الصديق يجب أن يكون قد توفي قبل بعثة النبي، وهذا يلزم منه أن شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بعد بعثته. قال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا ما لَكُم إِذا قيلَ لَكُمُ انفِروا في سَبيلِ اللَّـهِ اثّاقَلتُم إِلَى الأَرضِ أَرَضيتُم بِالحَياةِ الدُّنيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنيا فِي الآخِرَةِ إِلّا قَليلٌ *إِلّا تَنفِروا يُعَذِّبكُم عَذابًا أَليمًا وَيَستَبدِل قَومًا غَيرَكُم وَلا تَضُرّوهُ شَيئًا وَاللَّـهُ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ * إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [التوبة: ٤٠].

تتناول هذه الآيات الكريمة تحريض المتقاعسين من المؤمنين على القتال في سبيل الله تعالى، والمتخاذلين عن نصرة نبيه صلى الله عليه وسلم، ويذكرهم؛ أن الله عز وجل نصره من قبل أن يتبعوه، وأنه أنزل (سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ)، و(وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَالكن متى حدث هذا؟ وأي غار المقصود غار ثور أم حراء؟

يقول تبارك وتعالى: (إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ)، يشير عز وجل في هذه الكلمات إلى نصر قد تحقق بالفعل من قبل، وكان هذا النصر (إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا)، أي حين أخرجه قومه من دياره إلى الغار لقوله: (ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ)، وبحسب الآية لم يتم إخراجه وحده، وإنما أخرجوه كما أخرجوا صاحبه في الغار (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ)، نفهم أنهما لجئا إلى الغار من بطش قومهما. مما آصاب صاحبه بالحزن (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)، فلم يكن صاحبه خائفا، إنما كان حزينا، أي أن الغار كان ملجئا آمنا لهما. وهنا يواسي النبي عليه الصلاة والسلام صاحبه، إلا أن السياق يبين أن السكينة والتأييد نزلا على النبي صلى الله عليه وسلم وحده، وليسا عليهما معا فقال (فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا)، فلم يشمل ذلك صاحبه، فلم تنل عليه السكينة، ولم يؤيده الله عز وجل. أي أن مدة الصحبة بينهما كانت قصيرة، لم تطول حتى نزلت السكينة والتأييد، ثم فارقه صاحبه بلا رجعة، والتفسير المقبول لهذه المفارقة؛ أن صاحبه في الغار مات، وقضى نحبه، قبل أن يتحقق السكينة والتأيد للنبي صلى الله عليه وسلم.

الثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم أيده الله تبارك ببعثته نبياً، فأنزل عليه جبريل بالكتاب، مؤيدا له، وناصرا، يعلمه مما علمه ربه عز وجل، وأيده بالمؤمنين الذين اتبعوه، كما أيده كذلك بالملائكة، فقال تعالى: (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ) [التحريم: ٤]. فإذا ربطنا هذا بسياق الآية، نفهم أن واقعة الغار كانت قبل نزول الوحي، ولا يمكن أن تكون بعده، لأنه قبل البعثة لم يكن مؤيدا تأييدا مباشراً لا بجبريل عليه السلام، ولا بالملائكة، ربما يسمع أصواتا ويرى ضوءا، لكن لم يثبت حدوث اتصال مباشر قبل بعثته. كذلك لم يكن مؤيدا بالمؤمنين، لأنه لم يكن قد بعث بعد.

بينما قبل هجرته من مكة إلى المدينة، كان مؤيدا من الله وجبريل والملائكة، يتنلون عليه بأمر الله تبارك وتعالى، فضلا عن أن الله تعالى قد عصمه من الناس، فكان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُحْرَسُ وكان يُرْسِلُ معه عمُّهُ أبو طالِبٍ كلَّ يومٍ رجالًا من بني هاشمٍ [ يَحْرُسُونَهُ ] حتى نزلتْ هذهِ الآيَةُ (يَا أَيُّهَا الرَّسولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَّبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) فأرادَ عمُّهُ أنْ يُرْسِلَ معه من يَحْرُسُهُ فقال: (يا عمِّ إنَّ اللهَ قدْ عَصَمَنِي مِنَ الجِنِّ والإنسِ). (٧) وقد شرحنا في موضعه أن الآية مكية وليست مدنية، أي كان معصوما قبل هجرته، وعليه من المستبعد تماما أن واقعة الغار تمت أثناء هجرته، وإنما تمت في الجاهلية.

خاصة وأنه قبل هجرته مباشرة كان مؤيدا بالمؤمنين، بدليل مبايعتهم له تحت الشجرة، لقوله تعالى: (لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) [الفتح: ١٨]. بينما قبل البعثة لم يكن له أتباع، بل اجتمع عليه الناس بلا ناصر ولا معين.

لذلك فالسياق في قصة الغار مختلف تماما عما كان أثناء الهجرة، ومع هذا يصر كتاب السيرة إقناعنا، أن هذه الواقعة تمت أثناء الهجرة، وهذا يرده النص، وأن المقصود بصاحبه هنا هو أبو بكر الصديق، وهذا نتفق معهم فيه، ولا نخالفهم القول، لأن الصديق هنا صدق النبي صلى الله عليه وسلم، وصاحبه في الغار أثناء الجاهلية، وقبل بعثته. أضف إلى هذا أن أبو بكر الصديق لم يطول به العمر حتى بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، فلم يجد السكينة بنزول الوحي، ولم يعاصر تأييد الملائكة والمؤمنين. وهذه المواصفات لا نجد بعضها، فضلا عن كلها مجتمعة في شخص بن أبي قحافة. مما يدل على أنه ليس الصديق آبو بكر، وإنما هو شخص آخر صاحب النبي صلى الله عليه وسلم في الجاهلية، وصاحبه في الغار، وأيده وناصره، ولكنه مات قبل البعثة.

وكان عبد الله بن أبي قحافة مشركا في الجاهلية، فلم يتحنف مع المتحنفين، فلم يكن ناصرا للنبي صلى الله عليه وسلم قبل الإسلام، وبالتالي لا يصح أن يكون هو أبو بكر المصاحب له في الغار، وإنما شخص آخر. بدليل أن سمى ابنه عبد العزى، لصنم كان لهم في الجاهلية، وقيل كان اسمه عبد الكعبة، فقد كان أسن ولد أبي بكر، أي أطلق عليه هذا الاسم في الجاهليةن ولو كان حنيفيا ما أطلق عليه هذا الاسم، وهذا بحسب ما ذكره بدر الدين العيني: "... عبد الرحمن هو ابن أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه، وكان شقيق عائشة، وأمها أم رومان بنت عامر، وكان اسم عبد الرحمن في الجاهلِية عبد الْعُزَّى، وَقيل: عبد الْكَعْبَة، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم: عبد الرَّحْمَن...". [] (عمدة القارئ) [صفحة: 9/ 131].

قال تعالى: (ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ) [التوبة: ٢٦]

قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ ۗ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) [الفتح: ٤]

قال تعالى: (لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) [الفتح: ١٨]

قال تعالى: (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) [الفتح: ٢٦]

untitled-1897878783.png (1235×227)


  #57  
قديم 08-08-2018, 03:31 PM
المدير
 Egypt
 Male
 
تاريخ التسجيل: 16-12-2013
الدولة: القاهرة
العمر: 51
المشاركات: 6,790
معدل تقييم المستوى: 10
جند الله تم تعطيل التقييم
افتراضي

متـن الروايـة

إنِّي لجالسٌ إلى ابنِ عباسٍ إذْ أتاهُ تسعةُ رهطٍ فقالوا: يا أبا عباسٍ إمَّا أن تقومَ معنا وإمَّا أن تخْلونا هؤلاءِ قال: فقال ابنُ عباسٍ: بلْ أقومُ معكم قال: وهوَ يومئذٍ صحيحٌ قبلَ أن يَعْمَى قال: فابتدأوا فتحدَّثوا فلا نَدري ما قالوا قال: فجاءَ يَنْفُضُ ثوبَهُ ويقولُ: أُفَّ وتَفَّ وقعوا في رجلٍ لهُ عشرٌ وقعوا في رجلٍ قال لهُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (لأبعثنَّ رجلًا لا يُخزيهِ اللهُ أبدًا يُحِبُّ اللهَ ورسولَه) قال: فاستشرفَ لها من استشرفَ قال: (أينَ عليٌّ؟) قال: هو في الرَّحْلِ يطحَنُ قال: (وما كان أحدُكم ليَطحَنَ) قال: فجاءهُ وهو أرمدٌ لا يكادَ يُبصرُ قال: فنفثَ في عينَيهِ ثم هزَّ الرايةَ ثلاثًا فأعطاها إياهُ فجاءَ بصفيةَ بنتِ حُيَيٍّ قال: ثم بعثَ فلانًا بسورةِ التوبةِ فبعثَ عليًّا خلفَهُ فأخذها منهُ قال: (لا يذهبُ بها إلا رجلٌ منِّي وأنا منهُ) قال: وقال لبَنِي عمِّهِ: (أيُّكم يُواليني في الدنيا والآخرةِ؟) قال: وعليٌّ معهُ جالسٌ فَأَبَوا فقال عليٌّ: أنا أُواليكَ في الدنيا والآخرةِ قال: (أنتَ وليِّي في الدنيا والآخرةِ). قال: فتركهُ ثم أقبلَ على رجلٍ منهم فقال: (أيُّكم يُواليني في الدنيا والآخرةِ؟) فأَبَوا قال: فقالَ عليٌّ: أنا أُواليكَ في الدنيا والآخرةِ فقال: (أنتَ وليِّي في الدنيا والآخرةِ).

قال: وكان أولَ من أسلمَ من الناسِ بعدَ خديجةَ قال: وأخذَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ثوبَه فوضعهُ على عليٍّ وفاطمةَ وحسَنٍ وحسينٍ فقالَ: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) [الأحزاب: ٣٣].

قال: وشَرَى علِيٌّ نفسَه لبِسَ ثوبَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ثم نامَ مكانَهُ قال: وكان المشركونَ يرمونَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فجاءَ أبو بكرٍ وعليٌّ نائمٌ قال: وأبو بكرٍ يحسبُ أنهُ نبيُّ اللهِ قال: فقال: يا نبيَّ اللهِ قال: فقال له عليٌّ: إنَّ نبيَّ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قد انطلقَ نحوَ بئرِ ميمونٍ فَأَدْرِكْهُ قال: فانطلقَ أبو بكرٍ فدخلَ معَهُ الغارَ قال: وجعلَ عليٌّ يُرمى بالحجارةِ كما كان يُرمى نبيُّ اللهِ وهو يتضوَّرُ قد لفَّ رأسَهُ في الثوبِ لا يُخرجُه حتى أصبحَ ثم كشفَ عن رأسِه فقالوا: إنكَ للئيمٌ كان صاحبُكَ نُراميهِ فلا يتضوَّرُ وأنتَ تتضوَّرُ وقد استنْكَرْنَا ذلكَ.

قال: وخرجَ بالناسِ في غزوةِ تبوكٍ قال: فقالَ له عليٌّ: أخرجُ معكَ قال: فقالَ لهُ نبيُّ اللهِ: (لا). فَبَكَى عليٌّ فقالَ لهُ: (أما ترضَى أن تكونَ منِّي بمنزلةِ هارونَ من موسى إلا أنكَ لستَ بنبيٍّ إنهُ لا ينبغي أن أذهبَ إلا وأنتَ خليفتي) قال: وقال لهُ رسولُ اللهِ: (أنت وليِّي في كلِّ مؤمنٍ بعدي). وقال: (سُدُّوا أبوابَ المسجدِ غيرَ بابِ عليٍّ) فقالَ: فيدخلُ المسجدَ جُنُبًا وهو طريقُهُ ليسَ لهُ طريقٌ غيرهُ.

قالَ: وقال: (مَن كنتُ مولاهُ فإنَّ مولاهُ عليٌّ). قال: وأَخْبَرَنَا اللهُ عزَّ وجلَّ في القرآنِ أنهُ قد رضيَ عنهم عن أصحابِ الشجرةِ فعَلِمَ ما في قلوبِهِمْ هل حدَّثَنَا أنه سخطَ عليهم بعدُ قال: وقال نبيُّ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لعمرَ حينَ قال: ائذنْ لي فلأضربَ عنقَه قال : (أوكنتَ فاعلًا وما يُدريكَ لعلَّ اللهَ قد اطَّلعَ إلى أهلِ بدرٍ فقال : اعملوا ما شئتم).()
[] الراوي : عمرو بن ميمون | المحدث : أحمد شاكر | المصدر : مسند أحمد الصفحة أو الرقم: 5/25 | خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تحليل ونقد الرواية:

[١] ورد في الرواية قول الراوي: "قال: وكان أولَ من أسلمَ من الناسِ بعدَ خديجةَ قال: وأخذَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ثوبَه فوضعهُ على عليٍّ وفاطمةَ وحسَنٍ وحسينٍ فقالَ: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) [الأحزاب: ٣٣]." فهو إدراج من الراوي في النص، لأن عليا لم يكن قد تزوج فاطمة بعد، ولم ينجب منها حسن وحسين في مكة، وإنما في المدينة. فضلا عن أن سورة الأحزاب نزلت في المدينة، وليس في مكة. فلا يحسب القارئ أن هذا الكلام من السياق، أو استئناف لما قبله. فوجب التنبيه.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[٢] وفي هذه الرواية قال: (وشَرَى علِيٌّ نفسَه لبِسَ ثوبَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ثم نامَ مكانَهُ قال: وكان المشركونَ يرمونَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ،)، أي كانوا يرمونه بالحجارة، وواضح من سياق النص، أن رميهم له بالحجارة كانت عادة لهم، وكان لا يتأثر بهذا، لقول الكفار لعلي: (إنكَ للئيمٌ! كان صاحبُكَ نُراميهِ فلا يتضوَّرُ، وأنتَ تتضوَّرُ، وقد استنْكَرْنَا ذلكَ) نخلص من قولهم أن النبي صلى الله عليه وسلم عصم من الناس أول بعثته، وهو في مكة، وليس بعد هجرته إلى المدينة، بدليل أن عليا لم يقوى على تحمل ألم الرمي بالحجارة، وقد لف رأسه في الثوب لا يخرجه، اتقاء أن يروا وجهه فيعرفوه، فيعلموا أنه ليس محمد صلى الله عليه وسلم. وعلى ما يبدو أنه لم يكن يتألم من وقوع الحجارة عليه، وإنما كان يتصنع التضور من وقع الحجارة، حتى يمعن في خداع الكفاز، فلم تنطلي عليهم حيلته، لذلك استنكروا ما حدث منه. فلم يشعر بوقع الحجارة عليه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبره أنه لن يخلص إليه منهم شيء يكرهه، كما قال بن هشام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي بن أبي طالب: (نم على فراشي وتسج ببردي هذا الحضرمي الاخضر، فنم فيه، فإنه لن يخلص إليك شئ تكرهه منهم). ()

أي حين كان النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، كان يرمى بالحجارة، فلم يكن يتضور ألماً من وقعها عليه، لأنها لم تكن تصيبه بأذى، مثلما حدث لعلي بن أبي طالب، وتلك آية له من آيات نبوته، يشهد عليها قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) [المائدة: ٦٧]، فعصمه الله تبارك وتعالى من أذاهم، فلم يعد يضره منهم شيء، وهذا دليل يثبت نزول الآية في مكة، وليس في المدينة.

ومن الواضح كذلك؛ أن رميهم للنبي النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتصر على ذاته الشريفة، بل كانوا يرمون بيته بالحجارة، قبل أن يسرى به ليلا مهاجراً، من مكة، إلى المدينة، ومن الواضح أن هذا كان يتسبب في الأذى لأهل بيته، خاصة قبل وفاة خديجة عليها السلام، مما تسبب لها في الأذى، فكان يصيبها من ذلك الصخب؛ أي ضجيج قرع الحجارة على بيتها، والنصب؛ أي الإعياء والعناء من الإصابة بالحجارة، فلم تكن ترتاح في بيتها، لذلك روي أنه أَتَى جبريلُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ: (بَشِّرْ خديجةَ ببيتٍ في الجنةِ من قصبٍ لا صَخَبَ فيهِ ولا نَصَبَ).() فكان الجزاء لها من جنس من العمل.
[] الراوي : رجل من الصحابة | المحدث : الألباني | المصدر : السلسلة الصحيحة الصفحة أو الرقم: 7/1612 | خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح | التخريج : أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (12/134)

ولهذا السبب؛ قد يكون اضطر النبي صلى الله عليه وسلم لهجر بيت خديجة عليها من الله السلام، فنأى بنفسه الشريفة عن بيتها، لاجئا إلى الغار سنين طوال، حتى يكف الكفار أذاهم عن بيته، وحفظا على راحة وأمن أهله، إلى أن عصمه الله تعالى من الناس بعد بعثته، فصارت عصمته ضرورة لتبليغ ما أنزل إليه من ربه، فنزل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)[المائدة: ٦٧]
فلما يئسوا منه، انصرفوا عن إيذائه حين لم يعد يضره شيئاً، فتركوه ونكلوا بأتباعه، ودخلوا معه في جدال، إلى أن قرروا اغتياله، فنجاه الله تعالى منهم.

وإن علمنا أنه كان يأوي إلى الغار قبل بعثته، فهذا يعني أنه جهر بالتوحيد في الجاهلية، وتعرض للأذى لهذا السبب، فلجأ للغار يتحنف مع صاحبه آنذاك، الذي صدقه في توحيد الله تعالى قبل بعثته، فآثبت الله تعالى ذكره في القرآن الكريم فقال: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) [الزمر: ٣٣]. مع أنه مات في الجاهلية. أي أن الله تعالى أوحى إليه بالتوحيد قبل بعثته، وحي إلهام، لا وحي تنزيل، (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)[النحل: ١٢٣] فصدقه صاحبه في الغار، بينما كذبه الناس، فكان أول من صدقه، واستحق أن يكون صديقا. وبهذا أفرد بالصديق دون سائر الصحابه، لأنه صدقه في الجاهليه حين كذبه الناس، فلم يكن معه كتاب منزل، ولا حجة ولا برهان، أما الصحابة فاتبعوه بعد بعثته ونزل القرآن الكريم حجة وبيان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[٣] ورد في الرواية: (فجاءَ أبو بكرٍ وعليٌّ نائمٌ قال: وأبو بكرٍ يحسبُ أنهُ نبيُّ اللهِ قال: فقال: يا نبيَّ اللهِ قال: فقال له عليٌّ: إنَّ نبيَّ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قد انطلقَ نحوَ بئرِ ميمونٍ فَأَدْرِكْهُ) إلى هنا يفيد النص أن أبو بكر لم يطلعه النبي صلى الله عليه وسلم على خطة الخروج من مكة، فلم يكن لديه علم بموعد الخروج. فإن صح هذا الكلام؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يأتمن أحدا على خطة هجرته غير علي فقط، ولم يستعن بأحد غيره.

ولكن ثمة تعارض في الرواية، فالنبي صلى الله عليه وسلم انطلق صوب بئر ميمون، وليس صوب الغار، ثم فجأة خرج سياق الرواية عن تسلسله، فيقول الراوي: (قال: فانطلقَ أبو بكرٍ فدخلَ معَهُ الغارَ)، فبدلا من أن يلحقه عند البئر، إذا به يدخل معه الغار. فإذا لم يكن أبو بكر على علم مسبق بخطة السفر، فمستبعد أن يعلم وصوله الغار، وقد غادر البئر. لكن واضح بجلاء أن الفقرة إلى قوله: (... نحوَ بئرِ ميمونٍ فَأَدْرِكْهُ) وضعها رافضي متعصب، يريد الإسائة لأبي بكر، والطعن في أمانته، في مقابل إظهار إئتمان النبي صلى الله عليه وسلم لعلي. ثم جاء من بعده ناصبي متعصب هو الآخر، فوضع قوله: (قال: فانطلقَ أبو بكرٍ فدخلَ معَهُ الغارَ ليضيف كذبة جديدة، تفيد صحبة أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم في الغار.

وفي واقع الأمر؛ أن الفقرة كلها موضوعة، لأن أبو بكر لم يهاجر مع النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه هاجر مع المهاجرين الأولين قبل قدومه عليه الصلاة والسلام المدينة. والشاهد ما أورده البخاري عن عبد الله بن عمر قال: "كان سالمٌ مَولى أبي حُذَيفَةَ يَؤمُّ المُهاجِرينَ الأوَّلينَ وأصحابَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في مسجدِ قُباءَ، فيهم أبو بكرٍ، وعُمَرُ، وأبو سَلَمَةَ، وزيدٌ، وعامرُ بنُ رَبيعَةَ". تثبت الرواية؛ أن أبو بكر كان يصلي مؤتماً بسالم مولى أبي حذيفة، ومعه جماعة من المهاجرين الأولين، في موضع يسمى (العُصْبَةَ) في منطقة قباء، من المدينة. بينما في رواية أخرى عن عبد الله بن عمر قال: "لمَّا قَدِمَ المهاجِرونَ الأوَّلونَ العُصْبَةَ، موضِعٌ بِقُبَاءٍ، قَبْلَ مَقْدِمِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، كانَ يؤُمُّهُم سالمٌ، مولَى أبي حذيفَةَ، وكانَ أكثرَهُم قرآنًا". وبالجمع بين الروايتين يتبين لنا أن إمامة سالم بأبي بكر كانت قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي أن أبو بكر قدم المدينة قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم. ولو أن أبو بكر هاجر في صحبة النبي صلى الله عليه وسلم، فكان صاحبه في الغار، ما وقف يصلي مع المهاجرين الأولين في المدينة، فمستبعد أن يجتمع في مكانان، في وقت واحد. أضف إلى هذا أن سالم كان أكثرهم قرآناً، أي أحفظهم لكتاب الله تعالى، فلو كان أبو بكر أول من أسلم، لكان أكثرهم حفظاً للقرآن، ولو كان من الصديقين لكان أحق بالإمامة من غيره.
[] الراوي : عبدالله بن عمر | المحدث : البخاري | المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 7175 | خلاصة حكم المحدث : [صحيح] |
[] الراوي : عبدالله بن عمر | المحدث : البخاري | المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 692 | خلاصة حكم المحدث : [صحيح] |

ومن المستبعد كذلك؛ إمامة سالم الصحابة في مسجد قباء بعد وصول النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وهو إمام الأمة. فقوله (يَؤمُّ) يفيد أن سالم كان يداوم على إمامتهم في جميع الصلوات، وما كان لكبار الصحابة أن يتخلفوا عن الصلاة خلف النبي صلى الله عليه وسلم، ليصلوا خلف غيره، مما يجزم أن إمامته لهم كانت قبل وصوله صلى الله عليه وسلم المدينة. وهذا ما تؤكده الرواية الثانية، حيث يصرح فيها عبد الله بن عمر بأنه (قَبْلَ مَقْدِمِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، كانَ يؤُمُّهُم سالمٌ). وبكل بد مسجد قباء لم يكن قد بني بعد، فربما قصد الراوي من قوله (في مسجدِ قُباءَ) أنهم كانوا يصلون في موضع مسجد قباء قبل بناءه. والله أعلم.

وهذا ما يؤكد أن قول الراوي: (فجاءَ أبو بكرٍ وعليٌّ نائمٌ قال: وأبو بكرٍ يحسبُ أنهُ نبيُّ اللهِ قال: فقال: يا نبيَّ اللهِ قال: فقال له عليٌّ: إنَّ نبيَّ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قد انطلقَ نحوَ بئرِ ميمونٍ فَأَدْرِكْهُ)، كلام كذب، وموضوع، لا يصح، فيسقط الاستشهاد بهذه الرواية على صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة، وإقامته معه في الغار.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[٤] ورد في الروايةقوله صلى الله عليه وسلم: (سُدُّوا أبوابَ المسجدِ غيرَ بابِ عليٍّ) فقالَ: فيدخلُ المسجدَ جُنُبًا وهو طريقُهُ ليسَ لهُ طريقٌ غيرهُ. فيرد ما ورد في رواية عن عبدالله بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أبو بَكرٍ صاحبي ومؤنِسي في الغارِ، سُدُّوا كلَّ خَوخَةٍ في هذا المسجدِ إلَّا خَوخةَ أبي بَكرٍ). () فالصواب أنها خوخة علي، وليس آبي بكر فهي تحريف لكلام النبي صلى الله عليه وسلم.
[] الراوي : عبدالله بن عباس | المحدث : أبو نعيم | المصدر : حلية الأولياء الصفحة أو الرقم: 5/29 | خلاصة حكم المحدث : ثابت من حديث يعلى بن حكيم عن سعيد عن ابن عباس وحديث طلحة غريب تفرد به إسماعيل عن مالك التخريج : أخرجه عبدالله بن أحمد كما في ((مجمع الزوائد)) للهيثمي (9/45)، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (4/303).

ويجب أن نلاحظ الاختلاف بين الروايتين، فرواية تقول (خَوخةَ أبي بَكرٍ)، وهي كوة في البيت تؤدي إليه الضوء، ورواية تقول: (بابِ عليٍّ)، وهو مدخل البيت، يدخل منه أهله ويخرجون. يوخذ من هذا أن عليا كان لبيته باب مطل على المسجد، وأنه لم يكن الباب الوحيد، بل يفهم من قوله (سُدُّوا أبوابَ المسجدِ) أنه أمر بسد أبواب المسجد، وليس بسد أبواب البيوت المطلة عليه، إلا باب المسجد المطل على بيت علي. أما في الرواية الأخرى ففيها (سُدُّوا كلَّ خَوخَةٍ في هذا المسجدِ) نفهم من هذا أن المسجد كان له جدران، فيه خوخات، أو فتحات مطلة على البيوت حوله، فأمر بسدها جميعا فيما عدا خوخة المسجد المطلة على بيت أبو بكر.

وفي لسان العرب: (الخَوْخَةُ: واحدة الخَوخِ. والخَوْخَةُ كُوَّة في البيت تؤَدِّي إليه الضوء. والخَوْخة مُخْتَرَقُ ما بين كل دارين لم ينصب عليها باب، بلغة أَهل الحجاز، وعم به بعضهم فقال: هي مُخْتَرَقُ ما بين كل شيئين؛ وفي الحديث: لا تَبْقى خَوخةٌ في المسجد إِلاْ سُدَّتْ غير خَوخةِ أَبي بكر الصديق، رضي الله عنه؛ وفي حديث آخر: إلاَّ خَوْخةَ عليّ، رضوان الله عليه، هي باب صغير كالنافذة الكبيرة تكون بين بيتين ينصب عليها باب. قال الليث: وناس يسمون هذه الأَبواب التي تسميها العجم بنحرقات خَوْخاتٍ).

فإذا كانت "الخَوْخَةُ كُوَّة في البيت تؤَدِّي إليه الضوء ... وهي باب صغير كالنافذة الكبيرة"، فهذا يعني أن المسجد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كان له خوخات، أي نوافذ صغيرة كثيرة العدد، ينفذ الضوء منها إلى المسجد. والحقيقة أن المسجد على سعته يلزمه نوافذ كبيرة، تسمح بنفاذ أكبر كمية من الضوء لإضائته، فلا تكفي مساحته الكبيرة مجرد خوخات صغيرة لا تصلح إلا لبيوت وغرف صغيرة، إن سدت كما في النص، حجبت منافذ الضوء عن المسجد فصار معتما. فليس في النص حكمة ظاهرة، ولا باطنة من سد منافذ الضوء على المصلين. حتى بقاء الخوخة المطلة على بيت أبي بكر على صغر حجمها لن تسمح إلا بقدر ضئيل من الضوء بالدخول، لا يتناسب مع مساحة المسجد. فهذه الرواية لا تصح، فالكذب فيه مكشوف.

وتذكر الروايات أنه لم يكن للمسجد النبوي إلا بابين فقط، هما باب النبي صلى الله عليه وسلم: وسمي كذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل منه، ويقع في الجهة الشرقية من المسجد. وباب عاتكة: وسمي كذلك نسبة لعاتكة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية، لكونه كان مطلاً على باب بيتها. ولم يكن ثمة باب ثالث بالمعنى المتعارف عليه، وإنما كانت الجهة الشمالية من المسجد مفتوحة للتوسعات، بينما لاجهة الجنوبية كانت فيها القبلة. وعليه فالرواية التي تقول (سُدُّوا أبوابَ المسجدِ غيرَ بابِ عليٍّ) لا تصح، فهي توحي بوجود أبواب كثيرة للمسجد، على الأقل ثلاثة أبواب، بينما لم يكن حينها إلا بابين فقط. حتى إن سدت الأبواب، فلا توجد إشارة لمكان الباب المطل على بيت علي، ومستبعد أن يكون هذا الباب أحد البابين المذكورين كتب التاريخ، ومستبعد أن يكون من جهة الشمال، لأنها كما ذكرنا مفتوحة للتوسعات. فهذه الرواية أيضا مكذوبة، لا تصح.

فلم يكن لأبي بكر بيتا مطلاً على المسجد حين وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لا مانع أن كان له عدة بيوت، فكان أحدها بالسَّنحِ. لكن من قال بهذا من المؤرخين، وكتاب السيرة، فزعمهم مبني على أساس استنباطهم من هذه الرواية المكذوبة أن كان لأبي بكر بيت مطل على المسجد. لكن لا متن الرواية يصح، ولا استبنباطهم عليه مبني على دليل صحيح.

ومن الواضح أن خطبة النبي صلى الله عليه وسلم كانت يوم الجمعة الأخيرة، قبل وفاته بخمس ليالي، فعن جندب قال: سمِعْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قبْلَ أنْ يُتوفَّى بخمسِ ليالٍ خطَب النَّاسَ فقال: (أيُّها النَّاسُ إنَّه قد كان فيكم إخوةٌ وأصدقاءُ، وإنِّي أبرَأُ إلى اللهِ أنْ أتَّخِذَ منكم خليلًا، ولو أنِّي اتَّخَذْتُ مِن أمَّتي خليلًا، لَاتَّخَذْتُ أبا بكرٍ خليلًا، إنَّ اللهَ اتَّخَذني خليلًا، كما اتَّخَذ إبراهيمَ خليلًا، وإنَّ مَن كان قبْلَكم اتَّخَذوا قبورَ أنبيائِهم وصالحيهم مساجدَ، فلا تتَّخِذوا قبورَهم مساجدَ، فإنِّي أنهاكم عن ذلك). () فلم يكن يتخذ له بيتا على باب المسجد خلال خمسة أيام.
[] الراوي : جندب | المحدث : شعيب الأرناؤوط | المصدر : تخريج صحيح ابن حبان الصفحة أو الرقم: 6425 | خلاصة حكم المحدث : صحيح.

في واقع الأمر أنه حين وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، أقبل أبو بكر من مسكنه بالسَّنحِ حتى نزل المسجد، كما ورد في الخبر أنَّ عائشةَ رضي اللهُ عنها، زوجَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أخبَرَتْه قالتْ : أقبَل أبو بكرٍ رضي اللهُ عنه على فرسِه من مَسكَنِه بالسَّنحِ، حتى نزَل فدخَل المسجِدَ، فلم يكلِّمِ الناسَ، حتى دخَل على عائشةَ رضي اللهُ عنها، فتيمَّم النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو مُسَجًّى ببُردٍ حِبَرَةٍ، فكشَف عن وجهِه، ثم أكَبَّ عليه فقبَّلَه، ثم بَكى فقال: بأبي أنت يا نبيَّ اللهِ، لا يَجمَعُ اللهُ عليك مَوتتَينِ، أما الموتةُ التي كُتِبَتْ عليك فقد مِتَّها. ()
[] الراوي : عائشة أم المؤمنين | المحدث : البخاري | المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 1241 | خلاصة حكم المحدث : [صحيح]

وعلى ما تقدم ذكره مفصلاً؛ فكلا الروايتين لا تصحان عقلاً، والكذب والتحريف فيهما واضح جلي لا يخفى على ذي بصيرة. ومع تقرير الوضع في الرواية، إلا أنه ثمة ملاحظة جديرة بالاهتمام؛ من الواضح وجود أكثر من راوي أضاف كلا منهما ما يوافق مذهبه في الرواية، فنجد الرافضي تشيع لعلي فوضع (سُدُّوا أبوابَ المسجدِ غيرَ بابِ عليٍّ)، ثم جاء الناصبي فانتصر لأبي بكر فوضع (قال: فانطلقَ أبو بكرٍ فدخلَ معَهُ الغارَ)، وهذا نموذج لتلاعب المتعصبين، وأصحاب المذاهب بديننا، كل يحذف ويضيف كما يحلو له، ونحن بدلا من أن نعمل عقولنا في فهم النصوص، فبدلا من أن ننتصر للحق فنكشف تحريفها، صرنا ننتصر لكل مذهب انتصارا أعمى، والحقيقة أن كل المذاهب لا تخلو من وجود الباطل، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


untitled-1897878783.png (1235×227)


  #58  
قديم 08-09-2018, 06:05 AM
المدير
 Egypt
 Male
 
تاريخ التسجيل: 16-12-2013
الدولة: القاهرة
العمر: 51
المشاركات: 6,790
معدل تقييم المستوى: 10
جند الله تم تعطيل التقييم
افتراضي

زيد بن عمرو بن نفيل

رضي الله عنه

هو زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي القرشي العدوي وكان الخطاب - والد عمر بن الخطاب - عمه وأخاه لأمه ، وذلك لأن عمرو بن نفيل كان قد خلف على امرأة أبيه بعد أبيه وكان لها من نفيل أخوه الخطاب قاله الزبير بن بكار ومحمد بن إسحاق : وكان زيد بن عمرو قد ترك عبادة الأوثان ، وفارق دينهم وكان لا يأكل إلا ما ذبح على اسم الله وحده قال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر قالت لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل مسندا ظهره إلى الكعبة يقول : يا معشر قريش والذي نفس زيد بيده ما أصبح أحد منكم على دين إبراهيم غيري ، ثم يقول : اللهم إني لو أعلم أحب الوجوه إليك عبدتك به ، ولكني لا أعلم ، ثم يسجد على راحلتهوكذا رواه أبو أسامة عن هشام به ، وزاد وكان يصلي إلى الكعبة ، ويقول : إلهي إله إبراهيم ، وديني دين إبراهيم ، [ ص: 317 ] وكان يحيي الموءودة ، ويقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته : لا تقتلها ادفعها إلي أكفلها فإذا ترعرعت قال : إن شئت فخذها ، وإن شئت فادفعها أخرجه النسائي من طريق أبي أسامة ، وعلقه البخاري فقال : وقال الليث : كتب إلى هشام بن عروة عن أبيه به .

وقال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق : وقد كان نفر من قريش; زيد بن عمرو بن نفيل ، وورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ، وعثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى ، وعبيد الله بن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة ، وأمه أميمة بنت عبد المطلب ، وأخته زينب بنت جحش - التي تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد مولاه زيد بن حارثة كما سيأتي بيانه - حضروا قريشا عند ، وثن لهم كانوا يذبحون عنده لعيد من أعيادهم فلما اجتمعوا خلا بعض أولئك النفر إلى بعض ، وقالوا : تصادقوا ، وليكتم بعضكم على بعض فقال قائلهم : تعلمن والله ما قومكم على شيء ، لقد أخطئوا دين إبراهيم وخالفوه ما وثن يعبد لا يضر ولا ينفع؟! فابتغوا لأنفسكم . فخرجوا يطلبون ، ويسيرون في الأرض يلتمسون أهل كتاب من اليهود والنصارى والملل كلها ، [ ص: 318 ] يسألونهم الحنيفية دين إبراهيم .

فأما ورقة بن نوفل فتنصر ، واستحكم في النصرانية ، وابتغى الكتب من أهلها حتى علم علما كثيرا من أهل الكتاب ، ولم يكن فيهم أعدل أمرا ، وأعدل شأنا من زيد بن عمرو بن نفيل اعتزل الأوثان ، وفارق الأديان من اليهود والنصارى والملل كلها ، إلا دين الحنيفية دين إبراهيم يوحد الله ، ويخلع من دونه ولا يأكل ذبائح قومه باداهم بالفراق لما هم فيه . قال : وكان الخطاب قد آذاه أذى كثيرا حتى خرج منه إلى أعلى مكة ، ووكل به الخطاب شبابا من قريش ، وسفهاء من سفهائهم فقال : لا تتركوه يدخل مكة فكان لا يدخلها إلا سرا منهم فإذا علموا به أخرجوه ، وآذوه كراهية أن يفسد عليهم دينهم أو يتابعه أحد إلى ما هو عليه .

وقال موسى بن عقبة سمعت من أرضى يحدث عن زيد بن عمرو بن نفيل كان يعيب على قريش ذبائحهم ، ويقول : الشاة خلقها الله ، وأنزل لها من السماء ماء ، وأنبت لها من الأرض لم تذبحوها على غير اسم الله ؟ إنكارا لذلك وإعظاما له . وقال يونس عن ابن إسحاق وقد كان زيد بن عمرو بن نفيل قد عزم على الخروج من مكة يضرب في الأرض يطلب الحنيفية دين إبراهيم ، وكانت امرأته صفية بنت الحضرمي كلما أبصرته قد نهض للخروج ، وأراده آذنت الخطاب بن نفيل فخرج زيد إلى الشام [ ص: 319 ] يلتمس ويطلب في أهل الكتاب الأول دين إبراهيم ، ويسأل عنه ، ولم يزل في ذلك ، - فيما يزعمون - حتى أتى الموصل والجزيرة كلها ، ثم أقبل حتى أتى الشام فجال فيها حتى أتى راهبا ببيعة من أرض البلقاء كان ينتهي إليه علم النصرانية ، - فيما يزعمون - فسأله عن الحنيفية دين إبراهيم فقال له الراهب : إنك لتسأل عن دين ما أنت بواجد من يحملك عليه اليوم لقد درس من علمه ، وذهب من كان يعرفه ، ولكنه قد أظلك خروج نبي . وهذا زمانه وقد كان شام اليهودية والنصرانية فلم يرض شيئا منها فخرج سريعا حين قال له الراهب ما قال يريد مكة حتى إذا كان بأرض لخم عدوا عليه فقتلوه . فقال ورقة يرثيه :


رشدت وأنعمت ابن عمرو ، وإنما تجنبت تنورا من النار حاميا بدينك ربا ليس رب كمثله
وتركك أوثان الطواغي كما هيا وقد تدرك الإنسان رحمة ربه
ولو كان تحت الأرض ستين واديا
وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة : حدثنا أحمد بن طارق الوابشي ثنا عمرو بن عطية عن أبيه عن ابن عمر عن زيد بن عمرو بن نفيل أنه كان يتأله في الجاهلية فانطلق حتى أتى رجلا من اليهود فقال له : أحب أن تدخلني معك في دينك فقال له اليهودي : لا أدخلك في ديني حتى تبوء بنصيبك من غضب الله فقال : من غضب الله أفر . فانطلق حتى أتى نصرانيا فقال له : أحب أن تدخلني معك في دينك فقال : لست أدخلك [ ص: 320 ] في ديني حتى تبوء بنصيبك من الضلالة . فقال : من الضلالة أفر . قال له النصراني : فإني أدلك على دين إن اتبعته اهتديت قال : أي دين ؟ قال : دين إبراهيم . قال : فقال : اللهم إني أشهدك أني على دين إبراهيم عليه أحيا وعليه أموت . قال : فذكر شأنه للنبي صلى الله عليه وسلم فقال هو أمة وحده يوم القيامة .

وقد روى موسى بن عقبة عن سالم عن ابن عمر نحو هذا ، وقال محمد بن سعد : حدثنا علي بن محمد بن عبد الله بن سيف القرشي عن إسماعيل بن مجالد عن مجالد عن الشعبي عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب قال : قال زيد بن عمرو بن نفيل : شاممت اليهودية والنصرانية فكرهتهما فكنت بالشام وما والاه حتى أتيت راهبا في صومعة فذكرت له اغترابي عن قومي ، وكراهتي عبادة الأوثان واليهودية والنصرانية ، فقال لي : أراك تريد دين إبراهيم يا أخا أهل مكة إنك لتطلب دينا ما يوجد اليوم أحد يدين به ، وهو دين أبيك إبراهيم كان حنيفا لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ، كان يصلي ويسجد إلى هذا البيت الذي ببلادك ، [ ص: 321 ] فالحق ببلدك فإن الله يبعث من قومك في بلدك من يأتي بدين إبراهيم الحنيفية وهو أكرم الخلق على الله .

وقال يونس عن ابن إسحاق حدثني بعض آل زيد بن عمرو بن نفيل : إن زيدا كان إذا دخل الكعبة قال : لبيك حقا حقا تعبدا ورقا ، عذت بما عاذ به إبراهيم وهو قائم إذ قال :
أنفي لك اللهم عان راغم مهما تجشمني فإني جاشم
البر أبغي لا الخال ليس مهجر كمن قال
وقال أبو داود الطيالسي : حدثنا المسعودي عن نفيل بن هشام بن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي عن أبيه عن جده أن زيد بن عمرو ، وورقة بن نوفل خرجا يلتمسان الدين حتى انتهيا إلى راهب بالموصل فقال لزيد بن عمرو : من أين أقبلت يا صاحب البعير ؟ فقال : من بنية إبراهيم فقال : وما تلتمس ؟ قال : ألتمس الدين قال : ارجع فإنه يوشك أن يظهر في أرضك . قال : فأما ورقة فتنصر ، وأما أنا فعزمت على النصرانية فلم يوافقني فرجع وهو يقول :

[ ص: 322 ]
لبيك حقا حقا تعبدا ورقا
البر أبغي لا حلال فهل مهجر كمن قال
آمنت بما آمن به إبراهيم وهو يقول
أنفي لك اللهم عان راغم مهما تجشمني فإني جاشم
ثم يخر فيسجد . قال : وجاء ابنه - يعني سعيد بن زيد أحد العشرة رضي الله عنه - فقال : يا رسول الله إن أبي كما رأيت وكما بلغك فاستغفر له . قال نعم فإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده قال : وأتى زيد بن عمرو بن زيد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه زيد بن حارثة ، وهما يأكلان من سفرة لهما فدعواه لطعامهما فقال زيد بن عمرو : يا ابن أخي أنا لا آكل مما ذبح على النصب .

وقال محمد بن سعد : حدثنا محمد بن عمر حدثني أبو بكر ابن أبي سبرة عن موسى بن ميسرة عن ابن أبي مليكة عن حجير بن أبي إهاب قال : رأيت زيد بن عمرو ، وأنا عند صنم بوانة بعدما رجع من الشام وهو يراقب الشمس فإذا زالت استقبل الكعبة فصلى ركعة سجدتين ، ثم يقول : هذه قبلة إبراهيم وإسماعيل ، لا أعبد حجرا ولا أصلي [ ص: 323 ] له ولا آكل ما ذبح له ولا أستقسم بالأزلام ، وإنما أصلي إلى هذا البيت حتى أموت وكان يحج فيقف بعرفة وكان يلبي فيقول : لبيك لا شريك لك ولا ند لك ، ثم يدفع من عرفة ماشيا وهو يقول : لبيك متعبدا مرقوقا .

وقال الواقدي : حدثني علي بن عيسى الحكمي عن أبيه عن عامر بن ربيعة قال : سمعت زيد بن عمرو بن نفيل يقول : أنا أنتظر نبيا من ولد إسماعيل ، ثم من بني عبد المطلب ولا أراني أدركه وأنا أؤمن به وأصدقه وأشهد أنه نبي فإن طالت بك مدة فرأيته فأقرئه مني السلام ، وسأخبرك ما نعته حتى لا يخفى عليك . قلت : هلم قال : هو رجل ليس بالطويل ولا بالقصير ولا بكثير الشعر ولا بقليله ، وليست تفارق عينه حمرة ، وخاتم النبوة بين كتفيه ، واسمه أحمد . وهذا البلد مولده ومبعثه ثم يخرجه قومه منها ، ويكرهون ما جاء به حتى يهاجر إلى يثرب فيظهر أمره فإياك أن تخدع عنه فإني طفت البلاد كلها أطلب دين إبراهيم فكان من أسأل من اليهود والنصارى والمجوس ، يقولون : هذا الدين وراءك ، وينعتونه مثل ما نعته لك ، ويقولون : لم يبق نبي غيره . قال عامر بن ربيعة : فلما أسلمت أخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم قول زيد بن عمرو ، وأقرأته منه السلام فرد عليه السلام وترحم عليه ، وقال : قد رأيته في الجنة يسحب ذيولا .

[ ص: 324 ] وقال البخاري في صحيحه : ذكر زيد بن عمرو بن نفيل حدثنا محمد بن أبي بكر ، حدثنا فضيل بن سليمان حدثنا موسى بن عقبة حدثني سالم عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح قبل أن ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي فقدمت إلى النبي صلى الله عليه وسلم سفرة فأبى أن يأكل منها ، ثم قال زيد : إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه وإن زيد بن عمرو كان يعيب على قريش ذبائحهم ، ويقول : الشاة خلقها الله ، وأنزل لها من السماء ماء ، وأنبت لها من الأرض ، ثم يذبحونها على غير اسم الله إنكارا لذلك ، وإعظاما له .

قال موسى بن عقبة ، وحدثني سالم بن عبد الله - ولا أعلمه إلا يحدث به عن ابن عمر - أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين ، ويتبعه فلقي عالما من اليهود فسأله عن دينهم فقال : إني لعلي أن أدين دينكم فأخبرني فقال : إنك لا تكون على ديننا حتى تأخذ نصيبك من غضب الله قال زيد : وما أفر إلا من غضب الله تعالى ولا أحمل من غضب الله شيئا ولا أستطيعه فهل تدلني على غيره ؟ قال : ما أعلمه إلا أن تكون حنيفا قال زيد : وما الحنيف ؟ قال : دين إبراهيم عليه السلام لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولا يعبد إلا الله فخرج زيد فلقي عالما من النصارى ، [ ص: 325 ] فذكر مثله; فقال : لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله . قال : ما أعلمه إلا أن تكون حنيفا قال : وما الحنيف ؟ قال : دين إبراهيم . لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولا يعبد إلا الله فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم خرج فلما برز رفع يديه فقال : اللهم إني أشهدك أني على دين إبراهيم قال : وقال الليث : كتب إلي هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر قالت : رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائما ، مسندا ظهره إلى الكعبة يقول : يا معشر قريش والله ما منكم على دين إبراهيم غيري وكان يحيي الموءودة يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته : لا تقتلها أنا أكفيك مؤنتها فيأخذها فإذا ترعرعت قال لأبيها : إن شئت دفعتها إليك ، وإن شئت كفيتك مؤنتها انتهى ما ذكره البخاري .

وهذا الحديث الأخير قد أسنده الحافظ ابن عساكر من طريق أبي بكر بن أبي داود عن عيسى بن حماد عن الليث عن هشام عن أبيه عن أسماء فذكر نحوه ، وقال عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء قالت : سمعت زيد بن عمرو بن نفيل وهو مسند ظهره إلى الكعبة يقول : يا معشر قريش إياكم والزنا فإنه يورث الفقر .

وقد ساق ابن عساكر هاهنا أحاديث غريبة جدا ، وفي بعضها نكارة [ ص: 326 ] شديدة ، ثم أورد من طرق متعددة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : يبعث يوم القيامة أمة وحده فمن ذلك ما رواه محمد بن عثمان بن أبي شيبة حدثنا يوسف بن يعقوب الصفار حدثنا يحيى بن سعيد الأموي عن مجالد عن الشعبي عن جابر قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زيد بن عمرو بن نفيل أنه كان يستقبل القبلة في الجاهلية ، ويقول : إلهي إله إبراهيم ، وديني دين إبراهيم ، ويسجد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يحشر ذاك أمة وحده بيني وبين عيسى ابن مريم إسناده جيد حسن .

وقال الواقدي : حدثني موسى بن شيبة عن خارجة بن عبد الله بن كعب بن مالك قال : سمعت سعيد بن المسيب يذكر زيد بن عمرو بن نفيل فقال : توفي ، وقريش تبني الكعبة قبل أن ينزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس سنين ، ولقد نزل به ، وإنه ليقول : أنا على دين إبراهيم فأسلم ابنه سعيد بن زيد ، واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأتى عمر بن الخطاب ، وسعيد بن زيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه عن زيد بن عمرو بن نفيل فقال : غفر الله له ورحمه; فإنه مات على دين إبراهيم . قال : فكان المسلمون بعد ذلك اليوم ، لا يذكره ذاكر منهم إلا ترحم عليه ، واستغفر له ، ثم يقول سعيد بن المسيب رحمه الله وغفر له .

وقال محمد بن سعد عن الواقدي حدثني زكريا بن يحيى السعدي [ ص: 327 ] عن أبيه قال : مات زيد بن عمرو بن نفيل بمكة ، ودفن بأصل حراء . وقد تقدم أنه مات بأرض البلقاء من الشام لما عدا عليه قوم من بني لخم فقتلوه بمكان يقال له : ميفعة . والله أعلم .

وقال الباغندي عن أبي سعيد الأشج عن أبي معاوية عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دخلت الجنة فرأيت لزيد بن عمرو بن نفيل دوحتين . وهذا إسناد جيد ، وليس هو في شيء من الكتب .

ومن شعر زيد بن عمرو بن نفيل رحمه الله ما قدمناه في بدء الخلق من تلك القصيدة

إلى الله أهدي مدحتي وثنائيا وقولا رضيا لا يني الدهر باقيا إلى الملك الأعلى الذي ليس فوقه إله ولا رب يكون مدانيا وقد قيل : إنها لأمية بن أبي الصلت . والله أعلم . ومن شعره في التوحيد ، ما حكاه محمد بن إسحاق والزبير بن بكار وغيرهما :

وأسلمت وجهي لمن أسلمت له الأرض تحمل صخرا ثقالا [ ص: 328 ] دحاها فلما استوت شدها سواء وأرسى عليها الجبالا وأسلمت وجهي لمن أسلمت له المزن تحمل عذبا زلالا إذا هي سيقت إلى بلدة أطاعت فصبت عليها سجالا وأسلمت وجهي لمن أسلمت له الريح تصرف حالا فحالا وقال محمد بن إسحاق : حدثني هشام بن عروة قال : روى أبي أن زيد بن عمرو قال

أربا واحدا أم ألف رب أدين إذا تقسمت الأمور عزلت اللات والعزى جميعا كذلك يفعل الجلد الصبور فلا العزى أدين ولا ابنتيها ولا صنمي بني عمرو أزور ولا هبلا أدين وكان ربا لنا في الدهر إذ حلمي يسير عجبت وفي الليالي معجبات وفي الأيام يعرفها البصير بأن الله قد أفنى رجالا كثيرا كان شأنهم الفجور وأبقى آخرين ببر قوم فيربل منهم الطفل الصغير [ ص: 329 ] وبينا المرء يعثر ثاب يوما كما يتروح الغصن المطير ولكن أعبد الرحمن ربي ليغفر ذنبي الرب الغفور فتقوى الله ربكم احفظوها متى ما تحفظوها لا تبوروا ترى الأبرار دارهم جنان وللكفار حامية سعير وخزي في الحياة وإن يموتوا يلاقوا ما تضيق به الصدور هذا تمام ما ذكره محمد بن إسحاق من هذه القصيدة

وقد رواه أبو القاسم البغوي عن مصعب بن عبد الله عن الضحاك بن عثمان عن عبد الرحمن بن أبي الزناد قال : قال هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر قالت : قال زيد بن عمرو بن نفيل :
عزلت الجن والجنان عني كذلك يفعل الجلد الصبور
فلا العزى أدين ولا ابنتيها ولا صنمي بني طسم أدير
ولا غنما أدين وكان ربا لنا في الدهر إذ حلمي صغير أربا واحدا أم ألف رب
أدين إذا تقسمت الأمور [ ص: 330 ] ألم تعلم بأن الله أفنى رجالا
كان شأنهم الفجور وأبقى آخرين ببر قوم
فيربو منهم الطفل الصغير وبينا المرء يعثر ثاب يوما
كما يتروح الغصن النضير
قالت : فقال ورقة بن نوفل : :


رشدت وأنعمت ابن عمرو وإنما تجنبت تنورا من النار حاميا
لدينك ربا ليس رب كمثله وتركك جنان الجبال كما هيا
أقول إذا أهبطت أرضا مخوفة حنانيك لا تظهر على الأعاديا
حنانيك إن الجن كانت رجاءهم وأنت إلهي ربنا ورجائيا
لتدركن المرء رحمة ربه وإن كان تحت الأرض سبعين واديا
أدين لرب يستجيب ولا أرى أدين لمن لا يسمع الدهر داعيا
أقول إذا صليت في كل بيعة تباركت قد أكثرت باسمك داعيا
تقدم أن زيد بن عمرو بن نفيل ، خرج إلى الشام هو وورقة بن نوفل ، وعثمان بن الحويرث ، وعبيد الله بن جحش فتنصروا إلا زيدا فإنه لم يدخل في شيء من الأديان ، بل بقي على فطرته; من عبادة الله وحده [ ص: 331 ] لا شريك له متبعا ما أمكنه من دين إبراهيم على ما ذكرناه ، وأما ورقة بن نوفل فسيأتي خبره في أول المبعث ، وأما عثمان بن الحويرث فأقام بالشام حتى مات فيها عند قيصر ، وله خبر عجيب ذكره الأموي ، ومختصره أنه لما قدم على قيصر فشكى إليه ما لقي من قومه كتب له إلى ابن جفنة ملك عرب الشام ليجهز معه جيشا لحرب قريش فعزم على ذلك فكتبت إليه الأعراب تنهاه عن ذلك لما رأوا من عظمة مكة ، وكيف فعل الله بأصحاب الفيل فكساه ابن جفنة قميصا مصبوغا مسموما فمات من سمه فرثاه زيد بن عمرو بن نفيل بشعر ، ذكره الأموي تركناه اختصارا . وكانت وفاته قبل المبعث بثلاث سنين أو نحوها والله سبحانه وتعالى أعلم .

untitled-1897878783.png (1235×227)


  #59  
قديم 08-11-2018, 09:14 PM
المدير
 Egypt
 Male
 
تاريخ التسجيل: 16-12-2013
الدولة: القاهرة
العمر: 51
المشاركات: 6,790
معدل تقييم المستوى: 10
جند الله تم تعطيل التقييم
افتراضي

باب عاتكة (باب السوق) (وباب الرحمة)
السابع عشر: باب عاتكة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية، كان يقابل دار عاتكة المذكورة، ثم صارت هذه الدار ليحيى بن خالد البرمكي والد جعفر، ودخلت في دار جعفر المتقدم ذكرها، وتوهم الزين المراغي من نسبتها لجعفر بن يحيى ومن كون أطم حسان دخل في دار جعفر بن يحيى أنها محل أطمه، وليس كذلك لما قدمناه، وفي موضعها اليوم دار من أوقاف الخدام في قبلة المدرسة الكلبرجية تواجه يمين الخارج من باب المسجد المذكور، وقد استبدلها الشيخ الزيني بن مزهر بإزالة ديوان الإنشاآت وما غربيها من الدور، واتخذ ذلك مدرسة ورباطا وأروقة على يد صاحبنا العلامة الشيخ نور الدين المحلي نفع الله به، ويعرف هذا الباب قديما أيضا بباب السوق، كما يؤخذ مما سيأتي في باب زياد، لأن سوق المدينة كانت في المغرب في جهته.

ويعرف قديما أيضا بباب الرحمة؛ فإن يحيى ذكر في بناء النبي صلّى الله عليه وسلّم لمسجده أنه صلّى الله عليه وسلّم جعل له ثلاثة أبواب: باب في مؤخره، وباب عاتكة الذي يدعى باب عاتكة ويقال باب الرحمة، هذا لفظه. وأطبق على وصفه بذلك من بعده من المؤرخين، حتى صار في زماننا هو الأغلب عليه، ومع ذلك فلم أر في كلام أحد بيان السبب في تسميته بذلك، وسألت عنه من لقيته من المشايخ فلم أجد عند أحد منهم علما من ذلك، ثم ظهر لي معناه بحمد الله تعالى، وذلك أن البخاري روى في صحيحه عن أنس بن مالك أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان نحو دار القضاء ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم قائم يخطب، فاستقبل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قائما، ثم قال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغثنا، فرفع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يديه ثم قال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، ولما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، فلا والله ما رأينا الشمس سبعا، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة- يعني الثانية- ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم قائم يخطب- الحديث- بطوله، وسنبين في باب زياد- وهو الذي يلي هذا- أن دار القضاء كان محلها بين باب الرحمة وباب السلام، وقد تقرر أنه لم يكن للمسجد في زمنه صلّى الله عليه وسلّم في هذه الجهة إلا الباب المعروف بباب الرحمة؛ فظهر أن هذا الرجل الطالب لإرسال المطر وهو رحمة إنما دخل منه، وقد أنتج سؤاله حصول الرحمة، وأنشأ الله السحاب الذي كان سببا فيها من قبله أيضا؛ لأن سلعا في غربي المسجد، فسمي والله أعلم بباب الرحمة لذلك، لكن في رواية البخاري عن أنس أيضا أن رجلا دخل يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر، ومقتضاها أنه دخل من الباب الذي كان في شامي المسجد؛ لقرب إطلاق مواجهته للمنبر عليه، لكن ذلك الباب ليس نحو دار القضاء، فليجمع بين الروايتين بأن الواقعة متعددة كما اقتضاه كلام بعضهم، أو بأنه وقع التجوز في إطلاق كون ذلك الباب وجاه المنبر، أو بأن باب الرحمة كان كما قدمناه في آخر جهة المغرب مما يلي الشام، فجاء ذلك الداخل من جهته ودخل منه، ثم رأى أن قيامه بين يدي النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو على المنبر لا يتم له إلا بتخطي الصفوف، فعرج إلى الباب الآخر المواجه للمنبر، لغلب إطلاق باب الرحمة على الباب الذي في جهة مجيئه؛ لاعتضاده بما تقدم من مجيء السحاب من قبله، والله أعلم.
(وفاء الوفاء) [صفحة: 2/ 220].


الرسول ينشئ السوق
روى عمر بن شبة عن عطاء بن يسار قال: لما أراد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يجعل للمدينة سوقا أتى سوق بني قينقاع، ثم جاء سوق المدينة فضربه برجله وقال: هذا سوقكم؛ فلا يضيق، ولا يؤخذ فيه خراج.
وروى ابن زبالة عن يزيد بن عبيد الله بن قسيط أن السوق كانت في بني قينقاع حتى حول السوق بعد ذلك.


قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّـهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّـهِ وَاذْكُرُوا اللَّـهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّـهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّـهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّـهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) [الجمعة: ٩؛ ١١].


بينَما النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ يخطبُ يومَ الجمعةِ قائمًا إذ قدِمَت عيرُ المدينةِ فابتدرَها أصحابُ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ حتَّى لم يبقَ منهم إلَّا اثنا عَشرَ رجلًا فيهم أبو بَكْرٍ، وعمر، ونزلت هذِهِ الآيةُ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا
الراوي : جابر بن عبدالله | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح الترمذي
الصفحة أو الرقم: 3311 | خلاصة حكم المحدث : صحيح | انظر شرح الحديث رقم 8044
التخريج : أخرجه البخاري (936)، ومسلم (863) مختصراً، والترمذي (3311) واللفظ له.




بَيْنا النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يخطُبُ يومَ الجُمعةِ وقدِمَتْ عِيرٌ المدينةَ فابتدَرها أصحابُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى لم يَبْقَ معه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلَّا اثنا عشَرَ رجُلًا فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( والَّذي نفسي بيدِه لو تتابَعْتُم حتَّى لا يبقى منكم أحَدٌ لسال لكم الوادي نارًا ) فنزَلَتْ هذه الآيةُ : {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} [الجمعة: 11] وقال : في الاثني عشَرَ الَّذينَ ثبَتوا مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أبو بكرٍ وعُمَرُ
الراوي : جابر بن عبد الله | المحدث : شعيب الأرناؤوط | المصدر : تخريج صحيح ابن حبان
الصفحة أو الرقم: 6877 | خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح

رأَيْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في سوقِ ذي المَجازِ وعليه حُلَّةٌ حمراءُ وهو يقولُ : ( يا أيُّها النَّاسُ قولوا: لا إلهَ إلَّا اللهُ تُفلِحوا ) ورجُلٌ يتبَعُه يرميه بالحجارةِ وقد أدمى عُرقوبَيْهِ وكعبَيْهِ وهو يقولُ : يا أيُّها النَّاسُ لا تُطيعوه فإنَّه كذَّابٌ فقُلْتُ : مَن هذا ؟ قيل : هذا غلامُ بني عبدِ المُطَّلبِ قُلْتُ : فمَن هذا الَّذي يتبَعُه يَرميه بالحجارةِ ؟ قال : هذا عبدُ العزَّى أبو لَهَبٍ قال : فلمَّا ظهَر الإسلامُ خرَجْنا في ذلك حتَّى نزَلْنا قريبًا مِن المدينةِ ومعنا ظَعينةٌ لنا فبَيْنا نحنُ قُعودٍ إذ أتانا رجُلٌ عليه ثوبانِ أبيضانِ فسلَّم وقال : مِن أينَ أقبَل القومُ ؟ قُلْنا : مِن الرَّبَذةِ قال : ومعنا جَملٌ قال : أتَبيعونَ هذا الجَمَلَ ؟ قُلْنا : نَعم قال : بِكَمْ ؟ قُلْنا : بكذا وكذا صاعًا مِن تمرٍ قال : فأخَذه ولم يستنقِصْنا قال : قد أخَذْتُه ثمَّ توارى بحيطانِ المدينةِ فتلاوَمْنا فيما بيْنَنا فقُلْنا : أعطَيْتُم جَمَلَكم رجُلًا لا تعرِفونَه قال : فقالتِ الظَّعينةُ : لا تلاوَموا فإنِّي رأَيْتُ وَجْهَ رجُلٍ لمْ يكُنْ لِيحقِرَكم ما رأَيْتُ شيئًا أشبَهَ بالقمرِ ليلةَ البدرِ مِن وجهِه قال : فلمَّا كان مِن العَشِيِّ أتانا رجُلٌ فسلَّم علينا وقال : أنا رسولُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ : ( إنَّ لكم أنْ تأكُلوا حتَّى تشبَعوا وتكتالوا حتَّى تستَوْفُوا ) قال : فأكَلْنا حتَّى شبِعْنا واكتَلْنا حتَّى استَوْفَيْنا قال : ثمَّ قدِمْنا المدينةَ مِن الغَدِ فإذا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قائمٌ يخطُبُ على المِنبَرِ وهو يقولُ : ( يدُ المُعطي يدُ العُلْيا وابدَأْ بِمَن تعولُ أمَّك وأباك أُختَك وأخاك ثمَّ أدناك أدناك ) فقام رجُلٌ فقال : يا رسولَ اللهِ هؤلاءِ بنو ثَعلبةَ بنِ يَربوعٍ قتَلوا فُلانًا في الجاهليَّةِ فخُذْ لنا بثأرِنا منه فرفَع رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يدَيْهِ حتَّى رأَيْتُ بَياضَ إِبْطَيْهِ وقال : ( ألَا لا تَجني أمٌّ على ولَدٍ ألَا لا تَجني أمٌّ على وَلَدٍ



الراوي : طارق بن عبد الله المحاربي | المحدث : شعيب الأرناؤوط | المصدر : تخريج صحيح ابن حبان
الصفحة أو الرقم: 6562 | خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح


"وروى ابن شبة عن بعضهم أنه قال: أدركت سوقا بالزوراء يقال له سوق الحرص، كان الناس ينزلون إليها بدرج.
قلت: ورأيت في الأم للشافعي رضي الله تعالى عنه ما يقتضي تسمية سوق المدينة بالبطحاء؛ فإنه روي عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يخطب يوم الجمعة، وكان لهم سوق يقال لها البطحاء، كانت بنو سليم يجلبون إليها الخيل والإبل والغنم والسمن، فقدموا فخرج إليهم الناس- الحديث.



( قال : الشافعي ) : رحمه الله تعالى قال : الله تبارك وتعالى { وإذا رأوا تجارة ، أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما } الآية ( قال : الشافعي ) : فلم أعلم مخالفا أنها نزلت في خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة ( قال الشافعي ) : أخبرنا إبراهيم بن محمد قال : حدثني جعفر بن محمد عن أبيه قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة وكان لهم سوق يقال لها البطحاء ، كانت بنو سليم يجلبون إليها الخيل والإبل والغنم والسمن فقدموا فخرج إليهم الناس وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان لهم لهو إذا تزوج أحد من الأنصار ضربوا بالكبر فعيرهم الله بذلك فقال { : وإذا رأوا تجارة ، أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما }



قَوْله: (فَنزلت هَذِه الْآيَة) ظَاهر هَذَا أَن سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة قدوم العير الْمَذْكُورَة، وَفِي (مَرَاسِيل أبي دَاوُد) : حَدثنَا مَحْمُود بن خَالِد حَدثنَا الْوَلِيد أَخْبرنِي بكير بن مَعْرُوف أَنه سمع مقَاتل بن حبَان قَالَ: (كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُصَلِّي الْجُمُعَة قبل الْخطْبَة مثل الْعِيدَيْنِ، حَتَّى كَانَ يَوْم جُمُعَة، وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يخْطب، وَقد صلى الْجُمُعَة فَدخل رجل فَقَالَ: إِن دحْيَة قدم بتجارته، وَكَانَ دحْيَة إِذا قدم تَلقاهُ أَهله بِالدُّفُوفِ، فَخرج النَّاس لم يَظُنُّوا إلاّ أَنه لَيْسَ فِي ترك الْخطْبَة شَيْء، فَأنْزل الله عز وَجل: {وَإِذا رَأَوْا تِجَارَة} (الْجُمُعَة: 11) . الْآيَة، فَقدم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْخطْبَة يَوْم الْجُمُعَة وَأخر الصَّلَاة، فَكَانَ أحد لَا يخرج لرعاف أَو حدث بعد النَّهْي حَتَّى يسْتَأْذن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يُشِير إِلَيْهِ بإصبعه الَّتِي تلِي الْإِبْهَام، فَيَأْذَن لَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ يُشِير إِلَيْهِ بِيَدِهِ) قَالَ السُّهيْلي: هَذَا، وَإِن لم ينْقل من وَجه ثَابت، فالظن الْجَمِيل بالصحابة يُوجب أَن يكون صَحِيحا. وَقَالَ عِيَاض: وَقد أنكر بَعضهم كَونه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خطب قطّ بعد صَلَاة الْجُمُعَة، وَفِي (سنَن الشَّافِعِي) رَحمَه الله: عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد (حَدثنِي جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه: كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يخْطب يَوْم الْجُمُعَة، وَكَانَت لَهُم سوق يُقَال لَهَا: الْبَطْحَاء، كَانَت بَنو سليم يجلبون إِلَيْهَا الْخَيل وَالْإِبِل وَالسمن، وَقدمُوا فَخرج إِلَيْهِم النَّاس وَتركُوا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَانَ لَهُم لَهو إِذا تزوج أحد من الْأَنْصَار يضربونه، يُقَال لَهُ: الْكبر، فعيرهم الله بذلك فَقَالَ: {وَإِذا رَأَوْا تِجَارَة أَو لهوا} (الْجُمُعَة: 11) . وَهُوَ مُرْسل، لِأَن مُحَمَّد الباقر من التَّابِعين، وَوَصله أَبُو عوَانَة فِي (صَحِيحه) والطبري يذكر جَابِرا فِيهِ: أَنهم كَانُوا إِذْ نكحوا تضرب لَهُم الْجَوَارِي بالمزامير فيشتد النَّاس إِلَيْهِم وَيدعونَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وسلمقائما، فَنزلت هَذِه الْآيَة، وَفِي تَفْسِير عبد بن حميد: حَدثنَا يعلى عَن الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس: قدم دحْيَة بِتِجَارَة فَخَرجُوا ينظرُونَ إلاّ سَبْعَة نفر، وَأَخْبرنِي عَمْرو بن عَوْف عَن هشيم عَن يُونُس، (عَن الْحسن قَالَ: فَلم يبْق مَعَه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إلاّ رَهْط مِنْهُم: أَبُو بكر وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فَنزلت هَذِه الْآيَة: {وَإِذا رَأَوْا تِجَارَة} (الْجُمُعَة: 11) . فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو تَتَابَعْتُمْ حَتَّى لَا يبْقى معي أحد مِنْكُم لَسَالَ بكم الْوَادي نَارا) . حَدثنَا يُونُس عَن شَيبَان (عَن قَتَادَة قَالَ: ذكر لنا أَن نَبِي الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَامَ يَوْم جُمُعَة فخطبهم، فَقيل: جَاءَت عير، فَجعلُوا يقومُونَ حَتَّى بقيت عِصَابَة مِنْهُم، فَقَالَ: كم أَنْتُم فعدوا أنفسهم فَإِذا اثْنَا عشر رجلا وَامْرَأَة، ثمَّ قَامَ الْجُمُعَة الثَّانِيَة فخطبهم ووعظهم فَقيل: جَاءَت عير، فَجعلُوا يقومُونَ حَتَّى بقيت مِنْهُم عِصَابَة، فَقيل لَهُم: كم أَنْتُم فعدوا أنفسهم فَإِذا اثْنَا عشر رجلا وَامْرَأَة. فَقَالَ: وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَو اتبع آخركم أولكم لألهب الْوَادي عَلَيْكُم نَارا، فَأنْزل الله تَعَالَى فِيهَا مَا تَسْمَعُونَ: {وَإِذا رَأَوْا تِجَارَة} (الْجُمُعَة: 11) . الْآيَة) . حَدثنَا شَيبَان عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد: {وَإِذا رَأَوْا تِجَارَة أَو لَهو} (الْجُمُعَة: 11) . قَالَ: كَانَ رجال يقومُونَ إِلَى نواضحهم وَإِلَى السّفر يقدمُونَ يتبعُون التِّجَارَة وَاللَّهْو. وَفِي (تَفْسِير ابْن عَبَّاس) : جمع إِسْمَاعِيل بن أبي زِيَاد الشَّامي عَن جُوَيْبِر عَن الضَّحَّاك عَن أبان (عَن أنس: بَيْنَمَا نَحن مَعَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يخْطب يَوْم الْجُمُعَة إِذْ سمع أهل الْمَسْجِد صَوت الطبول والمزامير، وَكَانَ أهل الْمَدِينَة إِذا قدمت عَلَيْهِم العير من الشَّام بِالْبرِّ وَالزَّبِيب استقبلوها فَرحا بالمعازف، فَقدمت عير لدحية وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يخْطب، فتركوا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَخَرجُوا، فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من هَهُنَا؟ فَقَالَ أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وَابْن مَسْعُود وَسَالم مولى أبي حُذَيْفَة. . فَإِذا اثْنَا عشر رجلا وَامْرَأَتَانِ. فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَو اتبع آخركم أولكم لاضطرم الْوَادي عَلَيْكُم نَارا، وَلَكِن الله تطول على بكم فَرفع الْعقُوبَة بكم عَمَّن خرج، فَنزلت الْآيَة. وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) : وَكَانُوا إِذا أَقبلت العير استقبلوها بالطبل والتصفيق، وَهُوَ المُرَاد باللهو، وَفِيه أَيْضا: (بَينا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يخْطب يَوْم الْجُمُعَة، إِذْ قدم دحْيَة بن خَليفَة الْكَلْبِيّ ثمَّ أحد بني الْخَزْرَج ثمَّ أحد بني زيد بن مَنَاة من الشَّام بِتِجَارَة، وَكَانَ إِذا قدم لم يبْق بِالْمَدِينَةِ عاتق، وَكَانَ يقدم إِذا قدم بِكُل مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من دَقِيق أَو بر أَو غَيره، فَنزل عِنْد أَحْجَار الزَّيْت، وَهُوَ مَكَان فِي سوق الْمَدِينَة، ثمَّ يضْرب الطبل ليؤذن النَّاس بقدومه فَيخرج إِلَيْهِ النَّاس ليبتاعوا مِنْهُ، فَقدم ذَات يَوْم جُمُعَة، وَكَانَ ذَلِك قبل أَن يسلم، وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَائِم على الْمِنْبَر يخْطب، فَخرج إِلَيْهِ النَّاس فَلم يبْق فِي الْمَسْجِد إلاّ اثْنَا عشر رجلا وَامْرَأَة، فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: كم بَقِي فِي الْمَسْجِد؟ فَقَالُوا: اثْنَي عشر رجلا وَامْرَأَة. فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَوْلَا هَؤُلَاءِ لقد سومت لَهُم الْحِجَارَة من السَّمَاء، وَأنزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة) .
(عمدة القاري شرح صحيح البخاري) [صفحة: 6/ 247]





untitled-1897878783.png (1235×227)


  #60  
قديم 08-12-2018, 04:29 PM
المدير
 Egypt
 Male
 
تاريخ التسجيل: 16-12-2013
الدولة: القاهرة
العمر: 51
المشاركات: 6,790
معدل تقييم المستوى: 10
جند الله تم تعطيل التقييم
افتراضي

دُورُ بَنِي تَيْمٍ اتَّخَذَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَارًا إِلَى زُقَاقِ الْبَقِيعِ، قُبَالَةَ دَارِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الصُّغْرَى. ()
[] ابن شبة [صفحة: 1/ 242].



"فأول الدور الشوارع حول المسجد من القبلة دار عبد الله بن عمر بن الخطاب التي فيها الخوخة المتقدم وصفها، وليست الدار المذكورة اليوم بيد أحد من آل عمر كما قدمناه، وقدمنا أن موضع هذه الدار كان مربدا أعطيته حفصة رضي الله تعالى عنها بدل حجرتها لما احتيج إلى إدخالها في المسجد، وفي رواية أن آل عمر أعطوا بدلها دار الرقيق وما بقي منها".

فاستبدلت حجرة حفصة من بين حجرات أمهات المؤمنين بتلك الأرضز وليست دار أبو بكر المزعومة في الجهة الغربية والتي قيل أنها اشترتها منه.
[] (وفاء الوفاء) [صفحة: 235].

"وقالت عائشة رضي الله عنها: كان أول ما بدأ أبو بكر رضي الله عنه أنه اغتسل يوم الاثنين لسبع خلون من جمادى الآخرة، وكان يوماً بارداً فحم خمسة عشر يوماً لا يخرج إلى الصلاة، وكان يأمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه يصلي بالناس، ويدخل عليه الناس يعودونه وهو يثقل كل يوم، وهو يومئذٍ نازلٌ في داره التي قطعها له رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاه دار عثمان بن عفان رضي الله عنه".
[] (الدرة الثمينة في أخبار المدينة) [صفحة: 1/ 140].

untitled-1897878783.png (1235×227)


موضوع مغلق


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


Facebook Comments by: ABDU_GO - شركة الإبداع الرقمية
الساعة الآن 04:20 AM بتوقيت الرياض

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO Designed & TranZ By Almuhajir
new notificatio by 9adq_ala7sas

جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة لمنتدى آخر الزمان©