بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ

(وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ) [النمل: 82]
منتـدى آخـر الزمـان  

العودة   منتـدى آخـر الزمـان > منتدى مقارنة الأديان > الحوارات والمناظرات الدينية > اليهودية

اليهودية

               
 
  #1  
قديم 06-10-2018, 04:59 PM
المدير
 Egypt
 Male
 
تاريخ التسجيل: 16-12-2013
الدولة: القاهرة
العمر: 51
المشاركات: 6,715
معدل تقييم المستوى: 10
جند الله تم تعطيل التقييم
افتراضي نزول الوحي مكتوبا وألواح موسى عليه السلام

الكاتب: بهاء الدين شلبي.

الكتاب شفاهة وكتابة:
من الطعن في النبوة؛ القول بأن الله تعالى ينزل كتبه تقرأ، وتكتب، على أنبياء أميون، لا يقرؤون، ولا يكتبون، لا يميزون كلمات وحروف ما يوحى به إليهم، ويجهلون كتابة، وقراءة ما يبلغون عن ربهم، وعاجزون عن مراجعة، وتصحيح ما يدونه نساخ الوحي نقلا عنهم. فلا يصح في حق الأنبياء أن يكونوا أميون، بينما أتباعهم أعلم منهم بالكتابة، فيضبطون لأنبيائهم ما أنزل عليهم من الكتاب. ناهيك عما يعتري الكتاب من النسيان، والخلط، والخطأ، فهم بشر، إن ضمنا عدالتهم، وسلامتهم من الغفلة، وغلبة هوى النفس، فلا ولن يصلوا لمنزلة عصمة النبي صلى الله عليه وسلم، وسلامة ما يخط بيمينه من كل نقص، وعيب. بينما نجد البيهقي يقول عن ناسخي المصحف العثماني المجمع عليه: ( ... فإنهم كانوا أكثر علما، وأصدق قلبا ولسانا، وأعظم أمانة منا، فلا ينبغي أن نظن بأنفسنا إستدراكا عليهم). (1) لكن هذا الثناء، وتفضيلهم علينا؛ لا يعطيهم حق الوصاية على تهجية القرآن، كل منهم يتهجاه برأيه، بينما النبي صلى الله عليه وسلم الذي (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ) [النجم: 5]، مستمر على أميته بعد بعثته، لا يدري شيئا عن تهجية كتاب الله تعالى. بل هو أعلم منا ومنهم، وأدرى بما يجب أن يكتبوا، وكيف يكتبونه، فلا يمكنه صلى الله عليه وسلم هذا دون أن يكون قد تعلم القراءة، والكتابة، فضلا عن أن يكون قد نسخ بنفسه من صحيفة جبريل عليه السلام، ينقل عنها تهجية كل كلمة، ورسم كل حرف، فكتابة التنزيل جزء لا يتجزأ من الوحي، وليست متروكة لاجتهاد بشر.

ا.د. غانم نجده يسند جهد الكتابة للصحابة رضوان الله عليهم، في حين لم يسند أي دور يذكر للنبي صلى الله عليه وسلم في تهجية المصحف، وضبط إملائه، غاية ما أثبتوه أنه كان يتلو القرآن ويملي عليهم ما يكتبوه، فيكتبونه بما سهل وسنح لهم، فلا يسألهم عما يكتبون! فيقول: (وقديما قال القاضي الباقلاني: "لأجل أن الله إنما أوجب على القراء والحفظة أن يقرؤوا القرآن ويؤدوه على منهاج محدد ... ولم يأخذ عليهم على كتبة القرآن وحفاظ المصاحف رسما معينا دون غيره ... بل السنة قد دلت على جواز كتبه بأي رسم سَهُلَ وسَنَحَ للكاتب؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر برسمه وإثباته على ما بيناه سالفا، ولا يأخذ أحدا بخط محدود ورسم محصور، ولا يسألهم عن ذلك، ولا يحفظ عنه فيه حرف واحد").(2) وعليه فهو ينكر أن الكتابة موقوفة، أي على الوحي، متعللا بغياب الدليل، فيقول (... ولا يحفظ عنه فيه حرف واحد)، أي لا يحفظه الرواة والمؤرخون، مع أن غياب الدليل لا يرد صريح النص القرآني، والذي يثبت خلاف ما ذهب إليه اجتهاد أهل العلم. فغياب الروايات التاريخية، لا ينفي وقوع الحدث، فقد لا يصلنا خبره، كتمه من كتمه، وأخفاه من أخفاه، ولا مانع أن نضل عن النص، فلا نصل إليه، فكم من أهل العلم حكموا في حال غياب الدليل، فأخطؤوا الحكم، ومع هذا اتخذ الناس قولهم دينا، فلم يخطئهم أحد، فلما وصلهم دليل مخالف تراجعوا عن قولهم.

بل ذهب أبعد من هذا فيقول: "والمتتبع للروايات المتعلقة بكتابة القرآن في زمنه صلى الله عليه وسلم وجمعه في الصحف ونسخه في المصاحف، لا يجد ما يشير إلى شيء من التوقيف في الكتابة، بل يجد أن الصحابة - رضوان الله عليهم - أعملوا فكرهم في اختيار الرسم المناسب، في ضوء القاعدة التي وضعها لهم أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه حين قال لكتاب المصاحف: (إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في عربية من عربية القرآن فاكتبوها بلسان قريش، فإن القرآن أنزل بلسانهم، ففعلوا)".(3) فهو ينفي توقيف الكتابة على النبي صلى الله عليه وسلم، بينما يوقفها على الصحابة، وما دونوه في المصحف العثماني، فلا يوجد نسخة خلافه يمكن المضاهاة عليها، فيذكر المؤرخون بأن عثمان بن عفان أحرق جميع الصحف بعد جمعها في مصحفه الإمام، فمن أنكر شيئا منه، أو اعترض على خطأ فيه كفر، مما وضع الأمة كلها في حرج من بعده؛ فإما أن نسلم بكل ما كتبه الصحابة رضوان الله عليهم، فنغلق عقولنا، ونعمي أبصارنا، وإما أن يحكم علينا بالكفر والردة. وحاشى لله تبارك وتعالى أن يرضى بهذا لعباده، حتما ولابد أنه أنزل القرآن محفوظا، كتابة، وقراءة، لقوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر: 9]، فلن يترك حفظه مكتوبا لاجتهاد بشر، باختلاف ألسنتهم، ولهجائتهم، وبحسب قربهم أو بعدهم عن الفصاحة والبيان.

فيرى أن رسم المصحف من اعمال فكر الصحابة، فلم ينسبه للوحي، فضلا عن اغفال أي دور للنبي صلى الله عليه وسلم في تهجيته، وإملائه، وأنه أوكل مسؤولية كتابة ما يمليه من القرآن لنساخ الوحي، فلم يكن يدري أصابوا أم أخطؤوا فيما يكتبون. فهو بهذا مؤمن بأنه صلى الله عليه وسلم أمي لا يقرأ ولا يكتب، فلو رآه غير ذلك، لاستنكر غياب أي دليل ينفي أميته في المرويات التاريخية، فكيف يتركهم يكتبون القرآن كما يشاؤون، وهو قادر على كتابته فلا يختلف عليه أحد من بعده؟. فهو ونظراءه من أهل العلم يتجاهلون مقتضيات النص القرآني، لتعارضها مع الروايات التاريخية، فيتأولون القرآن لصالح أقوال السلف، وما روي عنهم. حتى صار تقديس كلام الرواة، مقدم على تقديس كتاب الله تعالى، ومنازع له، فأخضعوا تأويل كلام الله للروايات التاريخية، رغم أن الحق على العكس من ذلك، لأن كلام الله قطعي الثبوت، وكلام غيره ظني الثبوت، قال تعالى: (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ) [يونس: 36].
______________________
[1] [صفحة: 50].
[2] ا.د. غانم الحمد/ [الميسر في علم رسم المصحف وضبطه]/ الطبعة الثانية 1437هـ - 2016م/ [صفحة: 49]. وكتابه يقع في سلسلة المقررات الدراسية، نشره مركز الدراسات والمعلومات القرآنية بمعهد الإمام الشاطبي بجدة، قام بمراجعته أربعة من الدكاترة، فما يحمله كتابه من فكر، يعتبر مصدر علمي يتم تدرسيه لطلبة العلم.
[3] [صفحة: 48].



untitled-1897878783.png (1235×227)


  #2  
قديم 07-11-2018, 04:33 AM
المدير
 Egypt
 Male
 
تاريخ التسجيل: 16-12-2013
الدولة: القاهرة
العمر: 51
المشاركات: 6,715
معدل تقييم المستوى: 10
جند الله تم تعطيل التقييم
افتراضي تطابق رسم المصحف مع ما في اللوح المحفوظ

تطابق رسم المصحف مع ما في اللوح المحفوظ:
نزل الوحي مكتوبا ومقروءا، بدليل قوله تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) [العلق: 1]، وكلمة (اقْرَأْ) لفظ صريح يلزم منه وجود نص مكتوب، فكان النبي صلى الله عليه وسلم مأمور بقرائة القرآن الذي (لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) [فصلت: 42]، فأنزل القرآن مكتوبا، لا يأتيه الباطل في رسمه، ولا في نطقه، ولا في مضمونه، فنصه معصوم، ورسمه مضبوط على نحو تمام الكمال. فمن قال بخلاف هذا فقد فتح باب الطعن في سلامة القرآن الكريم كتابة، وبالتالي اتهم متنه بالتحريف. وحاشى لله تبارك وتعالى أن يترك كتابه كلامه لأحد من خلقه، فمهما بلغ أحدهم من العلم، لن يستطيع تهجيته على نحو مطابق لرسمه المعصوم عند الله تبارك وتعالى، لقوله تعالى: (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) [الإسراء: 88]، فلا يقدر أن يأتي الثقلين مجتمعين بمثل هذا القرآن المنزل لا بنصه، وهذا لا خلاف حوله بإجماع الأمة، ولا بمثل تهجيته، فلا يستطيعون كتابته وتهجيته على نحو مطابق لما في اللوح المحفوظ، وهنا وجه الخلاف مع المؤرخين الذين زعموا أن رسم المصحف العثماني توقيفي على كتابة الصحابة رضوان الله عليهم، بينما من الواجب عليهم أن يثبتوا أنهم نسخوه من نسخة النبي صلى الله عليه وسلم، والتي نسخها بيده من صحيفة جبريل عليه السلام.

فإن كان القرآن محفوظا كتابة وقراءة، فإن رسمه توقيفي على الوحي، لا اجتهاد لمخلوق فيه، وعليه فإن مصطلح (كتاب الوحي) فيه استدراك على الشرع لا يخفى، لأنه يفيد أن الصحابة رضوان الله عليهم هم من كتبوا المصحف، ووضعوا تهجيته، لذلك فهو مصطلح مخالف شرعا. والصواب أن يقال (نساخ الوحي)، لأنهم نسخوا ما في صحف النبي صلى الله عليه وسلم، ملتزمين بهجائه، وإملائه، لا فضل ينسب إليهم في شيء من هذا إلا النسخ فقط لا غير. فلا اعتبار لأقوال الرواة التي يرددونها خلاف هذا، إن تعارضت مروياتهم مع الحق المبين.

من المستبعد في حقه تبارك وتعالى؛ أن يترك تدوين كتبه، وتهجيتها، لاجتهاد بشر، حتى وإن كانوا من المعصومين، يتفقون تارة، ويختلفون تارة أخرى. فلا يمكن القول بأن كتابة المصحف، وضبط تهجيته، كانت باجتهاد من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقوله تعالى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) [الحاقة: 44؛ 47]، فضلا عن كتابته باجتهاد من أصحابه رضوان الله عليهم. وإنما كتابة القرآن، أو أي كتاب منزل آخر، هو جزء لا يتجزأ من الكتاب المنزل، فكتابة الكتب توقيفية على الوحي. لذلك توعد الله تبارك وتعالى من يكتبون الكتاب بأيديهم، ثم ينسبون ما كتبوه إليه تبارك وتعالى فقال: (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ) [البقرة: 79]. فلا يستطيع أحدهم المباهلة على أن ما كتب الصحابة باجتهاد منهم في المصحف العثماني مطابق لما في اللوح المحفوظ بدون وحي منزل. وشرط المطابقة هذا لن يتحقق إلا بنزول صحف مكتوبة على النبي صلى الله عليه وسلم، ينسخ ما فيها من الكتاب، لتكون صحفه مرجعا للصحابة، فنسخوا ما فيها، وجمعوه في مصحف واحد.

فإن اختلفنا معاً في مسألة توقيف تدوين المصحف على الوحي، فلا خلاف حول وجوب حفظ القرآن في المصاحف بنفس رسمه في اللوح المحفوظ، ومطابقا لما فيه رسما، ولفظا، وإلا استحلوا تدوين المصحف بتهجية مخالفة لما هو مكتوب عند الله تعالى، وما عنده لا يعلم إلا وحيا، وبذلك لن تتطابق المصاحف مع ما عند الله تبارك وتعالى، ولا دليل لديهم يثبت تطابقها، ولا دليل يثبت تعارضها، إلا أن يظهر المصحف النبوي فيكون حكما بيننا وبينهم، وهذا ما ينكرون وجوده، لأنه على حد زعم المؤرخين لم يصلهم خبر عنه، فهو عندهم في حكم المعدوم، لا وجود له، لأن الرواة لم يحكوا عنه شيئا، رغم أن هذه الفكرة تتعارض مع الإيمان بحفظ الوحي.

لذلك؛ فمطابقة ما يدون في المصحف لما في اللوح المحفوظ، هو جزء لا يتجزأ من حفظ التنزيل، فيحفظ مكتوبا كما يحفظ منطوقا، طبقا لما في اللوح المحفوظ، قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ[البروج: 21، 22]. قال ابن كثير: "في الملأ الأعلى محفوظ من الزيادة والنقص والتحريف والتبديل". فلا تنضبط مطابقة المصحف بما عند الله تعالى إلا في حال نزول النص منسوخا في صحيفة من اللوح المحفوظ، يقرأها النبي صلى الله عليه وسلم، فيستنسخ ما فيها في صحيفته، ثم يؤديها لنساخ الوحي فينسخون ما فيها. فلم يتلقوا منه القرآن شفاهة فحسب، وإنما منسوخا كتابة، فيضبط لهم هجائه، وإملائه، لتطابق كتابتهم ما في اللوح المحفوظ. ولا تتم المطابقة بأن ينزل الله تعالى الكتاب في قراطيس على الناس، فينسخون منها الوحي، لقوله: (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ) [الأنعام: 7]، وإنما يلزم من الآية؛ أن الله ينزل القرطاس على النبي صلى الله عليه وسلم، فيقرأ ما فيه، وينسخه، بدليل أن الأمر بالقراءة كان أول ما أنزل عليه من القرآن، فقال تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) [العلق: 1]، مما يجزم بأن جبريل عليه السلام نزل بصحيفة منسوخة من اللوح المحفوظ، فيستنسخ النبي صلى الله عليه وسلم منها في صحيفته.


untitled-1897878783.png (1235×227)


  #3  
قديم 07-11-2018, 04:35 AM
المدير
 Egypt
 Male
 
تاريخ التسجيل: 16-12-2013
الدولة: القاهرة
العمر: 51
المشاركات: 6,715
معدل تقييم المستوى: 10
جند الله تم تعطيل التقييم
افتراضي الصحف النبوية المطهرة:

الصحف النبوية المطهرة:
ما ذكرناه آنفا؛ يثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان لديه صحفه الخاصة به، لقوله عز وجل: (رَسُولٌ مِّنَ اللَّـهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ) [البينة: 2، 3]، أي (صُحُفًا مُّطَهَّرَةً) خطها بيمينه بعد أن علمه ربه القراءة والكتابة يوم نزول الوحي عليه، مما يثبت أنه صار كاتباً، بعد أن كان أمياً، وكان يتلو هذه الصحف على أصحابه تلاوة لقوله تعالى: (رَسُولٌ مِّنَ اللَّـهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةًمما يثبت أنه لم يكن يتلو القرآن عن ظهر قلب كما يدعي الرواة، وإنما كان يتلوه من صحفه المطهرة من كل عيب، والمنزهة عن كل نقصان، فمن أصدق قولا من الله عز وجل؟ وعليه نسخ الكتاب من هذه الصحف المطهرة، ثم جمعوها ورتبوها في مصحف واحد، حتى اكتمل جمعها في آخر أيامه المباركة.

مما لا شك فيه؛ إن تركت كتابة الوحي لاجتهاد البشر، وبدون مراجعة من أنبيائهم لما يكتبون، لاختلفوا على اخلاف ألسنتهم، وتضارب تهجيتهم، ولجائت تهجية المصحف من عند غير الله، يخالف بعضها بعضا، قال تعالى: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [النساء: 82]، وهذا الاختلاف وقع بحسب الروايات التاريخية، بين نساخ المصحف، ولكنهم تجاوزا الخلاف (حين أمر عثمان بن عفان بنسخ المصاحف قال للكتاب القرشيين: "إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما أنزل بلسانهم").(1) فالاختلاف إن لم يقع بالفعل، فقد توقعوا هذا، وحذروا منه، وحتى ما اتفقوا عليه بلسان قريش وقع فيه الاختلاف بين نسخ مصاحف الأمصار (اذكر الدليل)، بل وقع الاختلاف في رسم المصحف ذاته، كما ذكر الدكتور غانم: (أن رسم المصاحف العثمانية فيه كثير من الظواهر التي لا يتطابق فيها المنطوق مع المرسوم، فهناك حروف ثابتة في النطق محذوفة في الرسم، وهناك حروف ثابتة في الرسم ليس لها مقابل في النطق، وهناك حروف رسمت بغير الرموز المخصصة لها، وكلمات وصلت في مواضع وفصلت في أخرى).(2) بل صنف العلماء في هذه الاختلافات الكتب والمصنفات لكشف عللها، كما يقول الدكتور غانم: (وكانت المؤلفات الأولى في رسم المصحف تركز على وصف الظواهر، ونادرا ما تعنى بتعليلها، ويجد الدارس عدددا من مؤلفات القرن الخامس الهجري وما بعده تعنى بالبحث عن علل الرسوم، ولكن أكثر تلك المؤلفات قد ذهبت نسخها، ولم يبقى منها إلا إشارات ونصوص منقولة في المصادر المتأخرة، ....).(3)

حقيقة؛ ليست قضيتنا إثبات وجود أخطاء في رسم المصحف من عدمه، فهذه تفريعات عن قضيتنا الأولى بالاهتمام، لا تشغلنا بقدر ما تشغل بال من يتمسكون بالاستدلالات التاريخية على حساب كتاب الله تعالى. فمجاراتهم في الباطل؛ سيصرفنا بعيدا عن قضيتنا الأهم، وهي إثبات نزول الوحي مكتوبا، وأن مصدر المصاحف واحد، وهو (المصحف النبوي المطهر) من كل اختلاف، ونقص، وعيب، انتصارا منا لكتاب الله تعالى، وما نزل فيه من الحق، في مقابل انتصارهم لأخبار الرواة، وأراء العلماء. فإن أثبتنا صحة هذا، لسقط منهج الرواة، والمؤرخين، وسقط معهم كل ما يدعون من أفكار، قد نتفق معهم في بعضها، أو نختلف معهم فيها. ويصبح واجب علينا البحث عن المصحف النبوي المطهر، وفتح الباب للباحثين لإثبات وجوده، والوصول إليه إن أمكنهم هذا. فعلينا الاعتراف بالحق، وليس علينا إدراكه، فقد يمن الله علينا فيهدينا لمعرفة الحق، فله الحمد والمنة، ولكن قد يقدر لغيرنا الوصول إليه، فيخلق ويختار من يشاء، قال تعالى: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ۗ ) [القصص: 68].
______________________
[1] [صفحة: 42]
[2] [صفحة: 180]
[3] [صفحة: 180]

untitled-1897878783.png (1235×227)


  #4  
قديم 07-11-2018, 04:36 AM
المدير
 Egypt
 Male
 
تاريخ التسجيل: 16-12-2013
الدولة: القاهرة
العمر: 51
المشاركات: 6,715
معدل تقييم المستوى: 10
جند الله تم تعطيل التقييم
افتراضي تلقي النبي صلى الله عليه وسلم القرآن قراءة:

تلقي النبي صلى الله عليه وسلم القرآن قراءة:
لم يعتمد أهل العلم على الحفظ من المصاحف، ولا غيرها من القرآن المكتوب، مع اتفاقهم على المصحف العثماني، ورغم ثنائهم على جهد الصحابة في تدوينه، فقدموا الحفظ في الصدور، على الحفظ في المصاحف، كما قال بن الجزري: (ثم إن الاعتماد على نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور، لا على حفظ المصاحف والكتب). [السند القرآني (دراسة وتأصيل السند الشنقيطي نموذجا) د. سيد محمد ولد عبد الله. صفحة: 26]، فلو انضبط رسم المصحف لتطابق المكتوب مع المنطوق، فيتساوى الحفظ في المصاحف، مع الحفظ في الصدور، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم تلقى القرآن قراءة، وليس سماعا، فكان أن أول ما أنزل عليه قوله تعالى (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) [العلق: 1]، وقول بعدها (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ) [العلق: 3] في كلا المرتين قال له (اقْرَأْ)، ولم يقل (اسمع)، وقال تعالى: (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ) [الأعلى: 9]، فقال له (سَنُقْرِئُكَ)، ولم يقل (سنسمعك)، أي أنه قارئ، فلم يكن أميا. ففي كل مرة يؤكد تبارك وتعالى على تلقي الوحي قراءة، فلم يثبته سماعا. هذا فيما عدا موسى عليه السلام قال له ربه: (وَأَنَا اختَرتُكَ فَاستَمِع لِما يوحى) [طه: 13]، فكان يتلقى الوحي سماعا، لأنه كليم الله تبارك وتعالى.

فإن كان الأنبياء قارئين، فخروجا على القاعدة؛ نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم، قبل نزول الوحي عليه، كان أميا لا يقرأ، ولا يكتب، مصداقا لقوله تعالى: (وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) [العنكبوت: 48]، إلاَّ أن الآية جائت مقيدة بقوله (مِن قَبْلِهِ) للظرفية، والهاء ضمير عائد على القرآن الكريم، مما يفيد أنه ما كان يتلو من قبل نزول القرآن من كتاب، ولا يخطه بيمينه، أي أن هذا كان حاله حتى نزول القرآن عليه، فلما أنزل عليه أمره ربه تبارك وتعالى بالقراءة، فلم يبقى على أميته. فكان أول ما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴿١ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴿٢ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴿٣ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴿٤ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴿٥﴾ .. ) [العلق]. فورد ذكر فعل الأمر (اقْرَأْ) مرتين في نفس السياق، والقراءة من لوازم الكتابة، أي أن القرآن كان ينزل عليه مكتوبا كتابة في صحيفة جبريل عليه السلام، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ما فيها، ويستنسخه، ثم يملي القرآن شفاهة وكتابة على نساخ الوحي، فيضبط لهم إملاؤه، ويحدد لهم رسمه، فيما عرف بعد ذلك باسم (علم رسم المصحف). فلم ينزل القرآن على قلبه فحسب كما قال تعالى: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ) [الشعراء: 193، 194]، وإنما نزل مكتوبا ومقروءا، لأن ربه علمه الكتابة بالقلم، وعلمه ما لم يكن يعلم، فقال: (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴿٣الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴿٤ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ).

يعلق الدكتور غانم قائلا: (وقول السلف: "لا تأخذوا القرآن من مصحفي، ولا العلم من صحفي" إلى ترك المصاحف وإهمالها بقدر ما يعني دعوة إلى التلقي الشفهي لضبط ألفاظ التلاوة، وعدم الاكتفاء بالقراءة في المصحف خشية الوقوع في الخطأ؛ لأن ي القراءة ملا تضبطه الكتابة). [صفحة: 248] ولا شك؛ أن هذه الخشية من الوقوع في الخطأ في ألفاظ التلاوة من المصاحف في محلها، لكنها لا تسري في حق ما كتب في اللوح المحفوظ، ولا ما نسخه النبي صلى الله عليه وسلم من صحف جبريل عليه السلام في صحفه المطهرة، لأن جميعها مطابق لبعضه البعض، فلا يمكن أن يختلف فيها المكتوب عن المنطوق، ولا يجروء أحد من أهل الملة أن يدعي هذا. والذي أوقعه وغيره من أهل العلم في التحيز للحفظ في الصدور؛ ليس قصور في القارئين، ولكن لأن المؤرخين لم يذكروا شيئا عن صحف النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يتطرقوا لوجودها، بينما أثبتها الله تبارك وتعالى في كتابه العظيم، فتركوا كتاب الله تعالى المعصوم، وركنوا لمزاعم المؤرخين والرواة يتألون بها كلام الله تعالى.

وهذا هو الفارق بين الوحيين؛ (الكتاب) وهو القرآن الكريم، كلام الله تعالى، و(السنة) وهي الحكمة أقوال وأفعال، قال تعالى: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا) [الأحزاب: 34]، فكلامه صلى الله عليه وسلم كله وحي، مما علمه جبريل عليه السلام، سواء ما أنزل عليه مكتوبا من الكتاب، وهو القرآن الكريم، أو ما كتب عنه من الحكمة من أقوال، وأفعال، وهي السنة، لقوله تعالى: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) [النجم: 3؛ 5]. لأن كلمة (الكتاب) من مصدر كتب [ك . ت . بوفي (مقاييس اللغة): (الكاف والتاء والباء أصلٌ صحيح واحد يدلُّ على جمع شيءٍ إلى شيءٍ. من ذلك الكِتَابُ والكتابة. يقال: كتبت الكتابَ أكْتبه كَتْباً.). فلا كتاب بدون كتابة وتدوين لما فيه، وهذا ما ورد في لسان العرب: (والكِتابُ: ما كُتِبَ فيه.).

يقول الدكتور غانم: (إن تسمية كلام الله المنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن فيه إشارة إلى أنه يقرأ ويتلى، وإن تسميته بالكتاب فيه إشارة إلى أنه من شأنه أن يقرأ ويتلى، وإن تسميته بالكتاب فيه إشارة إلى أنه يكتب ويدون، وقد تحقق كلا الأمرين: القراءة والكتابة في زمنه صلى الله عليه وسلم ... ) [صفحة: 248]

نخلص من هذا أن الكتاب لا يتلقى شفاهة فقط، ولا يحفظ عن ظهر قلب فحسب، وإنما شرط في الكتاب أن يكتب ويقرأ، وإلا صار كلاما فقط. فالمسلم إن كان يجزئه حفظ السنة أقوالاً، وأفعالاً، أو حتى ذكرها بالمعنى، فلا يشترط حفظها باللفظ والرسم، فإنه لا يجزئه حفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب، إلا للعبادات، كالصلاة مثلاً، بدون حفظه كتابة وقراءة، ليحفظ لفظاً ورسماً معا. إذن فمن لوازم النبوة أن يكون النبي قارئا وكاتبا لما يوحى إليه من ربه، فالأمية لا تتفق والنبوة.


untitled-1897878783.png (1235×227)


  #5  
قديم 07-11-2018, 04:37 AM
المدير
 Egypt
 Male
 
تاريخ التسجيل: 16-12-2013
الدولة: القاهرة
العمر: 51
المشاركات: 6,715
معدل تقييم المستوى: 10
جند الله تم تعطيل التقييم
افتراضي إخفاء استخدام الورق في تدوين المصحف:

إخفاء استخدام الورق في تدوين المصحف:
فالوحي لا يبلغ الناس شفاهة فحسب، وإلا سمي حكمة، أو سنة، مجرد أقوال وأفعال، وإنما يبلغ الكتاب وهو من الوحي شفاهة، وكتابة، وقراءة معا، وإلا فقدت كلمة [كتاب] معناها، وصار الوحي مجرد كلام يحفظ في الصدور، كما تحفظ السنة، وليس كتابا بما تحمله الكلمة من معنى القراءة والكتابة. إن كان حفظ الكتاب عن ظهر قلب مطلب تعبدي، فالصلاة لا تتم بدون تلاوة ما نحفظه عن ظهر قلب من القرآن، إلا أن الحفظ ليس هو الضمان الوحيد لصون الوحي من الضياع، والنسيان، والخلط، واختلاف الألسن، حيث أن أهم أركان القراءة الصحيحة من الشاذة؛ متوقف غالبا على موافقة القراءة للرسم. أو حتى بوفاة الحفاظ، الذين قتل منهم سبعون في معركة اليمامة، ناهيك عمن ماتوا قبل ذلك، سواء في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، أو بعد وفاته. إنما أقوى ضمانة لحفظ الوحي كتابته وجمعه في مصحف، لحفظه من النسيان، والخلط، والتحريف، وتيسرا على المسلمين تعلمه وتلاوته. لذلك كما يزعم المؤرخون؛ أن المسلمون اضطروا بعد ذلك لجمع الرقاع، التي كتبت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فقاموا بنسخها في مصحف واحد. وهذه المزاعم كارثية بما تحمله الكلمة من معنى، أن يترك جمع القرآن وحفظه لبشر، مهما بلغ الصحابة من الصلاح رضوان الله عليهم، ومهما قويت ذاكرتهم، وكأنهم أدركوا بفطنتهم بعد وفاته صلى الله عليه وسلم مالم يأذن به الله تعالى حين نزول الوحي، فهذا من المستبعد تماماً.

بينما يزعم المؤرخون أن القرآن كتب في الرّقاع، والقُضُم (الجلود البيض)، واللِّخَافُ (حجارة بيض عريضة رقاق)، والعُسُب (جريد النخل)، فقام الصحابة بجمعها بعد وفاته صلى الله عليه وسلم. فصوروا لنا أن العرب في زمن النبوة كانوا يعيشون في عصور حجرية مظلمة، وكأنهم كانوا بمعزل عن الحضارات المجاورة لهم، من القبط، والحبشة، والفرس، والروم، والصين، رغم أن مكة تقع على ملتقى طرق القوافل التجارية، فلم تكن معزولة عن العالم.

لا مانع من انتشار استخدام تلك الوسائل البدائية داخل جزيرة العرب في الجاهلية، والإسلام، لكن ما لم يتطرق له المؤرخون، أن صناعة الورق عرفت في جزيرة العرب، وهذه الصناعة مرت بمراحل تاريخية، حاول البشر من خلالها تطوير صناعة الورق، حتى خرج في عصرنا ما لا حصر له من أنواع الورق المختلفة التي لا تحصى ولا تعد. يقول خالد بريش: (كان العرب في الجاهلية يستخدمون كل ما أمكنهم الكتابة عليه وذلك مثل عُسُب النخيل وأصول السعف التي تسمّى الكرانيف وصفائح الحجارة البيضاء المسمّاة باللخاف، وعظام أكتاف الإبل وقطع الجلد الأديم، ما كان منه مُصنعاً كالرق إضافة إلى قراطيس البردي والقباطي وأيضاً المَهارِق التي هي عبارة عن قطع من قماش الحرير الأبيض كانت تطلى بالغراء. واستخدموا كذلك لحاء الشجر المدهون بطلاء أبيض أو المكسو بالشمع وكتبوا عليه نصوصاً قصيرة نسبياً. وقد اشتهرت في صدر الإسلام بعض المدن العربية كصعدة في اليمن ونجران وصنعاء والكوفة بصناعة الرق أي الورق المصنوع من الجلود).

(كان سعف النخيل يستخدم في الهند وفى الجزيرة العربية كمادة للكتابة وجرت العادة أن تقطع سعفة النخلة على طول جذعها. ثم تقسم إلى قطع بأبعاد مختلفة (في حدود 8 سم عرضاً، 30 سم طولاً) وبعد ذلك كانت تُغلى بالماء ثم يجفف ثم تصقل في النهاية. ويكتب عليها من الوجهين. وكان البعض يلجأ إلى جمع عدة صفحات بين لوحين من الخشب فتكون على هيئة الكتاب).

وفي المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام يقول المؤلف: (وذكر بعض علماء اللغة أن القرطاس: الكاغد، يتخذ من بردي يكون بمصر. وذكر بعض آخر أن القرطاس الصحيفة من أي شيء كانت، يكتب فيها، والجمع قراطيس1. وقد وردت لفظة "قرطاس" و"قراطيس" في القرآن الكريم2. وورود اللفظة في القرآن الكريم دليل على وقوف العرب عليها. وهي من الألفاظ التي دخلت إلى العربية من مصر أو من بلاد الشأم، حيث استورد أهل مكة والعربية الغربية مختلف التجارة منها، ومنها القراطيس، ويعرف القرطاس في اليونانية بـKhartis.3

ويظهر أن أهل بلاد الشأم كانوا قد استعملوا اللفظة اليونانية، فلما نقل الجاهليون القرطاس منهم وتعلموه عنهم، استعملوا المصطلح اليوناني بشيء من التحريف والتحوير ليناسب النطق العربي، وقد نص بعض علماء اللغة على أن اللفظة من الألفاظ المعربة4.

وتقابل لفظة "قرطاس" لفظة Papyri في اللغة الإنكليزية. وقد كان القدماء في مصر وفي حوض البحر المتوسط يكتبون على القراطيس. وهي على صورة لفّات تلف كالأسطوانة تحفظ في غلاف حذر تلفها وتمزقها. وأسفار اليهود هي على هذه الصورة5. ولا زالت معابدهم تستعمل توراتهم المكتوبة على هيئة "سفر", أي: مكتوبة على هيئة صفحات متصلة بعضها ببعض على شكل أسطوانة. بسحب أحد طرفيها الذي يوصل بأسطوانة أخرى، ثم يقرأ من السفر.

وذكر علماء اللغة أن "الرقاع"، هي القرطاس6.
ووردت لفظة "رق" في القرآن الكريم: {وَالطُّورِ، وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ، فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ} 7. وقد فسر العلماء الرق بأنه ما يكتب فيه شبه الكاغد، أو جلد رقيق يكتب فيه، أو الصحيفة البيضاء1. وقد اشتهرت جملة مواضع في الحجاز وفي اليمن بترقيق الجلد ودباغته، ليصلح للعمل، وفي جملته الرق المستعمل في الكتابة. ويعرف الرق بـ"رقو" Raqo و"رق" Raq في الإرمية. وتؤدي اللفظة في هذه اللغة المعنى نفسه المفهوم منها في عربيتنا، ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أن اللفظة من أصل إرمي2. ومن أجود أنواع الرق، الرق المعمول من جلد الغزال. وذكر أن الصحابة أجمعوا على كتابة القرآن في الرق، لتيسره عندهم، ولطول بقاء الكتابة فيه3.


وقد كان الكتّاب يستعملون الرق في المراسلات وفي السجلات وفي الكتب الدينية. فقد استعمل الفرس جلود البقر المدبوغة لكتابة كتبهم الدينية عليها، واستعمل العبرانيون جلود الغنم والمعز والغزال لكتابة التوراة والتلمود عليها. وقد اشترطوا في الجلود أن تكون من جلود الحيوانات الطاهرة. استعملوها صحائف منفصلة، واستعملوها صفائح على هيئة الكتب، كما استعملوها مدورة ملفوفة قطعة واحدة يتصل كل رأس منها بقضيب، فتكون لفتين متصلتين، وذلك بربط قطع الجلود بعضها ببعض وتثبيتها لتكون صحيفة واحدة طويلة مستطيلة، يقال لها: "مجلوت" "م ج ل وت"، أي: المجلة، من أصل "جلل" بمعنى لف وأدار4.

وفي الشعر الجاهلي إشارات إلى استعمالهم "الرق" في كتاباتهم. وقد أشار بعضهم إلى سطور الرق، وكيف رقشها كاتبها ونمق الكتابة مسطرها. وكيف خط مملي الكتاب ما أريد إملاؤه في الرق. وقد عبر عن الخطاط الذي خط السطور على الرق بالمرقش وبالكاتب5. ومن أنواع الرق الجيد، الرق المصنوع بـ"خولان" والذي عرف بـ"الأديم الخولاني"6.) [صفحة: 8/ 261، 262]

وعلى أقل تقدير؛ عرف ورق البردي Papyrus قبل الميلاد، ومنه اشتق اسم الورق Papier، و Paper، كانت صناعته رائجة في مصر، حيث كان يصدر منه إلى اليونان، بل عرفت صناعة الورق قبل ميلاد المسيح عليه السلام بآلاف السنين، ودون فيها أهل الكتاب التوراة والإنجيل، وعثر على نسخ منها في مكتشفات أثرية عديدة وشهيرة. بل إن الحضارات الوثنية قبل التاريخ كما اليونان خلفت مؤلفات لكثير من علامائها كأفلاطون وأرسطو وغيرهم، ولا زالت هذه المؤلفات موجودة إلى اليوم. فلا يعقل أن كل هذه الحضارات دونت تارث هائل من الكتب والمخطوطات، ولا زالت محفوظة حتى اليوم، ثم يقوم بعض المؤرخين بالزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عجزوا عن تدوين القرآن الكريم في ورق. بل كان من الصحابة تجاراً أثرياء، يمكنهم استقدام ورق البردي من مصر المتاخمة لبلادهم، لتدوين القرآن عليه. فلم يفلح المؤرخون في تقديم أي سبب مقنع، لاستخدام الصحابة لمثل هذه الوسائل البدائية جداً، لتدوين كتاب الله تعالى فيها. وبكل أسف أن هناك من أهل العلم من يصدق هذه الروايات، ويتبناها، ويعتقد في صحتها.

بحسب الرواة؛ جمع القرآن في عهد أبي بكر، بينما تم نسخه في مصحف واحد في عهد عثمان بن عفان، وهي فترة زمنية وجيزة، وليست بعيدة بين نزول الوحي وبين نسخ المصحف، فاستخدم الورق في الكتابة بحسب قول الدكتور غانم: (... فإذا كان عدد الكتاب قليلا في صدر البعثة، وكانت وسائل الكتابة بدائية، فإن عدد الكتاب ازداد حتى بلغ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أربعين، وتطورت أدوات الكتابة، فاستخدموا الرق والقراطيس والورق في الكتابة، وتحسن شكل الخطوط بفضل عناية الخلفاء بتحسين كتابة المصاحف وتعظيمها). [صفحة: 189] مما يشهد على وجود الورق في عهد النبوة، فلم يكن اختراع جديد تم اكتشافه.

ا.د. غانم الحمد في كتابه [الميسر في علم رسم المصحف وضبطه] يقول: قال زيد بن ثابت: "كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن في الرقاع"، ومعنى التأليف: الترتيب، قال الحاكم النيسابوري معلقا على هذا الحديث: "وفيه الدليل الواضح على أن القرآن إنما جمع في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم". ويعني بالجمع هنا الترتيب، لا الكتابة، قال البيهقي معلقا على الحديث: "وهذا يشبه أن يكون أراد به تأليف ما نزل من الكتاب: الآيات المتفرقة في سورها وجمعها فيها بإشارة النبي صلى الله عليه وسلم"، وكان الإمام مالك بن أنس يقول: "إنما ألف القرآن على ما كانوا يسمعون من قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وقال أبو عمرو الداني: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سن جمع القرآن وكتابته، وأمر بذلك وأملاه على كتبته، وأنه صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى حفظ جميع القرآن جماعة من أصحابه ...". [صفحة: 33]

يقول الدكتور غانم: (ولا شك في أن ما حمله رسم المصحف من ظواهر كتابية يدل على اجتهاد عظيم من الصحابة رضي الله عنهم على استثمار خصائص الكتابة العربية آنذاك في تمثيل ظواهر القراءة، وحرصهم على تكميل ما أحسوا به من قصور في تقاليد الكتابة العربية، فهم تارة يرسمون الكلمات على الوقف، فإذا وجدوا ذلك غير واف رسموها على الوصل، وتارة يرسمونها على الأصل، وأخرى على اللفظ، حتى استتم لهم ما أرادوا من كتابة القرآن الكريم على نحو ما تلقوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم). [صفحة: 200]

الدكتور غانم، فقال: "ومن خلال جهود كتاب الوحي في عصر النبوة وضع الأساس لرسم المصحف، ..." [صفحة: 34].

وهذا تناقض غير مبرر، لأنه يخالف قوله تعالى:(رَسُولٌ مِّنَ اللَّـهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ)، فهو رسول من الله تعالى، يتلو ما معه من صحف مطهرة، مكتوب فيها كتبات قيمة، فالله تعالى يؤكد على نفي أميته، بينما المؤرخون يتنكرون لهذه الحقيقة، ويتملصون منها، محاولين بشتى السبل التأكيد على أميته، ولو حساب تدوين كتاب الله. والحقيقة أنالصحابة رضوان الله عليهم لم يزد دورهم عن نسخ ما كتبه النبي صلى الله عليه وسلم في صحفه المطهرة، ولكنهم يخفون هذه الحقيقة. وإن قلنا بقول المؤرخين؛ فكتاب الوحي هم من ضبطوا رسم المصحف، بينما النبي صلى الله عليه وسلم كان أمياً، لا يدري إن وافقت كتابتهم ما في اللوح المحفوظ أم لا، وهذا افتراء عليه، وبهتان عظيم، لأنه طعن في نبوته، وباب مفتوح على مصراعيه للتشكيك في سلامة كتاب الله تعالى، من أخطاء البشر. فليس العيب في المشككين وحدهم، بقدر ما العيب فيمن فتحوا لهم هذه الثغرة، ليلنالوا من كتاب الله تعالى.

فقد اكتمل جمع المصحف النبوي وترتيبه في حياته صلى الله عليه وسلم، وليس بعد وفاته كما يدعون، وهذا يلزم منه أن دور الصحابة من بعده كان مجرد استنساخ مصحفه الشريف، وليس جمع الرقاع المكتوب فيها كما يدعي المؤرخون، والتي تم حرقها بعد كتابة المصحف العثماني، الذي أصبح بديلاً عن مصحف النبوي، والذي لا نعرف عن مصيره أي معلومات تذكر. ومحال لنبي أمي، لا يقرأ، ولا يكتب، أن يوجه كتاب الوحي ويراجع ما يكتبون، دون أن يكون قد تعلم القراءة والكتابة. وبما أنه علم القراءة والكتابة بأمر ربه تعالى، فلابد وكان معه صحفاً منسوخة عن صحيفة جبريل عليه السلام، ينقل عنها رسم المصحف، فمن المستبعد أن ينقل الرسم حفظا، بينما نزل عليه جبريل بصحيفته فقال له: اقرأ. فبما أن جبريل عليه السلام نسخ ما في اللوح المحفوظ، فمن باب أولى أن ينسخ النبي صلى الله عليه وسلم ما في نسخة الوحي لينقلها للناس كما هي.

وعن كيفية جمع القرآن يقول الدكتور غانم: "... وكانت الخطوة الأولى أن أبا بكر الصديق طلب من عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت أن يقعدا على باب المسجد ويناديا: من تلقى من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من القرآن فليأت به، وكان الصحابة يكتبون ذلك في الصحف والألواح والعسب، وكانا لا يقبلان من أحد حتى يشهد شاهدان، على أن ذلك المكتوب كتب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو شامة: (إنما كان قصدهم أن ينقلوا من عين المكتوب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكتبوا من حفظهم)". [صفحة: 35] وهل القعود على باب المسجد، والنداء في الناس منهج معتبر في جمع الوحي؟! في واقع الأمر؛ هذا منهج مطعون فيه، فيصل النداء من سمعه، ولا يصل من غاب عنه فلم يسمعه، واستجاب لهم من سمع، ولم يستجب لهم من واراه الثرى، ودفن معه ما في صدره من القرآن، حتى وإن كان حيا، فترد الآية من القرآن، لغياب الشهود عليها، لعلة سفر أو وفاة أحد الشهود أو كلاهما، فرواية الآحاد عندهم مردودة.

وهنا تثار تساؤلات لا نعلم لها إجابة:

لماذا لم ينسخ جامعي الرقاع من مصحف النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة؟

وما الذي منعهم من النسخ من مصحفه الشريف؟

وفي حيازة من كان مصحفه الشريف بعد وفاته؟

وما هو مصير مصحفه الشريف، وأين اختفى؟

كيف تحرق الرقاع ويخفى أي أثر لوجودها، رغم أنها من المفترض أصح النسخ، إنا كانت كتبت بإشراف النبي صلى الله عليه وسلم كما يدعون؟
______________________
في المفصل يقول المؤلف: (وكل ما عثر أو سيعثر عليه من نصوص في جزيرة العرب مدونا بلهجة من اللهجات التي تعارف علماء العرب أو المستشرقون على اعتدادها من لغات العرب) [صفحة: 1/ 44]

(أما الكتابات المكتوبة باللهجات التي يطلق عليها المستشرقون اللهجات العربية الشمالية، فقليلة. ويراد بهذه اللهجات القريبة من عربية القرآن الكريم) [صفحة: 1/ 46]

untitled-1897878783.png (1235×227)


  #6  
قديم 07-11-2018, 04:38 AM
المدير
 Egypt
 Male
 
تاريخ التسجيل: 16-12-2013
الدولة: القاهرة
العمر: 51
المشاركات: 6,715
معدل تقييم المستوى: 10
جند الله تم تعطيل التقييم
افتراضي إملاء الله تعالى لموسى عليه السلام ما يكتبه في الألواح:

إملاء الله تعالى لموسى عليه السلام ما يكتبه في الألواح:
يذكر القرآن الكريم أن الله كتب لموسى الألواح، فيقول تعالى: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ) [الأعراف: 145]، فلم يفصل كيفية الكتابة، إن كتبها بذاته العلية تبارك وتعالى، (وهذا قول فيه نظر ويحتاج لبحث)، ولن أكون مبالغا إن قلت؛ إن الله تبارك وتعالى أملى التوراة على موسى عليه السلام إملاءاً، فكتب ما سمعه من ربه عز وجل، فلا نستبعد هذا الاحتمال، خاصة وأن الله تعالى يقول: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا) [النساء: 164]! وهكذا حظيت الألواح المباركة بهذا التشريف المهيب، والفضل العظيم، وبتلك الخصوصية التي آثرها الله عز وجل بها على سائر التوراة، والكتب المنزلة، فتكون الألواح وهي من التوراة أمليت من الله إملاءاً، على خلاف جميع الكتب الأخرى، وخروجا عن السنة الربانية، بأن يوحي كتبه بالملك، فقال تعالى: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّـهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) [الشورى: 51].

وقد وافق المفسرون أهل الكتاب، إن لم يكونوا نقلوا عنهم، أن الله تبارك وتعالى كتب الألواح بنفسه، وهذا من الإسرائيليات التي تسربت إلينا، وتمسكنا بها على أنها من ثوابت الدين، حتى صرنا ننافح عن الإسرائيليات منافحتنا عن الحق، وبهذا مكنا للباطل بأيدينا. فحملوا لفظ (كَتَبْنَا) على ظاهره، في قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ)، أي أن الله كتب بنفسه الألواح، فلم يتأولوه، بسبب تمسكهم بالإسرائيليات، فعطلوا عقولهم عن العمل. ولقد تكرر نفس اللفظ في قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) [الأنبياء: 105]، وهنا نجد توافق بين الآيتين، في قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ)، وفي قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ)، وعليه فقوله (كَتَبْنَا) في الآيتين جاء بمعنى [قضينا]، ومن قضاء الله تعالى ما كتبه على عباده من مواعظ وتشريعات لحرماته، لذلك ذكر ما كتب في الألواح فقال: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ). كما في قوله تعالى: (وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا) [الإسراء: 4]، ولقد تكرر ذكر كلمة (كَتَبْنَا) بمعنى قضينا عدة مرات في كتاب الله تعالى:

في قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ ۖ ) [النساء: 66].

وفي قوله تعالى: (مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ ) [المائدة: 45].

وفي قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ ) [المائدة: 83]

وجملة قضاء الله؛ هو ما أوحى به، فكتبنا تأتي كذلك بمعنى أوحينا، أي وأوحينا له في الألواح، ولا تفيد أن الله تعالى كتب بنفسه ما في التوراة، والزبور، أي ولقد أوحينا في الزبور. وعليه فقوله تعالى: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ)، بمعنى وقضينا له في الألواح، أو أوحينا له في الألواح، وبما أنه كليم الله تعالى، يسمعه ويكلمه بلا حجاب، أو رسول، فالأرجح أن ربه عز وجل أملى عليه ما يكتبه في الألواح، ولو كان ما فيها وحيا بواسطة ملك، لاستوت أهمية الألواح مع ما أنزل قبلها وبعدها من التوراة، فما اختصها الله تعالى بالذكر من دون سائر التوراة.

في واقع الأمر؛ لم يثبت باللفظ الصريح بكتاب الله تعالى كيفية كتابة الألواح، وحيا من خلال ملك، أم تَلْقِيناً من الله عز وجل، وهذا الأرجح لدي، لخصوصية موسى عليه بكلام الله تبارك وتعالى، فتوقف عن ذكر تفصيل ذلك، بينما نساخ التوراة تجاوزوا الحدود، فزعموا أن الله كتب له هذه الألواح بإصبعه، كما في سفر [التثنية: 9/ 10]: (وَأَعْطَانِيَ الرَّبُّ لَوْحَيِ الْحَجَرِ الْمَكْتُوبَيْنِ بِأَصَبعِ اللهِ، ...). وهذا قول فيه من التجسيد ما لا يخفى على عالم، ولا يليق في حق الله تعالى، فسنته أن يقل كن فيكون. فبدلا من أن يحفظ الأحبار هذا التشريف العظيم، فإنهم غالوا في تمجيد الألواح، فكذبوا على الله تعالى، فزعموا أنها لوحين فقط، وأنهما من حجارة، كسرها موسى عليه السلام، وهذا كله لم يثبته القرآن الكريم منه شيئا، ليفضح إفكهم.

فقوله تبارك وتعالى: (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) [القيامة: 18] نجد أن فعل القراءة منسوبة إلى الله عز وجل، ولم يثبت أن الله تعالى كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما الذي قرأ عليه القرآن هنا هو جبريل عليه السلام، بأمر من ربه عز وجل. وكذلك كتابة الله عز وجل الألواح لموسى عليه السلام، يحتمل أحد أمرين؛ إما أن الكتابة تمت بأمر منه تبارك وتعالى لجبريل عليه السلام، فكتبها له في الألواح، وهذا أول ما قد يتطرق إليه الذهن، لكنه مجرد احتمال قائم، وإن كان ممكنا إلا أنه لا يقدم جديدا تتميز به الألواح عن غيرها من الكتب، باعتبار ما جرت به السنة الربانية، من نزوله بالوحي مكتوبا على المرسلين. فلا يصح الخروج عن السنة الربانية إلا بدليل، أو بقرينة تثبت سماعه من جبريل عليه السلام، أو تلقيه النص مكتوبا بيد جبريل عليه السلام. وإما أن الله عز وجل أملى على موسى عليه السلام ما يكتبه في الألواح إملاءاً، فسمع منه التوراة، فكتب ما سمعه من ربه، باعتبار خصوصيته ككليم لله تبارك وتعالى، بما فضله به على كثير من المرسلين، فهذه ميزة تتفرد بها الألواح عن غيرها من الكتب المنزلة، وتستحق الذكر والبيان لعظيم فضلها ورفعة منزلتها عن الله تعالى. وهذا هو التأويل الأقرب لمعنى كتابة الله تعالى له ما في الألواح، وهو القول الراجح لدي. والله أعلم.

أضف إلى هذا؛ لابد لموسى عليه السلام من نسخة مكتوبة من التوراة، لينسخ عنها النص التوراتي منضبطاً إملائياً، فلا يكفي الإملاء سماعيا فحسب، وإلا نكون تعارضنا مع القول في حق القرآن الكريم، من نسخه كتابة من صحيفة جبريل عليه السلام، وهذا يسري في حق جميع الكتب المنزلة. ومع هذا لا مانع مطلقاً أن يكون موسى عليه السلام سمع من ربه تعالى، فوعى منه ما سمع، فعلم ما أملاه عليه ربه سماعاً وكتابةً، بدون صحيفة ينسخ منها. فسماعه من ربه له المجد في السماوات والأرض، ليس كسماعه من مخلوق كجبريل عليه السلام، قال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى: 11]، فسماع الله هو منتهى كمال السمع، سمع مع وعي وإدراك مفصل، كأنه يقرأ من صحيفة. وشاهدي على هذا ما ورد أنه صلى الله عليه وسلم قال: (ما منكم من أحدٍ إلا سيُكلِّمُه ربُّه ليس بينه وبينه تَرجُمانٌ ، فينظر أيمنَ منه فلا يرى إلا ما قدَّم من عملِه ، وينظر أشْأَمَ منه فلا يرى إلا ما قدَّم ، وينظر بين يدَيه فلا يرى إلا النّارَ تلقاءَ وجهِه ، فاتَّقوا النَّارَ ولو بشِقِّ تمرةٍ ). (1) فيحشر الناس من كل الأجناس والألسن، يكلمهم الله تعالى ويحاسبهم، فيعي كل منهم ويفهم ما يقوله، فلا يحتاج لترجمان، فسبحان من ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. فالسماع من الله جل شأنه لا يقاس على سماع المخلوق، الذي يشوبه علة قصور التبليغ والوعي والفهم والإدراك، أما سماع كلام الله تبارك وتعالى فلا يشوبه نقيصة، فمن يسمعه يعي ما يسمع، فهما، ووعيا، وإدراكا، وكتابة حتى وإن كان أمياً، لا يقرأ، ولا يكتب، فلا يحتاج حينها لصحيفة ينسخ منها. وهذا ما يستكين له القلب.

حاشاه تبارك وتعالى أن يملي التوراة على موسى عليه السلام نقلاً من اللوح المحفوظ، فهذا لا يستقيم وهو كلامه تبارك وتعالى، من صفاته، وكلامه أزلي قديم، غير مخلوق، فلا يلزمه أن يقرأ، أو ينقل من اللوح المحفوظ. هذا يجوز في حق جبريل عليه السلام بصفته مخلوق، لأنه يعبد الله عز وجل بطاعة أوامره، قال تعالى: (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) [مريم: 64] فيضبط ما ينقله من اللوح المحفوظ ويستنسخه، قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) [الشورى: 51]. ثم ينزل به من السماء على الأنبياء محفوظا، لقوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر: 9]، فلا يصله شيطان يمنعه من النزول، ولا يعطله عن النزول، ولا يطلع عليه قبل أن يوحى به للنبي، قال تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ﴿٢٦ إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا ﴿٢٧ لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا ﴿٢٨). [الجن] فإذا نزل الملك بالصحيفة على النبي صلى الله عليه وسلم نسخ ما فيها، بدليل طلبه من النبي أن يقرأ ما معه من صحيفته من قوله تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) [العلق: 1] فيلزم من القراءة أن يتعلم كتابة القرآن، ورسم كلماته، وحروفه، وهذا يلزم منه أن يكتب كما علمه ربه ليبلغ الوحي نطقا وكتابة.
_____________________________
[1] الراوي : عدي بن حاتم الطائي | المحدث : البخاري | المصدر : صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 7512 | خلاصة حكم المحدث : [أورده في صحيحه] وقال : قال الأعمش : وحدثني عمرو بن مرة ، عن خيثمة : مثله . وزاد فيه : ولو بكلمة طيبة | انظر شرح الحديث رقم 7607


untitled-1897878783.png (1235×227)


  #7  
قديم 07-11-2018, 04:39 AM
المدير
 Egypt
 Male
 
تاريخ التسجيل: 16-12-2013
الدولة: القاهرة
العمر: 51
المشاركات: 6,715
معدل تقييم المستوى: 10
جند الله تم تعطيل التقييم
افتراضي الألواح من الرق لا من الحجارة:

الألواح من الرق لا من الحجارة:
وعليه فجميع الكتب أنزلت مكتوبة، فمستبعد تماما أن تكون نزلت شفاهة فقط، فمن الثابت صراحة بالنص القرآني أن موسى كان معه ألواح مكتوب فيها نصوص من التوراة، وهي الجزء الذي تلقاه عند لقاء ربه في الطور، لقوله تعالى: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ) [الأعراف: 145]، فالكتابة في قوله (وَكَتَبْنَا) تفيد أنه لم يتلقى التوراة شفاهة فحسب، وإنما تلقاها وبلغها لأتباعه مكتوبة أيضاً. فمنها ما كتب في الألواح، راجع قوله تعالى: (وَلَمّا سَكَتَ عَن موسَى الغَضَبُ أَخَذَ الأَلواحَ وَفي نُسخَتِها هُدًى وَرَحمَةٌ لِلَّذينَ هُم لِرَبِّهِم يَرهَبونَ) [الأعراف: 154]، فنسخة الألواح فيها نصوصا مكتوبة من التوراة. كذلك قال تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) [الأنبياء: 105]، فالزبور كتاب مكتوب، وليس محفوظ عن ظهر قلب فحسب.

فكتابة الوحي ليست مجرد تدوين، يرجع إليها حين الحاجة، ولكن في حقيقة الأمر؛ أن المصحف وثيقة إثبات نص الوحي، باعتبار أن كلام الله تعالى ميثاق، وعهد مقطوع بين طرفين؛ بين الخالق تبارك وتعالى، وبين خلقه ممن أنزل عليهم هذا الميثاق. قال تعالى: (الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) [البقرة: 27]، وقال تعالى: (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ) [الرعد: 20]. فكل عهد بين عدة أطراف لابد من توثيقه كتابة، فلا يكتفى بحفظه عن ظهر قلب فقط، ثم ينساه هذا، ويخلط ذاك، فتندرس آياته بمرور الزمن وينسى، بل الوحي محفوظ في المصاحف حجة على البشر، بصفته عهد وميثاق بين الخالق وخلقه، فالقرآن الكريم هو شهادة الله تبارك وتعالى المكتوبة بينه وبيننا، قال تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [آل عمران: 18]، والشهيد علينا هو الله تعالى القائل: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ۚ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ ۚ) [الأنعام: 13]. فكلام الله تعالى كما أنه مكتوب ومحفوظ في اللوح المحفوظ في السماء، كذلك مكتوب ومحفوظ بنفس الرسم والتهجية في الصحيفة النبوية في الأرض، نقلا عن رب العزة تبارك وتعالى، وليس باجتهاد بشر يصيب ويخطئ.

فمن قال بأن الحفظ عن ظهر قلب أضمن من الكتابة، فإن يغالط نفسه، ويغض الطرف عن حقيقة؛ أن حفظ الكتاب عن ظهر قلب وإن كان يصون الكلام في قلب الإنسان، إلا أنه لا يعتبر توثيقا له، ولا يغني عنه التوثيق المكتوب. فالكتابة جزء من حفظ الذكر، وليس أدل على هذا من أن أطول آية في القرآن، وتسمى آية المداينة، سن الله تبارك وتعالى فيها الكتابة كميثاق بين المتداينين، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا) [البقرة: 282]. فإن كان هذا واجب بين البشر بعضهم البعض، فكيف الأمر بين الله تعالى وبين عباده؟

فقصة كتابة ألواح موسى عليه السلام؛ تثبت أن كل كتاب منزل يمثل في حقيقته عهد وميثاق، أي عقد مكون من نسختين متطابقتين، النسخة الأولى محفوظة في اللوح المحفوظ، ونسخة مطابقة لها ينسخها كل نبي من صحيفة جبريل عليه السلام. فنسخة الأنبياء تعتبر جزء مقدس، ومحفوظ، لا يتجزأ من الميثاق بين الله تبارك وتعالى؛ كطرف أول، وبين عباده؛ كطرف ثاني. فلا يملك إنسان، حتى وإن كان نبيا مرسل، أن يكتب عهد الله تعالى، ويتهجاه باجتهاد منه، (قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [الحجرات: 16]. فنصبوا من أنفسهم أوصياء على كتاب الله يكتبونه بما يرون، فصاروا يكتبونه بعلمهم، لا بعلم الله عز وجل القائل: (قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ) [البقرة: 140]. فلا يملك أحد من بعدهم أن يستدرك عليهم، ولا أن يعدل، أو يبدل، أو يغير فيها شيء، ومن ثم تكون مرجعا لكل الناس يتحاكمون إليه، ويرجعون إليها إن نسي أحدهم أو خلط، فينسخون منها مصاحفهم، ليحفظوها عن ظهر قلب، وليتعبدوا بها ربه عز وجل، حفظا وتطبيقا.

وبهذا يكون الكتاب المنسوخ بيدي النبي محفوظا، ومرجعا لكل المصاحف المنسوخة منه، فأي تدخل بشري في كتابة وهجاء الكتاب، يعتبر انتهاك لحرمة ميثاق الله تعالى، واستدراك على الشرع، ولذلك توعد من يفعلون هذا (ثلاث مرات) في آية واحدة فقال: (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ) [البقرة: 79]. فجميع الصحف التي بين أيدي الناس ليست من عند الله تعالى، لأنها مجرد نسخ كتبوها بأيديهم، فإن لم تكن مطابقة للأصل في اللوح المحفوظ، فإنها في الحقيقة ما هي إلا مجرد مستنسخات، لا تغني بحال عن الأصل. وهذه النسخة الأصلية هي التي طالب الله تعالى بها أهل الكتاب ليتحاكموا إليها حين قال: (قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) [آل عمران: 93]. وقال تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ) [المائدة: 68]، فلم يقصد بأي حال من الأحوال الإشارة إلى الكتب التي كتبوها بأيديهم، ثم يدعون أنها من عند الله تعالى.

فلو أن النسخة التي كتبت بيد النبي صلى الله عليه وسلم ظلت محفوظة من بعده، ويقينا ولا بد كانت ولا زالت محفوظة وإن جهل مكانها، لما هم المسلمون بجمع القرآن، ولما اختلفوا في تهجية المصحف وقرائته، ولصارت مرجعا لكل المسلمين من بعده. ولكنهم ينكرون وجودها البته، بدلا من البحث عنها، وخروجا من الحرج فإنهم يرمون نبيهم عليه الصلاة والسلام بالأمية، ويؤذونه بما لا يليق به، فلا أحد يقول في حقه قولة حق وينافح عنه، متبعين في ذلك سنن من آذوا موسى عليه السلام من قبل، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا ۚ وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا) [الأحزاب: 69]. فمن يطعن في وجود هذه النسخة النبوية من الوحي، فهو يطعن في وجود الميثاق المقطوع بيننا وبين الله تعالى، وينكر ما سنه الله عز وجل من توثيق العهود كتابة.

وهنا يجب أن نحدد مادة تلك الألواح، حتى إذا ضاهينا النص القرآني على ما دونه أهل الكتاب في كتبهم، سنكتشف أننا تبنينا فكرهم، وفسرنا كتاب الله بكذبهم واختلاقهم، وأننا متمسكون بمفاهيم وإسرائيليات، ما أنزل الله بها من سلطان.

ففي لسان العرب: (اللَّوْحُ: كلُّ صَفِيحة عريضة من صفائح الخشب؛ الأَزهري: اللَّوْحُ صفيحة من صفائح الخشب، والكَتِف إِذا كتب عليها سميت لَوْحاً. واللوحُ الذي يكتب فيه.).

نفهم من هذا أن الألواح قد خشبية، هذا بحسب الأصل المجمع عليه لغويا، والشاهد قوله تعالى: (وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ) [القمر: 13]، أي وحملناه على سفينة ذات ألواح، وقديما وحتى يومنا هذا عادة ما تبنى السفن من ألواح خشبية. إلا أنه بمرور الزمن تطورت صناعة بناء السفن فصارت تبنى بألوح من حديد، وعليه فمن الممكن أن تكون مادة ألواح موسى عليه السلام من أي خامة أخرى خلاف الخشب، لأن اللوح هو صفيحة من خشب، ويمكن أن تكون الصفيحة من حجارة، أو معدن، أو غير ذلك من المواد فيطلق عليها ألواح.

ففي لسان العرب: (ووَجْهُ كل شيء عريض: صَفِيحةٌ. وكل عريض من حجارة أَو لوح ونحوهما: صُفَّاحة، والجمع صُفَّاحٌ، وصَفِيحةٌ والجمع صفائح؛ ومنه قول النابغة: ويُوقِدْنَ بالصُّفَّاحِ نارَ الحُباحِبِ قال الأَزهري: ويقال للحجارة العريضة صَفائح، واحدتها صَفِيحة وصَفِيحٌ؛ قال لبيد: وصَفائِحاً صُمّاً، رَوا سيها يُسَدِّدْنَ الغُضُونا وصَفائح الباب: أَلواحه.)

إلا أن القرآن الكريم يقول أنها ألواح، فلم يبين مادة الألواح، كما بينت اليهود في كتبهم، أنها كانت من حجارة، فتقول: (وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «اصْعَدْ إِلَيَّ إِلَى الْجَبَلِ، وَكُنْ هُنَاكَ، فَأُعْطِيَكَ لَوْحَيِ الْحِجَارَةِ وَالشَّرِيعَةِ وَالْوَصِيَّةِ الَّتِي كَتَبْتُهَا لِتَعْلِيمِهِمْ».) [الخروج: 24/ 12]. وهنا؛ لا يصح الإقرار بما ذكروه، لأن بيان نوع الألواح يلزمه قرينة في القرآن الكريم مقيدة، ومبينة لنوعها، فإن عدمت القرينة فإن اللفظ يحمل على أصل استعماله عند اطلاقه، وعليه فالبيان التوراتي المزعوم تحريف، وإضافة لم تثبت لنا في القرآن الكريم. وفرق بين استعمال اللفظ مطلقاً، وبين استعماله مقيداً، فيحمل اللفظ على أصله إن كان مطلقا، ولا يحمل على التقييد إلا بقرينة. فغياب ذكر قرينة بالألواح تبين نوعها، من حجارة، أو من حديد، أو من عظام ....إلخ يبقي اللفظ على أصل معناه لغويا، وهو أنها ألواح من خشب. فثمة تعارض بين النصين، ولو صح أن ما في كتبهم مثبت في التوراة الأصلية، لوافقها القرآن الكريم مصدقا لها، فبين نوع الألواح، لكنه لم يرد فيه بيانها، فسكوته عن ذكر بيانها دل على أنها زيادة فيكتبهم عن أصلها.

الأصوب لغة أن الألواح تتكون من صفائح خشبية بحسب الدارج، وليست من حجارة منحوتة عرضة للكسر، هذا بحسب الرواية في كتب اليهود. فقد لمحت التوراة إلى صغر حجم الحجرين، بحيث يمكن لموسى عليه السلام حملهما في يده، فبعد أن كسر موسى عليه السلام اللوحين الأولين، أمره ربه أن ينحت مثلهما من حجارة، هذا كما كتبوه على النحو التالي: (فَنَحَتَ لَوْحَيْنِ مِنْ حَجَرٍ كَالأَوَّلَيْنِ. وَبَكَّرَ مُوسَى فِي الصَّبَاحِ وَصَعِدَ إِلَى جَبَلِ سِينَاءَ كَمَا أَمَرَهُ الرَّبُّ، وَأَخَذَ فِي يَدِهِ لَوْحَيِ الْحَجَرِ.) [الخروج: 34/ 4]، فصعوده جبل سيناء، وهو يحمل في يده لوحين حجرين، دل على رقتهما، وصغر حجمهما، وخفة وزنهما، أي قابلين للكسر تحت أي ظروف عارضة، وخاصة عند طرحها أرضا. فالنص التوراتي يشعرنا أن موسى عليه السلام كان مقيما في مكان صخري قفر، لا شجر فيه يتخذ منه ألواحا من خشب للكتابة، وفي واقع الأمر؛ لا يوجد سبب وجيه يضطره إلى اتخاذ ألواح من حجارة، بينما هو في جبل الطور، وهو جبل مشجر، تنبت منه شجرة الزيتون، قال تعالى: (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ) [المؤمنون: 20]. فيستطيع بسهولة اتخاذ ألوح خشبية من شجر الطور للكتابة عليها، دون أن يتجشم مشقة تقطيع الحجارة من الجبل، ناهيك عن تكلف نحتها، وثقلها لتصلح للنقش عليها، فهذا يحتاج لجهد ووقت كبيرين هو في غنى عن كل هذا.

لكن عندما نقرأ قوله تبارك وتعالى: (وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ) [الطور: 1؛ 3]، نجده عز وجل يقسم قائلا (وَالطُّورِ)، وفي هذا يقول البغوي في تفسيره: (أراد به الجبل الذي كلم الله تعالى عليه موسى عليه السلام بالأرض المقدسة، أقسم الله تعالى به)، ثم قرن تبارك وتعالى قسمه بالطور بقسم آخر فقال: (وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ)، وهذا الاقتران يبين لنا أن الكتاب المسطور الذي أنزل على الطور، هو ألواح موسى عليه السلام. اختلف المفسرون في الكتاب المسطور ما هو، ولم يأتوا بقول مقبول يتفق وسياق النص، إلا أن البغوي وغيره نقلوا عن الكلبي قوله: (هو ما كتب الله بيده لموسى من التوراة وموسى يسمع صرير القلم). وإن كان قد نقل عن أهل الكتاب قولهم أن الله كتب الألواح بيده لموسى عليه السلام، وهذا لم يثبت صراحة في القرآن الكريم، إلا أنه وقع هنا في تعارض بين قولهم أنه كتبها له في لوحين من حجارة، بينما الآية هنا تقول: (فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ رغم أن النص يثبت أن الألواح من رق، وبالتالي ينفي أنها من حجارة.

فإن صح أن المقصود في الآية (فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ) ألواح موسى عليه السلام، فهذا يدل على أنها كانت رقوق كثيرة العدد، تم جمعها إلى بعضها البعض بالخياطة، لتكون معا رق واحد مخيط ممتد الطول، فتطوى على هيئة لفافة، ثم ينشر الرق عند الحاجة إليه، وبهذا سطر كتاب التوراة (فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ). والله أعلم.

أملى الله تبارك وتعالى على موسى عليه السلام ما كتبه بيده في الألواح، وبحسب ما تبين لنا من النص أنها كانت من الرَّق، وجمعت في لفافة واحدة، فالأرجح أنها كانت مما تركه في التابوت من بعده، قال تعالى: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [البقرة: 248]. فإن كانت النصوص المحرفة تزعم أن الله عز وجل كتب الألواح بإصبعه، وهذا باطل، إلا أنها في موضع آخر ذكرت أنه كتب التوراة إلى تمامها قبل وفاته، وسلمها لحاملي التابوت، ليكون هناك شاهدا على بني إسرائيل، كما ورد هذا في سفر [التثنية: 31/ 9]:

(9 وَكَتَبَ مُوسَى هذِهِ التَّوْرَاةَ وَسَلَّمَهَا لِلْكَهَنَةِ بَنِي لاَوِي حَامِلِي تَابُوتِ عَهْدِ الرَّبِّ، وَلِجَمِيعِ شُيُوخِ إِسْرَائِيلَ.)

وكما ورد كذلك في نفس السفر [التثنية: 31/ 24؛ 27] :

(24 فَعِنْدَمَا كَمَّلَ مُوسَى كِتَابَةَ كَلِمَاتِ هذِهِ التَّوْرَاةِ فِي كِتَابٍ إِلَى تَمَامِهَا،
25 أَمَرَ مُوسَى اللاَّوِيِّينَ حَامِلِي تَابُوتِ عَهْدِ الرَّبِّ قَائِلاً:
26 «خُذُوا كِتَابَ التَّوْرَاةِ هذَا وَضَعُوهُ بِجَانِبِ تَابُوتِ عَهْدِ الرَّبِّ إِلهِكُمْ، لِيَكُونَ هُنَاكَ شَاهِدًا عَلَيْكُمْ.
27 لأَنِّي أَنَا عَارِفٌ تَمَرُّدَكُمْ وَرِقَابَكُمُ الصُّلْبَةَ. هُوَذَا وَأَنَا بَعْدُ حَيٌّ مَعَكُمُ الْيَوْمَ، قَدْ صِرْتُمْ تُقَاوِمُونَ الرَّبَّ، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ بَعْدَ مَوْتِي!)


أي أن ما كتب في الألواح كان جزءا من لفافة التوراة التي كتبها موسى عليه السلام بخط يده، وهذه النسخة النبوية الشريفة هي التي يستشهد الله تبارك وتعالى بها على أهل الكتاب في القرآن الكريم (قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) [آل عمران: 93]، فحاشى لله تبارك وتعالى أن يقصد من قريب أو بعيد المستنسخات المحرفة التي كتبوها بأيديهم. ولأنه يعلم تبارك وتعالى عجزهم عن الإتيان بنسخة موسى عليه السلام من التوراة بعد أن ضيعوها، فقد أنزل القرآن مصدقا لما فيها، فقال تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ ) [المائدة: 48]. فإن ترك موسى عليه السلام نسخة نبوية من التوراة بخط يده، مرجعا لمن بعده من بني إسرائيل، فهذا يعني انه التزم بمنهج رباني، مما يثبت وجود النسخة النبوية من القرآن الكريم بخط رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه مأمور بالاقتداء بهدى من قبله من المرسلين، لقوله تعالى: (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ۗ) [الأنعام: 90].

ولكي نتصور مدى حجم اللفافة، وطولها، فقد "عثر أستاذ اللغة العبرية في جامعة بولونيا ماورو بيراني على ما يعتقد أنه أقدم نسخة كاملة في العالم للتوراة، تضم النص الكامل للأسفار الخمسة الأولى للكتاب المقدس بالعبرية ... أرجعت التحاليل تاريخ اللفافة إلى الفترة ما بين عامي 1155م و1225م... يبلغ طولها 36 مترا وعرضها 64 سنتيمترا... وتتألف اللفافة من 58 شريحة من جلد الخروف الناعم، تم خياطتها معا، ويتكون معظمها من ثلاثة أعمدة من الكتابة".(5)


أقدم نسخة كاملة في العالم للتوراة، تضم النص الكامل للأسفار الخمسة الأولى للكتاب المقدس بالعبرية


يبلغ طولها 36 مترا وعرضها 64 سنتيمترا

(مخطوط أسفار موسى الخمسة، الذي يقرأ في المعبد اليهودي، وهذا المخطوط لابد وأن يقوم بكتابته كاتب خاص، حسب قوانين وقواعد محددة، على قطع من الجلد المجفف، تخاط الواحدة بالأخرى، لتكون لفافة طويلة، ويثبت طرفا اللفافة على عمودين من الخشب. وتحفظ لفائف الشريعة في تابوت الشريعة، ولا تخرج إلا للصلاة، أو المناسبات الهامة، ويقوم أحد المسؤولين في المعبد بحملها والمرور بها بين المصلين (قبل الصلاة عند السفارد وبعدها عند الاشكناز). وقد أحيطت اللفائف بكثير من التقديس (وهذا لارتباط اليهودية بالمكان والأشياء)، وقد عبر هذا عن نفسه في زينات لفائف التوراة، إذ لابد وأن تلف اللفائف برباط خاص ذهبي، أو فضي، يسمى تاد التوراة. كما يستخدم قضيب مصنوع من معدن ثمين، على شكل يد، للإشارة للأسطر أثناء القراءة، وتوضع اللفائف في صندوق معدني أو خشبي ثمين للغاية ... وقد ازدهرت في إسرائيل"صناعة" كتابة اللفائف ...). (1)

لفافة من التوراة من القرن الثالث عشر مقاساتها 23 بوصة × 158 قدم ، 4 بوصة ؛ 585 مم × 48.26 متر مكتوبة بحبر على الرق ستة وثمانون أغشية تحتوي على 257 عمودًا مكتوبًا في 48 سطرًا. تظهر فيها بوضوح تام آثار الخياطة وتفاصيل الرَّق (6)

استخدمت اليهود الرَّق في تدوين كتبها، وفي ذلك يقول الدكتور سعيد محمد خالد: (عرفت الجلود كمادة للكتابة لدى بني إسرائيل. فقد كانوا يكتبون عليها الأسفار المقدسة، نظرا لأهمية هذه النصوص....).(2) فإن صح أن الكتاب هو الألواح، فهو يحتوي عددا من الألواح، وليس لوحين فحسب، وأنها كانت مصنوعة من الرَّق، وليست من خشب بحسب المعنى المباشر لكلمة ألواح، فتكون الآيات هنا قد بينت مادة الألواح، وأنها من رق وليس من خشب، خاصة وأن الكتابة على الخشب طريقة بدائية جدا، فضلا عن أنها ليست من حجارة كما تبين. وهذا يدحض فرية أن موسى عليه السلام كسر الألواح، لأن الرَّق لا ينكسر إن طرح أرضا. فالقرآن الكريم يفند أكاذيب أهل الكتاب، ويكشف من يتعبون سننهم، أنهم لا يفكرون، وإنما انقياديون.

وإن كانت المصادر تشير إلى (أنه لم يبدأ بتجهيز الجلد تجهيزاً يجعله أصلح للكتابة إلا في القرن الثالث قبل الميلاد). (3) ربما هذا بحسب ما عثروا عليه من لقى أثرية ترجع إلى هذا التاريخ، فلم يعثروا على ما هو أقدم بعد، فهذا لا يمنع من أن صناعة الرق عرفت قبل هذا بأزمان سحيقة جدا، فدونت فيها الكتب المنزلة، بدليل أن موسى عليه السلام استخدم الرق قبل هذا بزمان بعيد جدا عن هذا. وربما كانت صناعته غاية في التقدم والتطور عما هو معروف الآن، ثم تدهورت بتدهور الحضارات، ليعاود الإنسان تطويرها من جديد. فالكشوفات الأثرية المتجددة، لم تحسم تأريخ صناعة الرق بعد، ولا زالت الكشوفات تتوالى.

ويقول الدكتور سعيد محمد خالد: (وكان الرق يصنع من جلود الضأن والعجول والماعز. وكانت تلك الجلود تنظف أولا. ثم توضع في ماء الجير، حتى تزال ما عليها من المواد الدهنية والشعر. وبعد ذلك تجفف في الشمس. ثم تغطى بمسحوق الطباشير الناعم، وتحك أو تصقل بحجر الطلاء. هذا وقد عرف نوعان من الجلود المصنعة للكتابة هما: 1- البارشمان: وكان يصنع من جلد الكباش والنعاج. 2- الرق: وهو أجود أنواع الجلود، وكان يصنع من جلود عجول البقر حديثي الولادة. ويتميز عن البارشمان بأنه شفاف. ولعل ذلك هو ذلك جعله هو المادة المفضلة للكتابة لدى الرهبان المسيحيين خلال القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين فقد تفوق هؤلاء الرهبان في صناعة الرق. كما تفوقوا أيضاً في تلوينه بألوان مختلفة).(4)
__________________________
[1] السعدي/ غازي/ (الأعياد والمناسبات والطقوس لدى اليهود)/ 1994م/ دار الجيل _ عمان [صفحة: 70]
تعقيب: (لا يوجد موضوع في الطقوس الدينية اليهودية يحظى باهتمام وتجميل أكثر من لفيفة التوراة التي تلف في قطعة ثمينة من الحرير أو ثوب ناعم أو توضع في صندوق من خشب منحوت نحتا دقيقا ومزركشا. وفي كلتا الحالتين، فإن الأعمدة التي تلف حولها القطعة الجلدية التي تحوي التوراة تكون عادة مرصعة بتيجان من فضة. تحفظ لفيفة التوراة في قبو أو صندوق مزخرف في حائط المعبد من الجهة المقابلة لمدينة القدس. كل لفائف التوراة مكتوبة بخط معلمين في غاية المهارة، ويتبعون تعليمات دقيقة للتأكد من صحة النص وجماله. توضع أكاليل خاصة على بعض الحروف، كما تكبر بعض الحروف في الكلمات لتمييزها عن الحروف العادية، كما تكون السطور مرسومة بطريقة خاصة معهودة ومتبعة منذ آلاف السنين للحفاظ على الدقة وجمال النص. وعندما يستعد الناسخ للكتابة، فإنه يعلن نيته كتابة كلام الله على النحو التالي: ״إنني أنوي على بركة الله كتابة التوراة״. وهذا يشبه تماما شرط النية في أداء الواجبات الدينية في الإسلام. يستغرق استننساخ لفيفة التوراة الواحدة مدة سنة تقريبا. ويستخدم القارئ مؤشرا مصنوعا من الفضة أو العاج لمتابعة السطور على اللفيفة وذلك لتجنب تراكم الأوساخ والدهون التي تتركها أصابع وأيادي المستعملين. ويعد عمر لفائف التوراة المستعملة اليوم بمئات السنين، ويعتنى بها اعتناء منقطع النظير). فايرستون/ روبن - وبمشاركة آخرين/ (ذرية إبراهيم مقدمة عن اليهود للمسلمين)/ تر. عبد الغني بن إبراهيم/ 2005م/ معهد هاربت وروبرت للتفاهم الدولس بين الأديان - اللجنة اليهودية الأمريكية.[صفحة: 115].

تعقيب: (تتم القراءة الرسمية للتوراة، الأسفار الخمسة الأولى، جهرا من لفيفة (مخطوطة) وذلك بطريقة تشبه طريقة التجويد في قراءة القرآن. إن لفيفة (مخطوطة) التوراة لا تحتوي على حركات الكلمات وكيفية النطق بها وقراءتها مما سيتوجب على القارئ تدريبا ودراسة لإتقان معاني المفردات وإعرابها وتنغيمها. وبالإضافة لامتلاك المعبد اليهودي عدداً من لفائف التوراة المخطوطة الثمينة، فإن لدى كل معبد عدداً من نسخ التوراة المطبوعة ليتسنى لأعضاء جماعة المصلين متابعة القراءة مع المرتل. وتضم هذه الكتب أحيانا ترجمات وتعليقات ليتمكن المصلون، كل على حدة، من دراسة التوراة وتفسيرها عند قراءتها في الجماعة. ويوجد أيضا عدد من كتب الصلاة التي تضم ترتيب الصلوات ونصوص التوراة التي يراد ترتيلها في أثناء أداء شعيرة الصلاة. توفر معظم المعابد لكل مصل كتاب الصلاة، والتوراة المطبوعة على شكل كتاب). ذرية إبراهيم [صفحة: 113]
[2] (أدب الكتابة وفنونها) [صفحة: 22]
[3] (أدب الكتابة وفنونها) [صفحة: 23]،
[4] (أدب الكتابة وفنونها) [صفحة: 23، 24]
[5] منقول بتصرف من موقع سكاي نيوز العربية - أبو ظبي https://www.skynewsarabia.com/varieties/263858
[6] http://www.sothebys.com/en/auctions/...447/lot.1.html


untitled-1897878783.png (1235×227)


  #8  
قديم 07-11-2018, 04:40 AM
المدير
 Egypt
 Male
 
تاريخ التسجيل: 16-12-2013
الدولة: القاهرة
العمر: 51
المشاركات: 6,715
معدل تقييم المستوى: 10
جند الله تم تعطيل التقييم
افتراضي اختفاء الألواح، وقصرها على لوحين، وحصر الوصايا في عشر فقط:

اختفاء الألواح، وقصرها على لوحين، وحصر الوصايا في عشر فقط:
يذكر
القرآن الكريم الألواح بصيغة الجمع، لا بالمثنى، أي أنها كثيرة العدد، غزيرة المحتوى. والذي يؤكد أن الألواح أكثر من اثنين، أنها تضمنت تعاليم كثيرة جداً، فمكتوب فيها كما قال تعالى: (مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ)، وتلك المواعظ، والتفصيل لكل شيء لا يكفيه لوحين صغيرين كما يدعون، ولا ثلاثة، ولا عشر، بل أكثر من هذا العدد بكثير جدا، فالجمع أولى من التثنية، لأن الجمع لا يقتصر هنا على اثنين فقط. بينما في التوراة المحرفة مذكور لوحين فقط، أي بالتثنية، كما في سفر [الخروج: 24/ 12]: (وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «اصْعَدْ إِلَيَّ إِلَى الْجَبَلِ، وَكُنْ هُنَاكَ، فَأُعْطِيَكَ لَوْحَيِ الْحِجَارَةِ وَالشَّرِيعَةِ وَالْوَصِيَّةِ الَّتِي كَتَبْتُهَا لِتَعْلِيمِهِمْ».). رغم أن نص الوصايا على قصره، لا يحتاج أكثر من لوح صغير يحمل باليد لتدوينه، إلا أنه جاء مكتوبا في لوحين، ليس هذا فحسب، بل مكتوبا على جانبي كل لوح، أي أن هذه الوصايا القصيرة مكتوبة على أربعة جوانب، بمعدل وصيتين إلى ثلاث في كل جانب! وهذه تكلف فات كاتب النص، بحسب سفر [الخروج: 32/ 15]: (فَانْصَرَفَ مُوسَى وَنَزَلَ مِنَ الْجَبَلِ وَلَوْحَا الشَّهَادَةِ فِي يَدِهِ: لَوْحَانِ مَكْتُوبَانِ عَلَى جَانِبَيْهِمَا. مِنْ هُنَا وَمِنْ هُنَا كَانَا مَكْتُوبَيْنِ.).

جاءت الألواح شحيحة المحتوى، قاصرة على عشر وصايا فقط، لا يستوعبها أكثر من لوح واحد فقط، كما في سفر [الخروج: 34/ 28] (فَكَتَبَ عَلَى اللَّوْحَيْنِ كَلِمَاتِ الْعَهْدِ، الْكَلِمَاتِ الْعَشَرَ.). هذا مع ملاحظة أن اللوحين كانا صغيري الحجم، خفيفي الوزن، حتى أنه حملهما في يده، كما في سفر [الخروج: 32/ 15] (وَنَزَلَ مِنَ الْجَبَلِ وَلَوْحَا الشَّهَادَةِ فِي يَدِهِ). ولو كانا كبيري الحجم، لكانا ثقيلين، فيلزمه حملهما بكلتا يديه.

فمحتويات الألواح بحسب نصوصهم هي الشريعة والوصية: (فَأُعْطِيَكَ لَوْحَيِ الْحِجَارَةِ وَالشَّرِيعَةِ وَالْوَصِيَّةِ الَّتِي كَتَبْتُهَا لِتَعْلِيمِهِمْ)، وهذا وإن كان قد يتفق جزئيا مع القرآن الكريم (مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ إلا أنهم في التوراة المحرفة أخفوا تفصيل كل شيء، وأخفوا الشريعة، فحصروها في عشر وصايا فقط، أو ما يسمونه بكلمات العهد، كما في سفر [الخروج: 34/ 28]: (فَكَتَبَ عَلَى اللَّوْحَيْنِ كَلِمَاتِ الْعَهْدِ، الْكَلِمَاتِ الْعَشَرَ.). وهذا نص الوصايا العشر كما هي موجودة في [الخروج: 20/ 1؛ 17] و[التثنية: 6/ 5؛21] كالآتي:

1 ثُمَّ تَكَلَّمَ اللهُ بِجَمِيعِ هذِهِ الْكَلِمَاتِ قَائِلاً:
2 «أَنَا الرَّبُّ إِلهُكَ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ.
3 لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي.
4 لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالاً مَنْحُوتًا، وَلاَ صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ تَحْتُ، وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ.
5 لاَ تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ، لأَنِّي أَنَا الرَّبَّ إِلهَكَ إِلهٌ غَيُورٌ، أَفْتَقِدُ ذُنُوبَ الآبَاءِ فِي الأَبْنَاءِ فِي الْجِيلِ الثَّالِثِ وَالرَّابعِ مِنْ مُبْغِضِيَّ،
6 وَأَصْنَعُ إِحْسَانًا إِلَى أُلُوفٍ مِنْ مُحِبِّيَّ وَحَافِظِي وَصَايَايَ.
7 لاَ تَنْطِقْ بِاسْمِ الرَّبِّ إِلهِكَ بَاطِلاً، لأَنَّ الرَّبَّ لاَ يُبْرِئُ مَنْ نَطَقَ بِاسْمِهِ بَاطِلاً.
8 اُذْكُرْ يَوْمَ السَّبْتِ لِتُقَدِّسَهُ.
9 سِتَّةَ أَيَّامٍ تَعْمَلُ وَتَصْنَعُ جَمِيعَ عَمَلِكَ،
10 وَأَمَّا الْيَوْمُ السَّابعُ فَفِيهِ سَبْتٌ لِلرَّبِّ إِلهِكَ. لاَ تَصْنَعْ عَمَلاً مَا أَنْتَ وَابْنُكَ وَابْنَتُكَ وَعَبْدُكَ وَأَمَتُكَ وَبَهِيمَتُكَ وَنَزِيلُكَ الَّذِي دَاخِلَ أَبْوَابِكَ.
11 لأَنْ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ صَنَعَ الرَّبُّ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَالْبَحْرَ وَكُلَّ مَا فِيهَا، وَاسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ. لِذلِكَ بَارَكَ الرَّبُّ يَوْمَ السَّبْتِ وَقَدَّسَهُ.
12 أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ لِكَيْ تَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ.
13 لاَ تَقْتُلْ.
14 لاَ تَزْنِ.
15 لاَ تَسْرِقْ.
16 لاَ تَشْهَدْ عَلَى قَرِيبِكَ شَهَادَةَ زُورٍ.
17 لاَ تَشْتَهِ بَيْتَ قَرِيبِكَ. لاَ تَشْتَهِ امْرَأَةَ قَرِيبِكَ، وَلاَ عَبْدَهُ، وَلاَ أَمَتَهُ، وَلاَ ثَوْرَهُ، وَلاَ حِمَارَهُ، وَلاَ شَيْئًا مِمَّا لِقَرِيبِكَ».

رغم أن هذه الملاحظة بحسب ظاهر النص القرآني، إلا أنه ورد في لسان العرب: (وقوله عز وجل: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ)؛ قال الزجاج: قيل في التفسير إِنهما كانا لَوْحَيْن، ويجوز في اللغة أَن يقال لِلَّوْحَيْنِ أَلواح، ويجوز أَن يكون أَلواحٌ جمعَ أَكثر من اثنين.). فمن الواضح أن مصدر التثنية لدى المفسرين أتوا به من التوراة المحرفة! ولو صح ما في التوراة من تثنية، لجاء القرآن مصدقا لما فيها من التثنية لا بالجمع، فلم يأتي مخالفا لها، حتى وإن صح إطلاق الجمع على المثنى، قال تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ ...) [المائدة: 48]، مما يدل على أن التثنية في التوراة لا أصل لها، وأنها من تحريفهم، وأن الثابت في القرآن العظيم هو الجمع لا التثنية. والله أعلم.

وافق القرآن التوراة في مكث موسى أربعين ليلة فقال تعالى: (وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ۚ ... ) [المائدة: 25] وقال تعالى: (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ) [البقرة: 51]، وهذا يوافق ما دون في نسخة التوراة: (وَكَانَ هُنَاكَ عِنْدَ الرَّبِّ أَرْبَعِينَ نَهَارًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، لَمْ يَأْكُلْ خُبْزًا وَلَمْ يَشْرَبْ مَاءً. فَكَتَبَ عَلَى اللَّوْحَيْنِ كَلِمَاتِ الْعَهْدِ، الْكَلِمَاتِ الْعَشَرَ.) [الخروج: 24/ 28] . إذا فهناك إجماع بين الكتابين على إقامة موسى عليه السلام أربعين ليلة لا خلاف في هذا بين الكتابين، فمن المنطقي أن ينزل من الجبل بعد هذه المدة ومعه العديد من الألواح، وليس لوحين فقط. لكن أن تكون نتيجة هذه المدة الطويلة مجرد لوحين من حجارة، مدون فيهما عشر وصايا فقط، لا يستغرق كتابتها أكثر من دقيقة فهذا يثير الاستفهام، ما الحاجة لكل هذه المدة الطويلة طالما لا يلزم الأمر أكثر من دقيقة؟! وهذا مقارنة بما أثبته القرآن من أنها كانت ألواحا بالجمع، فلم يحصي عددها، مما يدل على كثرتها، وهذا كلام لا تعارض فيه بين النص والعقل.

ومما يلفت الانتباه ما ذكرته توارتهم (وَكَانَ هُنَاكَ عِنْدَ الرَّبِّ أَرْبَعِينَ نَهَارًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، لَمْ يَأْكُلْ خُبْزًا وَلَمْ يَشْرَبْ مَاءً)، أي أنه مكث أربعين يوما صائما لا يأكل ولا يشرب! إن صح ما كتبوه؛ فقد كان موسى عليه السلام ذو قوة فائقة، أو يتميز جسمه عن أجسامنا اليوم، بالقوة والضخامة المفرطة، ليتحمل جسده الجوع والعطش، وليقدر على صعود الجبل والنزول منه، وهو أمر شاق جسمانيا، يحتاج لقوة وعافية، لا تتفق مع هذا الصيام، والإقرار بهذا يحتاج قرينة قوية من الكتاب أو السنة، لنثبت صيامه المتواصل. فإن ثبت صحة هذا الاستنتاج؛ فإن البشر في عصر موسى عليه السلام كانوا عمالقة، ضخام الأجساد، يتحملون الصيام أياما وليالي، وهذا يلزم منه أن الفارق الزمني بيننا وبينه يقدر بملايين السنين، حين كان الناس عمالقة، لا ببضعة آلاف من السنين، بحسب تقديرات أهل الكتاب. فضلا عن أن صيامه أشبه بصيامنا عن الطعام والشراب، مع الفارق أننا نصوم من الفجر إلى المغرب، ولا نصل الصيام بالأيام والليالي.

فكما أن القرآن الكريم فضح في مواضع كثيرة تحريفهم للنصوص، فقال تعالى: (مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ) [النساء: 46] فإن بذكره قصة الألواح يفضح جريمة أخرى من جرائمهم، لا تقل جرما عن التحريف، وهي جريمة إخفائهم لكثير من الكتاب، لقوله تعالى: (تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ۖ) [الأنعام: 91]، فجاء القرآن كاشفا لكثير مما كانوا يخفون، قال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ۚ) [المائدة: 15]. فاليهود أخفوا أكثر الألواح، فاقتصروها على اثنين فقط، وبذلك أقصوا الشريعة، واكتفوا بمجرد عشر وصايا فقط، هذا إن لم تزد الوصايا عن عشر، فقلصوها ليستحلوا ما حرم الله تعالى، ويحرموا ما أحله.


untitled-1897878783.png (1235×227)


  #9  
قديم 07-11-2018, 04:41 AM
المدير
 Egypt
 Male
 
تاريخ التسجيل: 16-12-2013
الدولة: القاهرة
العمر: 51
المشاركات: 6,715
معدل تقييم المستوى: 10
جند الله تم تعطيل التقييم
افتراضي الأربعة نسخ الأصل من الكتب المنزلة:

الأربعة نسخ الأصل من الكتب المنزلة:
وعلى هذا؛ فإن لدينا على الأقل ثلاثة نسخ أصل من كل كتاب منزل:

[النسخة الأولى] نسخة أصل ربانية؛ في اللوح المحفوظ لقوله تعالى: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ) [البروج: 21، 22]. وهي التي ينقل عنها جبريل عليه السلام.

[النسخة الثانية] نسخة أصل ملائكية؛ مع جبريل عليه السلام، نسخها من أطلعه عليه ربه من اللوح المحفوظ، لقوله تعالى: (
عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ). هذا فيما عدا ألواح موسى عليه السلام، فقد سمعها من الله تبارك وتعالى، فكتبها مباشرة بدون ملك.

[النسخة الثالثة] نسخة أصل بشرية؛ وهي ما نسخه النبي صلى الله عليه وسلم من صحيفة جبريل عليه السلام، واستنسخها نساخ الوحي، ومصيرها مجهول لا نعلم عنها شيء، ولم يصلنا عنها خبر،
لا هي ولا أي أصل خطه الأنبياء عليهم وعلى نبينا السلام، كصحف إبراهيم، والتوراة، والزبور، والإنجيل (وهنا أقول للصليبيين؛ إن كان المسيح عليه السلام ربكم كما تدعون، فأين نسخة الإنجيل بخط يده؟ أم تراه كان أميا، يملي الإنجيل على أتباعه وكل يكتبه بحسب هواه؟ أم عجز ربكم عن حفظها؟). ونسخ كتاب الوحي هي ما أخذ عنها المصحف الحالي، والمتداول بين أيدينا اليوم، فمن أين أتوا برسم المصحف إن كان رسمه توقيفيا على الوحي؟.

untitled-1897878783.png (1235×227)


  #10  
قديم 07-11-2018, 04:42 AM
المدير
 Egypt
 Male
 
تاريخ التسجيل: 16-12-2013
الدولة: القاهرة
العمر: 51
المشاركات: 6,715
معدل تقييم المستوى: 10
جند الله تم تعطيل التقييم
افتراضي النسخة الرابعة (الجنية) من الكتب المنزلة:

النسخة الرابعة (الجنية) من الكتب المنزلة:
[النسخة الرابعة] نسخة أصل جنية؛ وهي التي نسخها الأنبياء من قبل، والنبي صلى الله عليه وسلم للجن المسلم، واستنسخها نساخ الوحي من الجن المسلم، وهي بدون أدنى شك؛ محفوظة لديهم سليمة، وهذا بما أتاهم الله تبارك وتعالى من خصائص يستطيعون بها حفظها من الضياع، ومن التلف، ومنع الشياطين من الوصول إليها، فلا يطلع عليها إلا من شاء الله عز وجل.

بل يوجد لدى الجن النسخ الأصلية من جميع الكتب السابقة، سليمة من التحريف، لم يمسسها سوء، بدليل إقرار الجن بأن القرآن أنزل مصدقا لما في التوراة، أي ليس بينهما اختلاف، كما في قوله تبارك وتعالى: (قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ) [الأحقاف: 30]، فنسخة التوراة التي بين أيدي الجن المسلم مصدقة لما في القرآن، وموافقة له، وهذا دليل أنها محفوظة لديهم، سليمة من التحريف، بدليل شهادتهم بأنفسهم، وإقرار القرآن الكريم لصحة شهادتهم، وهذا يعني أن نسخة هؤلاء الجن من التوراة تخالف كل النسخ التي في أيدي أهل الكتاب اليوم، بدليل أن القرآن كشف كثيرا من تحريف ما بين أيديهم من الكتاب.

حين يستشهد القرآن بما في التوراة، أو الإنجيل، كما في قوله تعالى: (قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) [آل عمران: 93]، وقوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ۗ ) [المائدة: 68]، فإنه لا يشير على الإطلاق إلى النسخ التي كتبوها بأيديهم بما فيها من تحريفات، فلا يمكن الاستشهاد بالباطل على الحق، لأن نسخهم مجرد ترجمات عديدة، لا تطابق إحداها النسخة الأصلية، ولا يمكم مضاهاتها على الأصلية لأنها مفقودة، بل ولا تطابق ترجماتهم بعضها بعضا، ففيها اختلافا كثيراً، لأنها من عند بشر، لا من عند الله تعالى، مصداقا لقوله: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [النساء: 82]، فمن المحال أن يستشهد الله عليهم بما كتبوه بأيديهم ويدعون أنه من عند الله، وما هو من عند الله، وإنما يستشهد القرآن على أهل الكتاب من الإنس، والجن، بما في النسخ الأصلية الأربع من التوراة والإنجيل، كما أنزلها رب العالمين، والتي لم تطالها يد التحريف، وخاصة النسخة الثالثة، والرابعة.



ولكنهم كاذبون لا يريدون الحق ولا يبصرونه، فلا يعملون عقولهم ليدركوا ما حرفه أجدادهم وآبائهم الأقدمون، فهم يرون كتبهم كاملة غير ناقصة، وسليمة لم تطالها يد التحريف بالزيادة والنقصان، والتغيير والتبديل. فكل فرد من ملتهم؛ بحاجة إلى مراجعة كتابه، وتصفيته وتنقيته من كل شبهة


untitled-1897878783.png (1235×227)


موضوع مغلق


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


Facebook Comments by: ABDU_GO - شركة الإبداع الرقمية
الساعة الآن 09:48 AM بتوقيت الرياض

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO Designed & TranZ By Almuhajir
new notificatio by 9adq_ala7sas

جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة لمنتدى آخر الزمان©