بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ

(وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ) [النمل: 82]
منتـدى آخـر الزمـان  

العودة   منتـدى آخـر الزمـان > القسم الإداري > المواضيع المكررة

المواضيع المكررة
يحفظ كل موضوع تم نشر موضوع مماثل له مسبقا.

               
 
  #1  
قديم 01-23-2014, 12:28 AM
عضو
 Morocco
 Male
 
تاريخ التسجيل: 19-12-2013
الدولة: DRT
المشاركات: 1,003
معدل تقييم المستوى: 7
مسلم is on a distinguished road
افتراضي الرجل الاسطورة [الجزء الثاني]

لذلك جاءت الديانات الوثنية كمرحلة انتقالية، ما بين الديانات المحرفة، وبين ديانة السحر. والفارق بينهم، أن رجال الديانات والمذاهب المحرفة، والفرق الضالة، والصوفية، والقسيسين، والرهبان، والحاخامات، وعلماء السوء، قد جعلوا من أنفسهم وسطاء بين أتباع ملتهم وبين الله، فاسخطوا الله عليهم. ولأنهم لم يشاءوا الجهر بعبادتهم للشيطان، بل لعنوا الشيطان وحقروا من شأنه، حتى أضحوا شركاء في عبادة الشيطان من دون الله، لذلك لم ينالوا رضاه. لكنه اكتفى منهم بسخط الله عليهم، فأضفى عليهم الفوائق، ليسبغ عليهم حلة من القدسية والمهابة، ليصيروا رجالاً خارقين وأسطوريين في أعين أتباعهم، حتى أطلق الناس عليهم ألقابًا تأليهية، كلقب (السيد)، و(القديس). وهذا المدد الشيطاني، لا المنحة الشيطانية، فالشيطان لا يهب، ولا يمنح شيء بدون مقابل، فقد تسلط بمدده عليهم، باعتبارهم صاروا بذلك رسلاً للشيطان، لا دعاة الرحمن، ليضل بهم الكثيرين بعد أن صاروا آلهة صغيرة تمشي على الأرض، وأوثانًا تعبد من دون الله.
بينما في الديانات الوثنية عبدت الآلهة المتعددة باعتبارها وسيط بين العابد وربه، قال تعالى: أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر: 3]، فالأوثان المعبودة سواء كانت بشرًا، أو حيوانات، أو سماء، أو كواكب، أو أنهار، إلى آخر ما هنالك من معبودات لا حصر لها، فقد صنعوا لكل واحد من هذه الأوثان صنمًا، أي تماثيل تمثل التصور الأسطوري لهذه الآلهة، وما هي في حقيقتها إلا مجرد وسيط مادي تتجسد عليه الشياطين، فعبدوا هذه التماثيل، ليتم بذلك عبادة الشيطان بشكل غير مباشر، قال تعالى: إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا [النساء: 117]، فعن أبي بن كعب قال: (مع كل صنم جنية).() فآمنوا بأساطير الآلهة والسحر، قال تعالى: وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ [العنكبوت: 25].

وبالإضافة إلى تبرأ بعضهم من بعض يوم القيامة، فقد اتخذوا عبادة الأصنام مودة بينهم وبين بعضهم البعض، ومودة بينهم وبين الشياطين المعبودين من خلف هذه الأصنام، فعبدوا الشيطان عبادة غير مباشرة، واتخذوا من الأصنام وسائط تعبدية، ولأن عبادتهم هذه لا ترقى لمستوى يتكافأ والعبادة المباشرة، لذلك فهي من أدنى درجات الولاية بين العابدين وبين الشيطان، فلا زال أمامهم الكثير حتى يسجدوا للشيطان سجودًا مباشرًا، لذلك يتبرأ منهم الشيطان في الحياة الدنيا قبل الآخرة، فلا يلبي طلباتهم إلا من خلال وسيط يتعبدونه عبادة مباشرة، وهم طبقة السحرة والكهنة، فجعل منهم كائنات أسطورية.

رغم بطلان عبادتهم هذه، إلا أنه في خضم زحام تعدد هذه الآلهة المختلفة، ما زال الله عز وجل عالقًا في ذاكرتهم، والشيطان يقف عاجزًا أمام هذا التعلق، فيذكرونه في الملمات وينسون ما يشركون، قال تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ [الأنعام: 40، 41]، حيث يتخلى عنهم الشيطان عند المحن الربانية، والتي لا ينجي الهالكين منها إلا الله عز وجل وحده، لتتلاشى قدسية الأوثان المزعومة، وتنكشف سوءة الشيطان بعجز فوائقه عن مواجهة الخوارق والتصدي لها، فالشيطان قد يستطيع بفوائقه معالجة الأمور، لكنه يعجز تمامًا عن جعلها مجدية، فقد يعالج مريضًا بتعاطي أسباب الشفاء، لكن باعتباره مخلوق؛ فهو لا يملك جدوى هذه الأسباب وشفاءه.

وأما الكهنة باعتبارهم يمثلون وسطاء بين الآلهة وبين المتعبدين، صاروا يمثلون بذلك وسيط الوحي الشيطاني، يتلقون تعاليم الآلهة، ثم ينقلونها إلى المتعبدين، أي أنهم يتلقون تعاليم شياطين الجن. فأجرى الشيطان الفوائق على أيدي الكهنة، ليس لتأييدهم ودعمهم، ولكن لتأييد رسالتهم الشيطانية، ودعم أركان الضلالة وترسيخها في أنفس المشركين، ولإكساب تعليماته المصداقية أمام رواد المعابد الوثنية. فصار الكهنة بذلك رجالاً أسطوريين، يفزع إليهم في الملمات والمصائب، ويرهب جانبهم، حتى أن رهبتهم هذه قد تصل إلى قلوب الملوك والحكام، بصفتهم نواب عن الآلهة وممثلين لها، ولكنهم لا يزالون باعتبارهم مجرد وسطاء الشيطان، يشكلون حاجزًا كبيرًا بين الناس وبين الشيطان، ويحولون بينهم وبين العبادة المباشرة، والتي يتفرد بها هؤلاء الكهنة والسحرة، وهذا ما لا يرضي غرور الشيطان، وينازع طموحه بإفراد العبودية له من دون الله تبارك وتعالى، ولكنه يكتفي بهذا منهم، في مقابل شططهم عن الدين الحق وإقصاءهم عنه.

أما في ديانة السحر فتتم عبادة الشيطان بلا وساطة وثنية، بشرية كانت، أو غير بشرية، فيصير العابد رجلاً خارقًا بدون وسيط من الإنس، كما في حالة كهنة المعابد الوثنية، لكن هناك وسطاء آخرين من شياطين الجن، يقفون عائقًا بين الساحر وبين معبوده الأكبر إبليس، عليه وعليهم لعائن الله، فيتدرج العابد في العبودية، فيلتزم بتقريب القرابين، حتى ينال شرف السجود تحت قدمي إبليس، وهذه من أكبر الدرجات التي يصل إليها السحرة في سلم الدرجات الشيطانية، فقد صح عن جابر قال: قال رسول الله r: (إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئًا، قال: ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، قال: فيدنيه منه ويقول: نعم أنت)، قال: الأعمش أراه قال: (فيلتزمه)،() فلا تنال هذه المنزلة إلا بعد مكابدة ومشاق صعبة.

فتنبه إلى أن سرايا إبليس لا تشتمل على جنوده من الجن فقط، ولكن تشتمل أيضًا على جنوده من الإنس أيضًا، فكما عبد الناس إبليس، وهو من شياطين الجن، فكذلك عبدوا فرعون، وهو من شياطين الإنس، وإلا صار فهمنا للنصوص قاصرًا، قال تعالى: وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ * فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ [الشعراء: 92: 95]، فتنبه إلى صياغة الآيات الكريمة، والتي يوحي صريح ألفاظها بجو المعركة المنظمة والهادفة في إطار تعبدي، فقال تعالى: أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ اللَّهِ، ثم قوله: هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ يوحي بجو النصر والهزيمة بعيدة المدى، والذي يأمل جنود إبليس الظفر به، ليس في الدنيا فقط، ولكن عشمهم الأكبر يوم يرون العذاب الأليم، وقوله تعالى: وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ، والذي يوحي بوجود نظام عسكري برئاسة إبليس، لذلك فصغار السحرة، وأتباعهم من الشخصيات الإنقيادية، بقيادة الرجال الخارقين والأسطوريين، لا يجب أن نفهم أنهم يتحركون عبثًا بلا أهداف قريبة وبعيدة، أو بلا قيادة خفية تنظم خطواتهمهم، وتخطط لهم وتحركهم بشكل يتفق وخصائص عالم الجن في واقع عالم الإنس.

وهكذا ندرك حقيقة دور الرجل الأسطورة، فبعد أن أتقن الشيطان صياغته وتشكيله، لم يعد مجرد رجل هوائي، بل جندي من جنود إبليس، مسخر من قبله، ومسير لتحقيق أهدافه ومآربه، حيث يتعرض لإجراء عملية غسيل مخ، فمثل هذه العمليات الإجرامية التي تقوم بها الأجهزة الشيوعية وغيرها من الأنظمة المشبوهة، هي نوع من السحر، يستحوذ فيه الشيطان عليه، فيسيره حسب أهداف معينة، بعد أن يتم استفراغ عقله من كل المعتقدات المتعارضة مع الحشو الجديدة، لينضم بعد ذلك في صفوف إبليس وجنوده، قال تعالى: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ [الحشر: 19]، فإذا كانت هذه العمليات تتم بين الإنس فالجن أولى بهذا منهم.
وعلى هذا فكل من أتى بشيء فوق العادة، سواء أكان مشعوذًا يستخدم خفة اليد بمهارة فائقة، أو ساحر سخرته الجن للتسلط على البشر وتعذيبهم، أو جاهل مضلَّل تتلاعب به الأبالسة والشياطين لنقل عدوى الضلال إلى من حوله، فبعد أن يختلط الحق بالباطل، يطلق الناس على كل هؤلاء أولياء الله الصالحين، فترى أثر هذا المعتقد الكامن في أنفسهم يرسم على وجوههم علامات البلاهة والعته، فينظرون إليه وكأن على رؤوسهم الطير، مما يبعث في النفس جراح الأسى والحزن، لوصول هشاشة معتقد المسلمين إلى هذا الحد من الهوس والتخريف، الذي تمكن من استغلاله النافخين في كير الضلالات المستعر، ليتكاثف [الدخان الأسود] ويتصاعد حتى يصير ركامًا يعمي الأبصار، وإن كان هذا هو حال عامة المسلمين، إلا أن خاصتهم من أهل العلم لهم حال آخر مع تلاعب الشياطين.

قال الشيخ عبد القادر الكيلاني رحمه الله: اشتد علي الحر في بعض الأسفار يومًا، حتى كدت أن أموت عطشًا، فظللتني سحابة سوداء، وهب على منها هواء بارد، حتى دار ريقي في فمي، وإذا بصوت يناديني منها؛ يا عبد القادر! أنا ربك. فقلت له: أنت الله الذي لا إله إلا هو؟ فعدل الشيخ عن الاسم المشترك كما يقال: رب الدار، ورب المال، إلى الاسم المختص بالواحد الأحد سبحانه. قال: فناداني ثانيا. فقال: يا عبد القادر! أنا ربك، وقد أحللت لك ما حرمت عليك. قال: فقلت له: كذبت؛ بل أنت الشيطان. قال: فتمزقت تلك السحابة، وسمعت من ورائي قائلاً: يا عبد القادر! نجوت مني بفقهك في دينك، لقد فتنت بهذه الحيلة قبلك سبعين رجلاً. وقيل للشيخ عبد القادر: كيف عرفت أنه الشيطان؟ قال: من حين قال: (أحللت لك) عرفته، لأن بعد رسول الله r لا تحليل ولا تحريم، فنفعه الله بالعلم النافع. قال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية: ما عظمت عبد القادر إلا بكلامه في القدر، وحكايته مع الشيطان. ا.هـ()

لاحظ نسبة الجهل إلى العلم في هذه القصة كبيرة جدًا، عالم واحد فقط، في مقابل سبعين جاهل، نسبة مؤرقة وتبعث على الشجن، وهذا يشعرنا بمدى كثافة [الدخان الأسود]، والذي تغلغل في أنفس الناس، فالشيطان يتصل بشخص واحد في فائقة يحتال بها عليه ليضمه في صفوف جنوده، فالسبعين جاهلاً الذين أحل لهم الشيطان ما حرم الله، بصفتهم صاروا رسل الشيطان وسفراء إبليس، قد أضل بهم الشيطان كثير من الناس، وكله يتم بالفوائق على اعتبار أنها خوارق، فكيف الحال إذا ظهر الشيطان للناس جهارًا نهارًا، يبهرهم بفوائقه، ويزعم أنه رب العالمين، وسيحدث هذا يومًا ما، فأين أنت من المسيح الدجال صاحب أكبر فتنة؟ فعن ابن عمر قال: قال رسول الله r: (ينزل الدجال في هذه السبخة بمرقناة، فيكون أكثر من يخرج إليه النساء، حتى إن الرجل ليرجع إلى حميمه، وإلى أمه، وابنته، وأخته، وعمته فيوثقها رباطًا، مخافة أن تخرج إليه.. ).()

لا مانع أن يجري الله على يد بعض الصالحين شيء من الكرامات، ولكن ما يحدث أن ألسنة الغوغاء تلوك تلك الخوارق، فتضيف إليها بسقيم خيالها المليء بالأحلام والأماني، أو على العكس فقد تنتقص منها استخفافًا بشأنها، بما يخل بقدرها، وهو ما قد يخرجها عن إطارها المحدود ككرامة إلى خارقة توازى معجزات الأنبياء، وأحيانا يفيض الكيل ليصل الغلو في صاحب الكرامة إلى درجة تأليهه، وأحيانًا يحدث أن يجتمع هذا كله معًا، فيتحول الرجل الصالح بهذا إلى رجل أسطوري خارق Supper Man، فإن أصاب أحدهم نازلة من بلاء وعذاب شد الرحال، وضرب الأرض شرقًا وغربًا بحثًا عن ذاك الرجل الأسطورة ذائع الصيت، ليخلصه من معاناته، والحقيقة أنه يبحث عن خيال ووهم، لا وجود له إلا في عقول الناس ومخيلاتهم المريضة، لأن الرجل الصالح ليس من خصائصه تخليص الناس من جملة همومهم ومتاعبهم، ولكنه دور أهل الذكر، كل في تخصصه، فماذا تفيد دعوة الصالحين إذا تركنا التطبب، وركنا على أبواب الصالحين في انتظار دعواتهم المباركة؟ ولكن يجب علينا الأخذ بكل الأسباب المشروعة الدعاء والطب معًا.

لكن لما يئس الناس من إجابة الدعاء، تغافلوا عن أسباب عدم جدواه، فإن لم يهتدوا إلى الدواء الناجع، فعلى الأقل لا يصلحون من أنفسهم، بل يركنوا إلى الخرافة والأسطورة، والاستسلام للدجل والخداع، كمسكن نفسي، فالتواكل هو علامة اليأس من الدعاء، ودليل على سوء الظن بالله تبارك وتعالى، وهو من تزيين الشيطان، الذي استطاع استغلال أحلام الناس ومخاوفهم وأمانيهم، فأدخلهم في نوع من الوحي الشيطاني، بنسج الأساطير الخرافية التي لا يصدقها عقل عاقل، فالناس تبحث عن معجزة تخرجهم من أزماتهم، وهذا لن يحدث، لأنه ضد التوكل، لذلك فالبديل المتاح، والمضاد للمعجزة هو السحر، وهذه هي الفتنة التي يبغيها إبليس، طالما وجد في العقول مساحة معطوبة، تعطل العقل عن العمل بالحد الأدنى من كفاءته، بما يسمح له باستغلال الجهل والخواء العقائدي، ليبر بقسمه على إضلال ذرية آدم وإغوائهم قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ص: 82]، ولما علم هذا الملعون أن لا سبيل له على المخلصين العالمين العاملين استثناهم من قسمه.

إذا كان كل المسلمين هم أولياء لله لا أولياء للشيطان، فالمعالج باعتباره واحد منهم، لا يزيد عنهم في شيء سوى العلم المتخصص في عالم الجن، فإذا أتيح لكل مسلم الحصول على هذا العلم لصاروا جميعًا معالجين، إلا أن صلاح المعالج يضيف إليه الكثير من النجاحات، بالمقارنة بالمعالج الملتزم بمعدل ثابت من التدين، فالصلاح والتقوى يفتحان للمعالج كثير من المغاليق التي أبهمت وأشكلت عليه، قال تعالى: وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ [البقرة: 282]، فالمعالج يتعامل مع عالم غيبي، والإحاطة الكاملة بظروف كل حالة أمر شبه مستحيل، لذلك فالمعالج يبذل جهد فائق في محاولة منه لتحصيل أكبر قدر ممكن من المعلومات المطلوب توافرها عن الحالة التي هو بصدد التعامل معها، وبتكرار المحاولات تترسب لديه خبرات وتجارب خاصة، تجعل من المواجهات المستقبلية أمرًا أكثر سهولة، إذًا فالمعالج مختلف تمامًا عن الرجل الأسطورة، فالدعاء والعمل الصالح هما السلاح الماضي في المعركة ضد الشياطين، وتوفيق المعالج لا يعنى تميزه وتفرده عن سائر الناس بصلاحيات وخواص فائقة، ولكن ما يميز المعالج عن غيره كم الخبرة العملية التي حصل عليها.

ففي الوقت الذي يقف فيه الناس مشدوهين أمام بعض حالات المس، إلا أنها بالنسبة للمعالج المتمرس تعد أمرًا لا يستحق مثل هذه الدهشة، وذاك الانبهار، فلكل حالة أسلوب مختلف في التعامل معها، إذًا فالجهل بخصائص عالم الجن يفرض نظرة خرافية إلى المعالج باعتباره رجل خارق، وهذه النظرة الخرافية تنبه إليها المرتزقة، فتلقفوها ليبتكروا شتى أنواع الشراك الخداعية، وتفننوا في صناعة الدجل لدرجة الحزق والاحتراف، ولا مانع لديهم من تطعيم الدجل ببعض فنون السحر والتنجيم، ليكتسب الدجل سيطرة ونفوذًا في أنفس الناس، فأمام حالة الانبهار، وفي غياب العلم المتخصص تعجز العقول عن استيعاب الفوائق، لتصاب بحالة من الاستسلام والتنبلة، فالعبرة أولاً وأخيرًا بالنتائج المبهرة والملموسة، بغض النظر عن كونها معقولة أم غير معقولة، فالأمر الطبيعي أن العقل سيقف حيالها عاجزًا عن تفسيرها، حيث يتعطل دوره عند هذا الحد، حتمًا؛ لأنه سيواجه واقع اللامعقول.

وذكر سماك بن حرب عن الحجاج فقال: (ولما فرغ منه وسكنه أعجبه إعجابا شديدا فبينما هم ذات يوم في مجلسه إذ أتاه بعض خدمه فأخبره أن جارية من جواريه، وقد كان مائلا إليها، قد أصابها لمم فغمه ذلك، ووجه إلى الكوفة في إشخاص (عبد الله بن هلال) الذي يقال له: صديق إبليس، فلما قدم عليه أخبره بذلك، فقال: أنا أحل السحر عنها، فقال له: افعل. فلما زال ما كان بها قال الحجاج: ويحكم إني أخاف أن يكون هذا القصر مختصرا. فقال له: أنا أصنع فيه شيئًا فلا ترى ما تكرهه. فلما كان بعد ثلاثة أيام جاء عبد الله بن هلال يخطر بين الصفين، وفي يده قلة مختومة، فقال: أيها الأمير تأمر بالقصر أن يمسح، ثم تدفن هذه القلة في وسطه فلا ترى فيه ما تكرهه أبدا، فقال الحجاج له: يا ابن هلال وما علامة ذلك؟ قال: أن يأمر الأمير برجل من أصحابه بعد آخر من أشداء أصحابه، حتى يأتي على عشرة منهم، فليجهدوا أن يستقلوا بها من الأرض فإنهم لا يقدرون، فأمر الحجاج محضره بذلك، فكان كما قال ابن هلال، وكان بين يدي الحجاج مخصرة فوضعها في عروة القلة، ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم، إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ، ثم شال القلة فارتفعت على المخصرة فوضعها، ثم فكر منكسا رأسه ساعة، ثم التفت إلى عبد الله بن هلال فقال له: خذ قلتك والحق بأهلك، قال: ولم؟ قال: إن هذا القصر سيخرب بعدي، وينزله غيري ويحتفر محتفر فيجد هذه القلة، فيقول: لعن الله الحجاج، إنما كان يبدأ أمره بالسحر، قال: فأخذها ولحق بأهله.. ).()

هكذا ترك الناس قوانينهم الطبيعية ولجئوا إلى قوانين الجن وطب الخوارق، وممارسة السحر، فقبلوا الدجل، والذي دخل كل بيت بلا عائق ولا حاجز من ثقافة أو مكانة اجتماعية مرموقة، بل إن الذي يفسح المجال دائمًا لمثل هذا الإثم هم علية القوم وأصحاب السلطة والنفوذ، وليس كما قد نعتقد من أول وهلة، أنهم الجهلاء والفقراء والمعوزون الذين لا يجدون ثمن الدواء إلا بشق الأنفس. ففرعون وهامان كانا من علية القوم، ثراءًا وسلطة وجاهًا، ورغم ذلك تبنوا مولاة الشيطان، وتبنا ممارسة السحر، وفتحوا الباب السحرة، وقد وصل الأمر إلى حد الإكراه والكفر بالله تعالى وزعم الربوبية والألوهية، قال تعالى: إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [طه: 73].

تقول سنوك في كتابها (مكة): ( ..إنه منذ وقت قصير أقيم حفل زار لإحدى الأميرات وهي ابنة الخديوي إسماعيل، وكانت سيدة عجوز مريضة، عالجها أطباء كثيرون، ولكن سيدات الحريم أقمن لها زار ظل قائمًا لمدة أسبوعين قبل وفاتها مباشرة، وقد حصلت على هذا التقرير من شاهد عيان تقول: في المساء حضرت ثلاث نساء وجواريهن، وأخلي الصالون من كل ما به من أثاث، وأجلست الأميرة المريضة في سريرها بالغرفة المجاورة متكئة على الوسائد، وأخذت الاستعدادات اليوم كله وأطلق البخور في كل غرفة من القصر، بينما منعوا الزوار من الخارج، وتجمع الخدم والجواري في الحريم ولم تحو الحجرة كرسيًا (كالمعتاد) بل موقدًا كبيرًا كان يحرق فيه البخور، وجلست الشيخات الثلاث في ملابسهن الحريرية الثقيلة ذات الألوان المختلفة، وقد اشترينها خصيصًا لهذه المناسبة بالذات، وعلى رؤوسهن طرابيش مغطاة بالذهب، فقد أخذن أكثر من مائة جنيه لهذه المناسبة. قمت النسوة الثلاث بالرقص بالتناوب نيابة عن المريضة، وأخذن يضربن طبولهن ويغنين بصوت غريب غير مفهوم، وبعد وقت قصير انحنت رئيستهن على النار وأخذت تتكلم بألفاظ غامضة في حين أن زميلتيها قربن سرير الأميرة من النار في وسط الحجرة ولمسن جسدها بخفة، وكذلك وجهها وذراعيها وظهرها، ثم أخذت الرئيسة تتكلم في صوت عميق مقلدة الرجال كزئير الأسد، وترجمت الكلمات العربية إلى التركية كي تفهمها الأميرة.

وكانت كما يلي: أنا زار، وقد تملكت الأميرة من 15 سنة، وأنا الآن أعلن نفسي، وسأترك الأميرة حتى تعود إليها صحتها. وانفردت سيدتان منهما معًا في الصالون المجاور تتحدثان سويًا لمدة وجيزة، ثم عادتا بعدها وصوتهم هادئ طبيعي كصوت النساء، مخالف لما كان عليه في البدء، ثم أعلن أن الروح قد خرجت وهنأن الأميرة ثم خلعن ملابسهن الحريرية وسقطن على الأبسطة في حالة عصبية تشنجية، بينما وقفت الحريم في خشوع، وقبل أن يغادرون القصر أخذت تتبرك بهن كل الجواري ضعيفات النية، فكانت النسوة تلمس جباههن وتدعو لهن بالخير والعافية.

لم يكن هناك ذبيحة أو كرسي في القصر، ولكن في المساء التالي خرجت من القصر إحدى صديقات الأميرة المقربات وجاريتها التي لم تخرج من الحريم منذ سنوات، ذهبتا ليحضرا الضحية في بيت الكودية أو إلى مكان آخر.

ولابد من أن نذكر أن الطبيب حينما حضر لعيادة المريضة في اليوم التالي وجدها أسوأ حالاً عن ذي قبل فسأل عن السبب ولكنه لم يتلق إجابة، وإحدى قريبات الأميرة المتعلمات بثقافة أوربية بكت كثيرًا أثناء هذه الاحتفالات، لأنها تألمت لحال الأميرة المسكينة التي لن يزيدها هذا البلاء إلا وبالاً، ولكنها ضعيفة الحيلة وسط جمع كبير).()

لذلك فدائمًا ما يبدأ الترويج للسحر والسحرة، من أعلى قمة السلم الاجتماعي، وليس من قاع المجتمع كما قد يعتقد، حيث أن الثراء والسلطة دائمًا ما يتورطان في حماية والتوطيد لمثل هذه الأنواع من الجرائم المارقة. فالدجال دائمًا ما يبحث عمن يدفع له وبسخاء، ويوفر له الحماية للاستطراد في غيه. بينما الفقراء والبسطاء يتأثرون بعلية القوم ويحاكونهم، لتنسج القصص حول البشر الأسطوريين، ومن هنا تبدأ رقعة انتشار الدجل في الاتساع، لتنشأ شخصية الرجل الأسطورة وتتطور في عقول مغلقة على مفاهيم باطلة. فالمهم لديهم النتائج التي ترضي أهواءهم، وبدون أن يهدروا أموالهم، فلا استعداد عندهم للمغامرة بشيء منها كحال الأثرياء.

ففي قصة سحرة فرعون وموسى، انتظر الناس الغلبة والنصر حتى يتبعوا الحق، فلم يعتبروا بكلمة الحق، قال تعالى: وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُم مُّجْتَمِعُونَ * لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ [الشعراء: 39، 40]، فلم يأخذوا بزمام العقل، بل بالنتائج المادية الملموسة. ورغم ذلك لم يؤمن مع موسى إلا القليل على خوف من فرعون وملئهم الذين كانوا يحمون السحرة، قال تعالى: فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ [يونس: 83]. وفي نفس الوقت كان السحرة في انتظار الأجر والمكافأة إن كانوا هم الغالبين، قال تعالى: وَجَاء السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإَنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ [الأعراف: 113، 114]. إذًا فالمال يجلب السحرة ويجذبهم، بينما السلطة تحميهم وتدعمهم.


untitled-1897878783.png (1235×227)


 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


Facebook Comments by: ABDU_GO - شركة الإبداع الرقمية
تابعونا عبر تويتر تابعونا عبر فيس بوك
الساعة الآن 04:30 AM بتوقيت الرياض

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO Designed & TranZ By Almuhajir
new notificatio by 9adq_ala7sas

جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة لمنتدى آخر الزمان©