بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ

(وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ) [النمل: 82]
منتـدى آخـر الزمـان  

العودة   منتـدى آخـر الزمـان > منتدى جند الله > مناقشة الأبحاث والدراسات > الأبحاث والدراسات

الأبحاث والدراسات
جميع أبحاث ودراسات الباحث: بهاء الدين شلبي.(للاطلاع فقط والمناقشات في قسم مناقشة الأبحاث والدراسات).

               
 
  #1  
قديم 02-25-2014, 02:27 PM
المدير
 Egypt
 Male
 
تاريخ التسجيل: 16-12-2013
الدولة: القاهرة
العمر: 52
المشاركات: 7,975
معدل تقييم المستوى: 10
جند الله تم تعطيل التقييم
افتراضي حصري: ملك جرت الريح بأمره رحلة “ذو القرنين” سليمان بن داود عليهما السلام

حصري: الريح بأمره رحلة القرنين”

ملك جرت الريح بأمره

رحلة "ذو القرنين" سليمان بن داود عليهما السلام

الكاتب: بهاء الدين شلبي.
ادخل الرابط لقراءة الكتاب
http://gondallah.blogspot.com/2008_10_05_archive.html#7249451635523415020

حمل الكتاب ملفين pdf + ward
http://ds4.fileflyer.com/d/023c75ef-0c6b-42b8-bfab-2c8daf6e9a4d/IMtJ/N0NSEBr/gog.rarحمل الكتاب ملف pdf
http://ds7.fileflyer.com/d/40d1dc98-bc3a-4fdb-98b9-6d90d095226d/IMtr/QY8xuAS/king_pdf.rar


الكتاب ملك وحق مشاع على المسلمين جميعا، لمن شاء منهم طباعته ونشره
وللمسلمين جميعا حق التربح منه بالمعرف وبدون إذن مسبق من الكاتب بشرط أن يكون بنفس عنوانه بلا زيادة أو نقصان، وأن يحمل اسم كاتبه، ونفس ما فيه من مادة مكتوبة وصور ورسوم توضيحية بلا زيادة أو نقصان،
ولا أسمح لأحد بالاقتباس أو النقل أو النسخ من هذا الكتاب إلا بذكر اسم الكتاب مرفقا باسم الكاتب.
ومن خالف شروطي هذه أو احتال عليها فحسابه على الله رب العالمين، يقتص منه في الدنيا والآخرة.
بهاء الدين شلبي


استدراكا على الكتاب راجع بحثي بعنوان
نبوة “ذي القرنين”

يتبــع



untitled-1897878783.png (1235×227)


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 03-03-2015, 06:53 PM
المدير
 Egypt
 Male
 
تاريخ التسجيل: 16-12-2013
الدولة: القاهرة
العمر: 52
المشاركات: 7,975
معدل تقييم المستوى: 10
جند الله تم تعطيل التقييم
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم


المقدمـة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) [آل عمران: 102].

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء: 1].

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 70، 71].

أما بعد: نتناول في هذا البحث قصة "ذي القرنين" من سورة الكهف بالدراسة والتحليل، واتبعت منهجا محددا في هذا البحث، فبعد قراءة الآيات واستيفاء دراسة خلاصة ما قدمه المفسرون من أقوال، قمت بتنحية جميع الإسرائيليات، وكل حديث غير صحيح، ثم بدأت من الصفر بإعادة بناء تفسير الآيات القرآنية، على أساس ما ثبت بنص كتاب الله تعالى، وصحيح السنة المطهرة، وما ثبت باللغة العربية من معاني الكلمات، والألفاظ، والحروف، كمحاولة لأصل إلى دلالات جديدة، بعيدا عن التأثر بأقوال العلماء فيما اختلفوا، عدا المجمع عليه من القول، وتنحية جميع ما يتردد على ألسنة الناس والدعاة من تفسيرات وتصورات. فكان هذا البحث المتواضع ثمرة اجتهاد يصيب ويخطئ، فنسأل الله تعالى القبول والرضا والمثوبة.

وخلص هذا البحث إلى إبراز معلومات جديدة لم يرد بشأنها ذكر في كتب التفسير، أبرزها أن "ذي القرنين" هو لقب لنبي الله "سليمان" عليه السلام، وأنه هو من قام باكتشاف قارة أمريكا واستراليا، واكتشف كروية الأرض، وأنه قام ببناء الأهرامات، وأن وظيفتها سد بوابة قوم "يأجوج ومأجوج"، وأنهما قومان من شياطين الجن. هذا بخلاف مسائل أخرى عديدة يكشف البحث عنها النقاب، ويوضح ما أشكل فيها. لذلك أنصح بقراءة البحث عدة مرات لاستيفاء الربط بين عناصره بشكل تام.


بهاء الدين شلبي
2 شوال 1429



يتبــع

untitled-1897878783.png (1235×227)


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 03-03-2015, 06:58 PM
المدير
 Egypt
 Male
 
تاريخ التسجيل: 16-12-2013
الدولة: القاهرة
العمر: 52
المشاركات: 7,975
معدل تقييم المستوى: 10
جند الله تم تعطيل التقييم
افتراضي


ذو القرنين: اختلف المفسرون في تأويل معنى كلمة (الْقَرْنَيْنِ)، الواردة في قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا) [الكهف: 83]، وأخفقوا جميعا في تحديد هوية (ذِي الْقَرْنَيْنِ)، فذهبوا مذاهب شتى لا تتفق ودلالة النص اللغوية، ولم يتفقوا على قول جامع معتبر، فالمسألة خلافية، حيث لم يقف أحد منهم على تحديد معنى هذا اللقب، ومن يكون صاحبه. ولأن اللغة العربية هي من إعجاز كلام الله تعالى، فإن تأويل القرآن لا يجب أن يستند على مجرد تصورنا الشخصي لظاهر دلالة النص القريبة لأذهاننا، بل يجب دراسة جميع الدلالات اللغوية القريبة والبعيدة لكل كلمة على حدتها، ثم مقارنة مختلف المعاني المقبولة لكل كلمة مع سياق النص، كمحاولة للوصول إلى أبعاد دلالات النص اللغوية.

تناول المفسرون جميع معاني (الْقَرْنَيْنِ)، إلا تفسيرا واحدد مقبولا لم يتطرقوا إليه، وذلك من حديث عبد الله بن مسعود سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس خير؟ قال: (قرني! ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. ثم يجيء قوم تبدر شهادة أحدهم يمينه، وتبدر يمينه شهادته). فجاءت كلمة (قرن) هنا بمعنى (ناس) فيصير قول النبي صلى الله عليه وسلم (قرني) أي (أصحابي) ثم التابعين ثم تابع التابعين.

في لسان العرب (القرن: الأمة تأتي بعد الأمة ... وفي النهاية أهل كل زمان، مأخوذ من الاقتران، فكأنه المقدار الذي يقترن فيه أهل ذلك الزمن في أعمارهم وأحوالهم... والقرن من الناس: أهل زمان واحد.. قال الأزهري: والذي يقع عندي، والله أعلم، أن القرن أهل كل مدة كان فيها نبي أو كان فيها طبقة من أهل العلم، قلت السنون أو كثرت، والدليل على هذا قول النبي، صلى الله عليه وسلم: (خيركم قرني) يعني أصحابي، (ثم الذين يلونهم)، يعني التابعين، (ثم الذين يلونهم)، يعني الذين أخذوا عن التابعين، قال: وجائز أن يكون القرن لجملة الأمة وهؤلاء قرون فيها، وإنما اشتقاق القرن من الاقتران، فتأويله أن القرن الذين كانوا مقترنين في ذلك الوقت والذين يأتون بعدهم ذوو اقتران آخر... وقال سفيان بن حرب للعباس بن عبد المطلب حين رأى المسلمين وطاعتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، واتباعهم إياه حين صلى بهم: ما رأيت كاليوم طاعة قوم، ولا فارس الأكارم، ولا الروم ذات القرون؛ قيل لهم ذات القرون لتوارثهم الملك قرنا بعد قرن، وقيل ذلك لقرون شعورهم وتوفيرهم إياها وأنهم لا يجزونها).

وعلى هذا فإن (الْقَرْنَيْنِ) في الآية يحتملان أنهما أمتين كان يحكمهما "ذو القرنين"، والنبي الملك الوحيد الذي كان يحكم ملئا من أمتين، هو نبي الله سليمان عليه السلام، فكان ملأه فيه صحبة من أمة الجن، وصحبة من أمة الإنس، قال تعالى: (قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَؤُاْ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) [النمل: 38: 40].

فلبى الطلب اثنين من ملأ سليمان عليه السلام أما الأول فكان (عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ)، وأما الآخر فكان (الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ)، ذهب بعض المفسرين إلى أنه رجل من الإنس، هذا وإن كان مذهبي أن الذي عنده علم من الكتاب هو عفريت من الجن أيضا، يتميز على العفريت الأول بأن لديه علم من الكتاب. وفي هذا القول إضافة أوردها ابن كثير في "البداية والنهاية" حيث يقول: (... وقيل هو رجل من مؤمني الجان كان فيما يقال يحفظ اسم الله الأعظم...).

وبالإضافة إلى ملأ سليمان عليه السلام وقرنيه من الجن والإنس، كان له منهما جنود، هذا بالإضافة إلى جنوده من الطير، قال تعالى: (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ) [النمل: 17]. ولا يجوز أن نضيف الطير مع قرنيه من الجن والإنس، لأنهم كائنات غير مخاطبة بالكتب والرسالات.


يتبــع

untitled-1897878783.png (1235×227)


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 03-05-2015, 10:55 AM
المدير
 Egypt
 Male
 
تاريخ التسجيل: 16-12-2013
الدولة: القاهرة
العمر: 52
المشاركات: 7,975
معدل تقييم المستوى: 10
جند الله تم تعطيل التقييم
افتراضي

نبوة "ذي القرنين":
اختلف السلف رضوان الله عليهم، وأهل العلم، في نبوة "ذي القرنين"، ما بين مثبت لنبوته، وبين منكر لها، وممن قال بنبوته (عبد الله بن عمرو، وسعيد بن المسيب، والضحاك بن مزاحم، والفخر الرازي، وابن كثير). أما المنكرون فأتوا بأقوال عجيبة تدعوا للشك في صحة إسنادها إليهم. فلم يتوقفوا عن الحكم في تحديد نبوته، بناءا على حديث يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (... وما أدري ذا القرنين أنبيا كان أم لا؟...).

هذا الحديث صححه الألباني في (السلسلة الصحيحة: 5/251). وأخرجه الحاكم في (المستدرك: 1 / 107) وقال: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولا أعلم له علة ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي. وعنه في (السنن الكبرى: 8/329) قال البيهقي: (وأما الحديث الذي اخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أحمد بن جعفر القطيعي حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أدري تبع ألعينا كان أم لا، وما أدري ذا القرنين أنبيا كان أم لا، وما أدري الحدود كفارات لأهلها أم لا). فهكذا رواه عبد الرزاق عن معمر. (ت) ورواه هشام الصنعاني عن معمر عن ابن أبى ذئب عن الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا. قال البخاري :وهو أصح، ولا يثبت هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الحدود كفارة).

رغم أن أهل العلم صححوا إسناد الحديث، إلا أن متنه محل نظر، نقل البيهقي عن الإمام البخاري قوله: (ولا يثبت هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الحدود كفارة). (السنن الكبرى: 8/329). بينما بعض العلماء كالهيثمي قال: (يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم قاله في وقت لم يأته فيه العلم عن الله ثم لما أتاه قال ما رويناه في حديث عبادة وغيره) (السلسلة الصحيحة: 5/252). وهذا الاحتمال هو مجرد ظن لا يدعمه دليل معتبر، لأن ظاهر الحديث أنه قاله بعد نزول سورة الكهف، والتي بينت طرفا من ملامح نبوة "ذي القرنين" حيث كان مجهولا قبل نزولها، وهذا يرجح صحة قول الإمام البخاري بنفي ثبوت المتن.وهذا النص يتعلق بثلاثة مسائل مختلفة، وصلنا حديثين ينفيان في مسألتين منهما فقط، فيما يتعلق بلعن تبع من عدمه، وتكفير الحدود لأهلها من عدمه، بينما المسألة الثالثة لم يصل إلينا نص ينفي نبوة "ذي القرنين". وهذا خبر محقق لا يدخل في النسخ، لأن النسخ اصطلاحا هو رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر. وقوله: (ما أدري) ليس حكما يتضمن أمرا أو نهيا، ولو دخل في النسخ لكان كذبا.

فقوله: (ما أدري أتبع كان لعينا أم لا؟) فيرده حديث صحيح في (صحيح الجامع) عن سهل بن سعد (لا تسبوا تبعا فإنه كان قد أسلم). وقوله: (وما أدري الحدود كفارات لأهلها أم لا؟) فيرده حديث صحيح أخرجه البخاري في (الجامع الصحيح) عن عبادة بن الصامت قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (أتبايعونني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تزنوا، ولا تسرقوا) - وقرأ آية النساء، وأكثر لفظ سليمان: قرأ الآية – (فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب فهو كفارة له، ومن أصاب منها شيئا من ذلك فستره الله فهو إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له).

في (المحلى بالآثار) الجزء الثاني عشر قال ابن حزم: (والقول عندنا فيه: أن أبا هريرة لم يقل أنه سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الكلام, وقد سمعه أبو هريرة من أحد المهاجرين, ممن سمعه ذلك الصاحب من رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول البعث, قبل أن يسمع عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الحدود كفارة) فهذا صحيح بأنه عليه السلام لا يعلم إلا ما علمه الله تعالى, ثم أعلمه بعد ذلك ما لم يكن يعلمه حينئذ, وأخبر به الأنصار, إذ بايعوه قبل الهجرة, والحدود حينئذ لم تكن نزلت بعد, لا حين بيعة عبادة ولا قبل ذلك, وإنما نزلت بالمدينة بعد الهجرة, لكن الله تعالى أعلم رسوله عليه السلام أنه سيكون لهذه الذنوب حدود, وعقوبات (وإن كان لم يعلمه بها) لكنه أخبره أنها كفارات لأهلها (هذا هو الحق الذي لا يجوز غيره) إن صح حديث أبي هريرة ولم تكن فيه علة).

دراسة الحديث:

إذا حملنا قوله (وما أدري ذو القرنين أنبيا كان أم لا؟) على معنى أنه لا يعلم نبوة "ذي القرنين" من عدمها، فهذا إشكال يفرز شبهة تقتضي وجود نص مبين، وهذا النص غير موجود. هذا على غرار قوله: (ما أدري أتبع كان لعينا أم لا؟)، والذي يرده قوله: (لا تسبوا تبعا فإنه كان قد أسلم). ولأن القرآن والسنة نزلا تبيانا لكل شيء، قال تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) [النحل: 89]، فقد اكتمل الدين وتم، ولم يصلنا من السنة نص ينفي عنه النبوة. لذلك ففهمنا للنص على هذا النحو، دفع المنكرون للطعن به في الدين، حيث لا يصح أن يشكل عليه أمر بدون يبين له ربه ما أشكل عليه بنص آخر، فانتفاء وجود النص المبين يفرض علينا إعادة النظر في المتن لفض الإشكال.

على فرض صحة متن الحديث كما صح سنده، فإن الألف من قوله (أنبيا كان) هي همزة الاستفهام، وحقيقته طلب الفهم، التي دخلت على الإثبات في (نبيا كان)، فسبقت همزة الاستفهام (نبيا)، إذن فهو يشك في حال نبوته الثابتة ضمنيا. وعلى فرض انتفاء ثبوت النبوة لقدم (كان) على (نبيا) فتسبق همزة الاستفهام الفعل (كان) ليسأل: (أكان نبيا أم لا؟)، فيكون الشك في الفعل نفسه، أي الشك في تحقق نبوته من الأصل.

أما قوله (أنبيا كان أم لا؟) فإن (أم) هنا، هي (أم) المتصلة، جاءت قبل (لا) النافية، وتستحق الجواب بالنفي بـ (لا)، أو الإثبات بـ (نعم)، أي نفي الشك أو ثبوته، لأنها مسبوقة بهمزة الاستفهام. ولا يصح أن يكون الجواب بالتعيين، كأن يقال (نبي) أو(رجل صالح). كأن يسأل (أزيد عندك أم لا؟) فالثابت لدى السائل هو وجود زيد عنده، إنما أراد قطع الشك في عدم وجوده، فيكون الجواب بنعم أو لا. هذا خلاف سؤاله (أزيد عندك أم عمرو) فيكون الجواب بالتعيين (عندي زيد).

لبيان وجه الاستدلال هنا سننظر فيما قاله تعالى: (قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ * قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ) [الأنبياء: 59: 63]، فثابت لهم ذكر إبراهيم عليه السلام وعداوته لآلهتهم، بدليل قولهم (قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ)، فهم لا يشكون في عداوته لآلتهم، إنما شكهم في تعيين الفاعل أو غيره، فأرادوا حمله على الإقرار، لينتزعوا منه الاعتراف، فسألوه؛ (أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ)، فيجب أن يكون الجواب بتعيين الفاعل، فبدلا من أن يعين نفسه، نسب الفعل إلى كبير الآلهة (قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا).

قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ) [المائدة: 116]، وهنا يسأل الله تعالى عيسى عليه السلام (أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ)، إن الله سبحانه وتعالى أعلى وأعلم وغني عن سؤاله، فيكون تقدير الجملة؛ إن الناس يزعمون أنك قلت لهم اتخذوني وأمي إلهين من دون الله، فيأتي الاستفهام؛ (أأنت قلت لهم هذا أم لا؟)، إذن فزعم الناس ثابت في حقهم، وإنما الشك في أن يكون المسيح عليه السلام قد قال هذا بالفعل، فيكون الجواب بنعم أو لا، وهو ما نفاه المسيح عليه السلام.

في كلا المثلين السابقين، كان هناك مسوغا معتبرا للشك، ففي قصة إبراهيم عليه السلام، كان مسوغ الشك أنه الفاعل لجهره بعداوته لآلهتهم (قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ) فيكون الجواب بالتعيين هو أو غيره. بينما كان المسوغ المعتبر في قصة المسيح عليه السلام، التحقق من صدق زعم الناس أنه قال (اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ)، فيكون الجواب بثبوت الزعم أو نفيه.

أي أن الثابت لدى النبي صلى الله عليه وسلم هو نبوة "ذي القرنين"، وإنما الشك لديه كان في نفي النبوة عنه، وليس في تحقق النبوة له. لكن هذا الشك في انتفاء نبوته بغير مسوغ معتبر، وغياب المسوغ المعتبر هنا علة تطعن في ثبوت متن الحديث رغم صحة إسناده، فيما اصطلح عليه باسم (تركيب الإسناد) حيث يركب إسناد صحيح على متن موضوع، فإذا كان ظاهر الآيات يثبت نبوته، فإنه لا يوجد مسوغ معتبر بعد الوحي يدعو للشك فيها.

على فرض صحة المتن، فإن عدم ورود نص بياني ينفي النبوة عن "ذي القرنين"، فإن الحكم بنبوته يبقى ثابتا على أصله، ليفقد الشك حيثيته، كأن لم يكن. وعليه لا يصح القول بالتوقف في الحكم بنبوته كما ذهب البعض، إنما يكون التوقف في الشك في نفي نبوته لا في ثبوتها. بدليل أن السلف وأهل العلم لم يتوقفوا في الحكم، وأثبتوا له النبوة مثل: (عبد الله بن عمرو، وسعيد بن المسيب، والضحاك بن مزاحم، والفخر الرازي، وابن كثير).

فقوله (ما أدري) لا يفيد عدم علمه بدلالات نبوته، إنما يفيد شكه في نفيها. فالتوقف في الحكم نبوته يتعارض مع حمل النص على ظاهره، فلا يستقيم أن ظاهر النص يشير إلى نبوته ثم يتوقف عن الحكم بغير مسوغ معتبر يغادر ظاهر النص. والأخذ بظاهر النص هو ما ذهب إليه الكثير من أهل العلم، فحكموا بنبوته، وانتفى الشك لديهم لانتفاء وجود النص البياني لما أشكل عليه.

دلائل نبوة ذي القرنين:
لم يرد نص يبين نبوة الخضر عليه السلام، إلا أن بعض أهل العلم قالوا بنبوته تبعا لظاهر دلالة النص، حيث علم أمورا غيبية لا يعمها أحد إلا بوحي. وهذا يسري على "ذي القرنين" أيضا، حيث سرد نبوءة في نهاية قصة بناء السد من قوله تعالى: (قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا) [الكهف: 98]، ولا يمكن لذي القرنين العلم بهذه النبوءة إن لم يكن نبيا يوحى إليه، خاصة وأنها نبوءة متعلقة بأحد علامات الساعة الكبرى. ويستدل على نبوة "ذي القرنين" من كتاب الله تعالى بما يلي:

الدليل الأول: قوله تعالى: (قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا) [الكهف: 86]. وكلمة (قُل) من قوله تعالى (قُلْنَا) يسميها علماء التفسير واللغة (قل التلقينيه)، و(نَا) عائدة على الله تبارك وتعالى. وهذا تلقين صريح من الله تعالى إلى "ذي القرنين"، والمخاطبة بين الله عز وجل وعبده لا تكون إلا وحيا، أو من وراء حجاب، أو يرسل ملكا فيوحي من خلاله بإذنه ما يشاء، قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) [الشورى: 51].

وإن الوحي بين العبد وربه لا يكون إلا لرسول أو نبي، خاصة إذا كان الموحى به حدودا شرعية وأمرا بالتعذيب أو الإحسان، لأن الحدود هي هدي من الله عز وجل، وهذا التخصيص بالهدي هو التشريعات التي لا تكون إلا لنبي يوحى إليه. قال تعالى: (قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ) [سبأ: 50]. قال تعالى: (كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [الشورى: 3].

أبو حيان في (تفسير البحر المحيط: 7/488) قال: (وظاهر قوله (قُلْنَا) أنه أوحى الله إليه على لسان ملك. وقيل: كلمه كفاحا من غير رسول كما كلم موسى عليه السلام ، وعلى هذين القولين يكون نبيا ويبعد ما قاله بعض المتأولين أنه إلهام وإلقاء في روعه لأن مثل هذا التخيير لا يكون إلا بوحي إذ التكاليف وإزهاق النفوس لا تتحقق بالإلهام إلا بالإعلام. وقال علي بن عيسى: المعنى (قُلْنَا) يا محمد قالوا (يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ) ثم حذف القول الأول لأن ذا القرنين لم يصح أنه نبي فيخاطبه الله ، وعلى هذا يكون الضمير الذي في قالوا . المحذوفة يعود على جنده وعسكره الذين كانوا معه).

حسن النيسابوري في تفسير تفسير (غرائب القرآن ورغائب الفرقان: 5/208) قال: (وقيل: كان نبيا لقوله تعالى: (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ) والتمكين المعتد به هو النبوة، ولقوله (وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا) وظاهره العموم فيكون قد نال أسباب النبوة، ولقوله: (قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا) وتكليم الله بلا واسطة لا يصلح إلا للنبي).

الدليل الثاني: قوله تعالى: (إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا)، فقوله (إِمَّا) الأولى من قوله تعالى: (إِمَّا أَن تُعَذِّبَ) وظيفتها التخيير، فهو مخير بين أن يعذب للمسيء أو يحسن إليه. والتعذيب والإحسان للمسيء، يدخل في جملة الحدود الشرعية كما سبق وبينا، ولا يملك بشر حتى ولو كان نبيا الخيرة في إقامة الحدود إلا بإذن مباشر من الله تعالى، وعليه فالتخيير في إقامة الحدود الشرعية يقتضي نزول وحي به، والوحي من لوازم النبوة، مما دل على أن "ذي القرنين" كان نبي يوحى إليه.

صحح الألباني في (صحيح أبي داود) عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم فيها يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه أسامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أسامة! أتشفع في حد من حدود الله؟) ثم قام فاختطب، فقال: (إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطعت يدها).

لذلك لا يمكن أن يرخص الله تعالى لأحد من البشر الخير في إقامة الحدود الشرعية إلا أن يكون معصوما، والعصمة لا تكون إلا للأنبياء، وإلا طغى فاقد العصمة في تطبيق هذه الرخصة. والشاهد على هذا أن الله تعالى خاطب نبيه سليمان عليه السلام فقال: (هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [ص: 39].

قال ابن كثير في تفسيره: (أي هذا الذي أعطيناك من الملك التام والسلطان الكامل كما سألتنا فأعط من شئت واحرم من شئت لا حساب عليك. أي مهما فعلت فهو جائز لك احكم بما شئت فهو صواب).

فهذه الرخصة لم تثبت إلا في حق نبي سليمان عليه السلام فقط، وهذا استثناء وخصوصية لا أعلم أنها كانت لنبي غيره، لذلك فلقب "ذو القرنين" صفة خلعها الله تبارك وتعالى على نبيه سليمان، فهما اسم وصفة لشخص واحد، وهو نبي الله سليمان بن داود عليهما السلام.

والذي يجزم بأن التخيير في إقامة الحدود الشرعية يقتضي العصمة للحاكم، فإن سليمان عليه السلام سأل ربه (حكما يصادف حكمه)، أي سأل ربه العصمة في الحكم، وهذا من حديث في (صحيح ابن ماجة) عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لما فرغ سليمان بن داود من بناء بيت المقدس سأل الله ثلاثا؛ حكما يصادف حكمه، وملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وألا يأتي هذا المسجد أحد لا يريد إلا الصلاة فيه إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه). فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أما اثنتان فقد أعطيهما، وأرجو أن يكون قد أعطي الثالثة). ولأن العصمة من لوازم النبوة، إذن فإن "ذي القرنين" كان ملكا معصوما بالنبوة.

الدليل الثالث: قال تعالى: (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ) [الكهف: 84]. قد يكون التمكين من الله تعالى في الأرض دنيويا، يستوي فيه المؤمن والكافر، لكن بما أن الثابت هو صلاح "ذو القرنين"، فإن أعظم ما يكون التمكين للرجل الصالح في دينه، لا في دنياه فقط، بدليل أن الله تبارك وتعالى أنزل قصته في كتابه العظيم، وهذا دليل على عظمة التمكين له في الأرض، فوجب أن يحمل معنى التمكين هنا على وجه الكمال لا النقص.

واكتمال التمكين في الدين لا يكون إلا بالآيات الربانية، والمعجزات النبوية، والوحي من الله عز وجل، خاصة إذا اقترن التمكين مع مخاطبة الله تعالى له بالتخيير في إقامة الحدود بالتعذيب أو الإحسان، وهذا من قوله تعالى: (قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا). ومن هذه الآيات طوافه حول الأرض، وبناءه السد بيننا وبين يأجوج ومأجوج، ونبوءته بوعد الله تعالى بجعل السد دكاء، قال تعالى: (قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا) [الكهف: 98].

الألوسي في تفسير (روح المعاني: 16/30) قال: (وقيل: تمكينه بالنبوة وإجراء المعجزات وروى القول بنبوته أبو السيخ في العظمة عن أبي الورقاء عن علي كرم الله تعالى وجهه وإلى ذلك ذهب مقاتل ووافقه الضحاك).

حسن النيسابوري في تفسيره (غرائب القرآن ورغائب الفرقان: 5/208) قال: (وقيل: كان نبيا لقوله تعالى: (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ) والتمكين المعتد به هو النبوة، ولقوله (وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا) وظاهره العموم فيكون قد نال أسباب النبوة، ولقوله: (قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا) وتكليم الله بلا واسطة لا يصلح إلا للنبي).

ابن عادل (تفسير اللباب: 11/10) قال: (قال بعضهم: كان نبيا، لقوله تعالى: (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ) والأولى حمله على التمكين في الدين، والتمكين الكامل في الدين هو النبوة، ولقوله تعالى: (وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا) ومن جملة الأسباب النبوة، فمقتضى العموم أنه آتاه من النبوة سببا، ولقوله تعالى: (يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا) والذي يتكلم الله معه لا بد وأن يكون نبيا. قال ابو الطفيل، وسئل عن ذي القرنين: أكان نبيا أم ملكا؟ قال: لم يكن نبيا، ولا ملكا، ولكن كان عبدا أحب الله، فأحبه الله، وناصح الله فناصحه).

الدليل الرابع: قال تعالى: (وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا) [الكهف: 84]. فالذي آتاه من كل شيء سببا هو الله تبارك وتعالى، أي أن الله تبارك وتعالى اختصه بأسباب التمكين في الأرض، وشتان ما بين من أوتي من كل شيء، وبين من آتاه الله تبارك من كل شيء، فلا وجه للمقارنة بينهما.
فقد آتى الله عز وجل داود وسليمان من كل شيء سببا، قال تعالى: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ) [النمل: 16]، بينما ملكة سبأ أوتيت، قال تعالى: (إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ) [النمل: 23]، وهذا يدل على تخصيص النبيين بأسباب ربانية، وتفردهم بها عن غيرهم من الملوك الذين أوتوا من كل شيء وهم كافرون، فشتان بين الأسباب الدينية والأسباب الدنيوية.

ابن عادل في (تفسير اللباب: 11/13) يقول: (واستدلوا بعموم قوله: (وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا) على أنه كان نبيا كما تقدم، ومن أنكر نبوته قال: المعنى: وآتيناه من كل شيء يحتاج إلى إصلاح ملكه إلا أن تخصيص العموم خلاف الظاهر، فلا يصار إليه إلا بدليل).

والرد على المنكرين، أن التمكين للعبد الصالح يكون في الدين، ومن لوازم التمكين في الدين أن يأتيه الله أسباب التمكين الدينية والدنيوية معا، أما غير الصالح فتكفيه الأسباب الدنيوية فقط، لذلك فوجه تخصيص العموم هنا هو صلاحه وإقامته للدين في مشارق الأرض ومغاربها، والدين يقتضي وجود معجزات تخرق العادات وتمكنه من الطواف حول الأرض وتطوي له الزمان والمكان، وهذا من الأسباب الربانية التي لا تكون إلا لنبي كريم.

الدليل الخامس: قال تعالى: (كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا) [الكهف: 91]، وقوله (أَحَطْنَا) أي حفظنا وتعهدنا (بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا) أي بما عنده من علم، فيكون معنى الآية أن الله تعالى تعهد بحفظ ما لديه من علم، والعلم الذي يتكفل الله تعالى بحفظه هو علم الغيب، والوحي المنزل على الأنبياء والمرسلين، وعلى هذا فدلالة هذه الآية تقطع بنبوة "ذي القرنين" لمن تدبر معانيها ودلالتها اللغوية وربطها بآيات القرآن الكريم، وهذا ما سأشرحه مفصلا.

في لسان العرب: (حوط: حاطه يحوطه حوطا وحيطة وحياطة: حفظه وتعهده... وحاطه الله حوطا وحياطة، والاسم الحيطة والحيطة: صانه وكلأه ورعاه).

في لسان العرب: (لدى: الليث: لدى معناها عند، يقال رأيته لدى باب الأمير، وجاءني أمر من لديك أي من عندك ... وفي التنزيل العزيز: هذا ما لدي عتيد؛ يقول الملك يعني ما كتب من عمل العبد حاضر عندي).

في لسان العرب: (والخِبْرُ والخُبْرُ والخِبْرَةُ والخُبْرَةُ والمَخْبَرَةُ والمَخْبُرَةُ، كله: العلم بالشيء؛ تقول: لي به خبر، وقد خبره يخبره خبرا وخُبْرةً وخِبْرًا واخْتَبَرَهُ وتَخَبَّرهُ، يقال: من أين خبرت هذا الأمر أي من أين علمته؟ وقولهم لأَخْبُرَنَّ خُبْرَكَ أي لأعلمن علمك، يقال: صدق الخَبَرُ الخُبْرُ).

وقد تكرر في (سورة الجن) ذكر إحاطة الله بما لدى المرسلين، من علم استأثرهم به من غيبه، وبما أنزل عليهم من نبوات ورسالات، فتكفل بحفظ الرسالة وحفظ الرسل من الملائكة الذين كلفهم بتبليغها إلى المرسلين، حتى يضمن الله تعالى تبليغ رسالته دون أن يسبق إلى علمه أحد من الجن أو الإنس إلا من ارتضى من رسول، لتقام الحجة على خلقه المخاطبين بالوحي.

قال تعالى: (قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا * إِلاَّ بَلاَغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا * حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا * قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيب مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا * عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا * لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا) [الجن: 22: 28].

والشاهد من الآيات السابقة المترابطة المضمون، قوله تعالى: (وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ)، تكررت مع قصة ذي القرنين، من قوله تعالى: (كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا) [الكهف: 91]، مع إضافة قوله (خُبْرًا)، والتي تعنى العلم، فأي نوع من العلم قد أحاط به الله وحفظه؟ سنجد تفصيل هذا العلم في مدلول هذه الآيات، وهو علم الغيب الذي اختص الله به المرسلين والأنبياء، وهذا من قوله تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ).

وإحاطة الله تعالى وحفظه علم الغيب النازل به رسله من الملائكة كان بالشهب الراصدة لقوله تعالى: (إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا)، وكان الشهاب الرصد يصيب مسترق السمع من شياطين الجن، حتى لا تسبق الجن بعلم الوحي قبل أن توحي به الملائكة إلى من ارتضى الله تعالى من المرسلين والأنبياء. وهذا ظهر جليا في قصة وفاة سليمان عليه السلام، قال تعالى: (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ) [سبأ: 14]. لذلك لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل عليه الوحي، شددت الحراسة في السماء لحفظ الوحي من مسترق السمع من الجن، فمن يسترق السمع يجد له شهابا رصدا، قال تعالى: (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا * وَأَنَّا لاَ نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا) [الجن: 8: 10].

الدليل السادس: واصل ذو القرنين رحلته من مطلع الشمس حتى (بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ)، فوجهته كانت محددة مسبقا، ولقد كان ذو القرنين على علم بوجود السدين، قبل انطلاقه إليهما، وعلى علم كذلك بما كان بينهما من مدخل "يأجوج ومأجوج"، فقوله (حَتَّى إِذَا بَلَغَ)، يفيد أن هدفه كان بلوغ (بَيْنَ السَّدَّيْنِ)، فقوله (حَتَّى) حرف جر لانتهاء وغاية، و(إِذَا) ظرفا للمستقبل متضمنة معنى الشرط، لأنه جاء بعدها فعل ماضي (بَلَغَ)، ولو جاء اسم بعد (إِذَا) لكانت وظيفتها المفاجأة، كأن يقول (حتى إذا السدين)، هذا مما يدل على أن ذي القرنين كان على علم مسبق بوجود السدين، وكأن ذهابه إلى ما بين السدين كان أشبه برحلة تفقدية لما بينهما. بل كان على علم مسبق بجميع المناطق التي بلغها، لتكرار نفس الصيغة، لقوله تعالى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ)، و(حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ)، و(حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ).

كذلك تكرر دخول (حَتَّى إِذَا) ثلاث مرات في قصة موسى مع الخضر عليهما السلام، قال تعالى: (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا) [الكهف: 71]، قال تعالى: (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاَمًا فَقَتَلَهُ) [الكهف: 74]، قال تعالى: (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ) [الكهف: 77]. وفي نهاية المطاف أقر الخضر عليه السلام أن كل ما فعله ما كان عن أمره (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي) [الكهف: 82]، مما يشير أنه كان نبيا أوحي إليه مسبقا أمرا بخرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار. وهذا التوافق في الصياغة اللغوية، مما يشير إلى أن "ذي القرنين" أوحى الله إليه مسبقا خبر الأقوام الذين انطلق إليهم، فلم يكن لقاءه بهم غير مقصود منه، مما يثبت أنه كان نبيا كما كان الخضر وسليمان عليهما السلام أنبياء.

لذلك قال له القوم (إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ) على سبيل الشكوى منهم والتضرر من إفسادهم، لا على سبيل إخباره بما يجهل من أمرهما. وهذا يلزم منه أن "ذي القرنين" كان على علم مسبق بإفساد "يأجوج ومأجوج" في الأرض، وأنه انطلق صوبهم لردعهم، ووضع حد حاسم لإفسادهم في الأرض، فقام ببناء السد الثالث).

الدليل السابع: قال تعالى: (قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا) [الكهف: 98]. فهذه نبوءة غيبية متعلقة بأحد علامات الساعة الكبرى تثبت أنه نبي يوحى إليه، والغيبيات بشكل عام، وعلامات الساعة بوجه خاص، لا يعلمها إلا الرسل والأنبياء، قال تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا) [الجن: 26، 27].

ذكر من قالوا بنبوة "ذي القرنين":
1- ابن كثير في (البداية والنهاية: 2/3) قال: (والصحيح أنه كان ملكا من الملوك العادلين وقيل كان نبيا). وفي (البداية والنهاية: 2/7) قال: (فإن الأول كان عبدا مؤمنا صالحا، وملكا عادلا، وكان وزيره الخضر، وقد كان نبيا على ما قررناه قبل هذا).

2- الألوسي في (روح المعاني: 11/383) وفي (روح المعاني: 16/25) قال: (وفي كتاب صور الأقاليم لأبي زيد البلخي أنه كان مؤيدا بالوحي).

3- أبو الفرج ابن الجوزي في تاريخه (المنتظم في تاريخ الملوك والأمم: 1/287) قال: (واختلفوا هل كان نبيا أم لا. فقال عبد الله بن عمرو وسعيد بن المسيب والضحاك بن مزاحم: كان نبيا. وخالفه الأكثرون في هذا، فروينا عن علي رضي الله عنه أنه قال: كان عبدا صالحا أمر قومه بتقوى الله، لم يكن نبيا ولا ملكا. وقال وهب: كان ملكا ولم يوحى إليه. وقال أحمد بن جعفر المنادي: كان على دين إبراهيم).

4- ابن حجر في (فتح الباري: 6/441) قال: (قال الفخر الرازي في تفسيره: كان ذو القرنين نبيا... وقد اختلف في ذي القرنين فقيل كان نبيا كما تقدم، وهذا مروي أيضا عن عبد الله بن عمرو بن العاص وعليه ظاهر القرآن).

5- السمرقندي في (بحر العلوم: 3/59) قال: (وقال عكرمة : كان ذو القرنين نبيا ولقمان نبيا والخضر نبيا ، وروى مجاهد ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص كان ذو القرنين نبيا؛).

6- الغزالي (إحياء علوم الدين: 1/70) قال: (وقال صلى الله عليه و سلم (ما أدري أعزير نبي أم لا وما أدري أتبع ملعون أم لا وما أدري ذو القرنين نبي أم لا)، حديث (ما أدري أعزير نبي أم لا) الحديث أخرجه أبو داود والحاكم وصححه من حديث أبي هريرة، ولما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خير البقاع في الأرض وشرها قال: (لا أدري) حتى نزل عليه جبريل عليه السلام فسأله فقال: (لا أدري) إلى أن أعلمه الله عز و جل أن خير البقاع المساجد وشرها الأسواق، حديث لما سئل عن خير البقاع وشرها قال: (لا أدري) حتى نزل جبريل الحديث أخرجه أحمد وأبو يعلى والبزار والحاكم وصححه ونحوه من حديث ابن عمر. وكان ابن عمر رضي الله عنهما يسأل عن عشر مسائل فيجيب عن واحدة ويسكت عن تسع، وكان ابن عباس رضي الله عنهما يجيب عن تسع ويسكت عن واحدة، وكان في الفقهاء من يقول لا أدري أكثر مما يقول أدري، منهم؛ سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وأحمد بن حنبل، والفضيل ابن عياض، وبشر بن الحرث).

7- طاهر بن عاشور في (التحرير والتنوير: 1/3785) يقول: (وقد جاء في القرآن تسمية خمسة عشر رسولا وهم: نوح، وإبراهيم، ولوط، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وهود، وصالح، وشعيب، وموسى، وهارون، وعيسى، ويونس، ومحمد صلى الله عليه وسلم، واثنا عشر نبيا وهم: داود، وسليمان، وأيوب، وزكريا، ويحيى، وإلياس، واليسع، وإدريس، وآدم، وذو الكفل، وذو القرنين، ولقمان، ونبيئة وهي مريم). وقوله (ونبيئة وهي مريم) محل نظر! والله أعلم.

8- أبو حيان في (تفسير البحر المحيط: 7/488) قال: (وظاهر قوله (قُلْنَا) أنه أوحى الله إليه على لسان ملك. وقيل: كلمه كفاحا من غير رسول كما كلم موسى عليه السلام ، وعلى هذين القولين يكون نبيا ويبعد ما قاله بعض المتأولين أنه إلهام وإلقاء في روعه لأن مثل هذا التخيير لا يكون إلا بوحي إذ التكاليف وإزهاق النفوس لا تتحقق بالإلهام إلا بالإعلام. وقال علي بن عيسى: المعنى (قُلْنَا) يا محمد قالوا (يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ) ثم حذف القول الأول لأن ذا القرنين لم يصح أنه نبي فيخاطبه الله ، وعلى هذا يكون الضمير الذي في قالوا . المحذوفة يعود على جنده وعسكره الذين كانوا معه).

9- ابن الجوزي في (زاد المسير: 5/184) قال: (واختلفوا هل كان نبيا أم لا؟ على قولين أحدهما أنه كان نبيا، قاله عبد الله بن عمرو والضحاك بن مزاحم. والثاني أنه كان عبدا صالحا ولم يكن نبيا ولا ملكا قاله علي عليه السلام وقال وهب: كان ملكا ولم يوح إليه).

10- ابن عادل (تفسير اللباب: 11/10) قال: (قال بعضهم: كان نبيا، لقوله تعالى: (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ) والأولى حمله على التمكين في الدين، والتمكين الكامل في الدين هو النبوة، ولقوله تعالى: (وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا) ومن جملة الأسباب النبوة، فمقتضى العموم أنه آتاه من النبوة سببا، ولقوله تعالى: (يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا) والذي يتكلم الله معه لا بد وأن يكون نبيا. قال ابو الطفيل، وسئل عن ذي القرنين: أكان نبيا أم ملكا؟ قال: لم يكن نبيا، ولا ملكا، ولكن كان عبدا أحب الله، فأحبه الله، وناصح الله فناصحه).

11- ابن عادل في (تفسير اللباب: 11/13) يقول: (واستدلوا بعموم قوله: (وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا) على أنه كان نبيا كما تقدم، ومن أنكر نبوته قال: المعنى: وآتيناه من كل شيء يحتاج إلى إصلاح ملكه إلا أن تخصيص العموم خلاف الظاهر، فلا يصار إليه إلا بدليل).

12- والنيسابوري في تفسيره (غرائب القرآن ورغائب الفرقان: 5/208) يقول: (وقيل: كان نبيا لقوله تعالى: (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ) والتمكين المعتد به هو النبوة، ولقوله (وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا) وظاهره العموم فيكون قد نال أسباب النبوة، ولقوله: (قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا) وتكليم الله بلا واسطة لا يصلح إلا للنبي).



يتبــع

untitled-1897878783.png (1235×227)



التعديل الأخير تم بواسطة جند الله ; 03-05-2015 الساعة 10:58 AM
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 03-05-2015, 11:00 AM
المدير
 Egypt
 Male
 
تاريخ التسجيل: 16-12-2013
الدولة: القاهرة
العمر: 52
المشاركات: 7,975
معدل تقييم المستوى: 10
جند الله تم تعطيل التقييم
افتراضي

أوجه الشبه بين "ذي القرنين" و"سليمان" عليه السلام:
بخلاف ما ذكرناه عن لقب "ذي القرنين"، هناك أوجه شبه كثيرة بين ملامح شخصيته وبين نبي الله "سليمان" عليه السلام، مما يدعم القول بأنهما شخص واحد، خاصة وأن "ذي القرنين" لقب يحتمل وجود اسم لحامله، بينما "سليمان" اسم علم يحتمل وجود لقب أو كنية له، فأن يجتمعان لشخص واحد فهذا غير ممتنع ولا مستبعد، لذلك يجب أن نبحث عن أوجه الشبه بين صاحب اللقب، وصاحب الاسم، وخصوصا ما اختص الله به نبيه "سليمان" عليه السلام من خصائص لا تنبغي لأحد من بعده، كتسخير الريح، وشياطين الجن، وما شيدته له الجن من منشئات، أو ما لم يسبقه أحد إليه كإسالة عين القطر.

وبخلاف ما سوف أورده من أوجه شبه بين الشخصيتين، فسوف يتضمن البحث جملة من التفاصيل الهامة عن رحلة "ذو القرنين"، وعن بناءه السد، والتي لا يمكن إيجازها في نقاط يسيرة، بل تحتاج إلى كلام مفصل بالأدلة المسهبة، لذلك سأوجز بعض الأمور المتشابهة بينهما، لمجرد لفت الانتباه إلى أهمية مراعاة أوجه الشبه بين الشخصيتين، أجمل طرفا منها فيما يلي، وهناك ما هو أكثر في البحث:

ـ ملكان نبيان:
ذو القرنين كان ملكا نبيا، يتلقى الوحي من الله تعالى، بدليل قوله تعالى: (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ) [الكهف: 84]. قال ابن كثير (أي أعطيناه ملكا عظيما ممكنا فيه من جميع ما يؤتى الملوك من التمكين والجنود وآلات الحرب والحصارات ولهذا ملك المشارق والمغارب من الأرض، ودانت له البلاد وخضعت له ملوك العباد وخدمته الأمم من العرب والعجم ...).

وفي قوله تعالى: (قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا) [الكهف: 86]. هذا دليل على تلقيه وحي من الله تعالى يحكمه في الناس، وهذا يوافق الدعاء من الحديث الصحيح في حديث سليمان عليه السلام: ‏(وأسألك حكما يوافق حكمك).

سليمان عليه السلام كان ملكا نبيا، قال تعالى: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ) [ص: 35]. فإن بلغ ملك "ذي القرنين" مشارق الأرض ومغاربها، فلن يتجاوز ملك سليمان عليه السلام، وإلا فهما شخص واحد.

ـ أوتيا من كل شيء:
"ذو القرنين" آتاه الله تبارك وتعالى من كل شيء سببا، قال تعالى: (وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا) [الكهف: 84].

سليمان عليه السلام أوتي هو وداود عليه السلام من الله تعالى من كل شيء، قال تعالى: (وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ) [النمل: 16].

ـ سلطهما الله على شياطين الجن:
قام "ذو القرنين" بحبس "يأجوج ومأجوج" تحت السد، وسوف نعلم مفصلا أنهم قوم ملعونون من شياطين الجن، قال تعال: (قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا) [الكهف: 94].

سخر الله تعالى الشياطين لسليمان عليه السلام، فكان يصفدهم ويعذبهم، قال تعالى: (وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ) [ص: 37، 38]. وقال تعالى: (وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ) [سبأ: 12].

ـ طافا العالم:
سافر "ذو القرنين" حول العالم، إلى مغرب الشمس، ومنها إل مطلع الشمس، ومنها إلى بين السدين، قال تعالى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ) [الكهف: 85]، قال تعالى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ) [الكهف: 90]، قال تعالى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ) [الكهف: 93].

سخر الله تعالى الخيل ذوات الأجنحة لسليمان عليه السلام، قال ابن كثير في تفسيره: (وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار حدثنا مؤمل حدثنا سفيان عن ابيه سعيد بن مسروق عن إبراهيم التيمي في قوله عز وجل (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ) قال: كانت عشرين فرسا ذات أجنحة كذا رواه ابن جرير). وسوف نشرح هذا مفصلا في موضعه بإذن الله تعالى.

ـ لديهما علم تطويع الحديد:
كان "لذي القرنين" علم تطويع الحديد، وكان علما جديدا، بدليل أنه علم الناس جمع زبر الحديد والنفخ فيه، قال تعالى: (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا) [الكهف: 96].

ورث سليمان داود عليه السلام، قال تعالى(وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ) [النمل: 16]. ومما ورثه عن داود عليه السلام تطويع الحديد، قال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [سبأ: 10، 11].

ـ استخدما القطر:
استخدم "ذو القرنين" القطر وهو النحاس المذاب في تشييد الردم، قال تعالى: (قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا) [الكهف: 96].

أسال الله لسليمان عليه السلام عين القطر، قال تعالى: (وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ) [سبأ: 11].

ـ لهما مشيدات معمارية:
قام "ذو القرنين" بتشييد سد فوق قوم "يأجوج ومأجوج"، قال تعالى: (قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا) [الكهف: 95].

كانت الشياطين تشيد لسليمان عليه السلام الأبنية والمحاريب، والتماثيل والجفان والقدور، وكلها شيدت من الحجارة، قال تعالى: (وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ) [ص: 37]. قال تعالى: (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَاب وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ) [سبأ: 13].

ـ لا يقبلان الهدية أو المال:
عرضوا على "ذي القرنين" خرجا فأبى، ورأى أن ما مكنه الله فيه خير من خرجهم، فنسب ما لديه لله تبارك وتعالى. قال تعالى: (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌٌ) [الكهف: 94، 95].

ولما أرسلت ملكة سبأ بهدية إلى "سليمان" عليه السلام، أبى ورأى أن ما آتاه الله خير من هديتهم. قال تعالى: (فَلَمَّا جَاء سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ) [النمل: 36].

تسخير الريح:
لم تأتي كتب التفسير بنص من الكتاب أو السنة عن كيفية تسخير الريح لسليمان عليه السلام، وهذا من قوله تعالى: (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ) [ص: 36]، بل حوت من الإسرائيليات ما مفاده أن الريح كانت تنقله من مكان إلى الآخر حيث أراد، وهذا قول لا دليل على صحته نقلا، ولا يستقيم عقلا أن تحمله الريح، إلا بمعجزة، والمعجزة تتعارض مع التسخير، فالتسخير يكون وفق وظيفة الريح، أما المعجزة فهي آية من الله تفوق الوظائف المعتادة للريح.
إنما ثبت بالسنة الصحيحة أن الله سخر له خيلا ذوات الأجنحة، فمن المفترض أن وظيفة الخيل أن تحمله حيث يشاء، مما يشهد على أن الريح لم تسخر لنقله على الإطلاق، لأن نقل البشر ليس من وظائف الريح، إنما من وظائف الريح تحريك السحاب، وتلقيح النباتات. ومن يتأمل النصوص المذكور فيها تسخير الريح لسليمان عليه السلام، يتبين له من ظاهر دلالة النص اللغوية، بعدها تماما عن مفهوم حمله من مكان إلى الآخر، قد تكون الريح (تَجْرِي بِأَمْرِهِ)، لكن لم يرد لفظ يشير إلى أنها كانت تحمله أو تنقله.

في قوله تعالى: (حَيْثُ أَصَابَ)، في لسان العرب: (وفي التنزيل (تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ)؛ أي حيث قصد...). كلمة (أَصَابَ) على وزن أَفْعَلَ، فالهمزة هنا زائدة، وتسمى (الألف اليابسة)، من مصدر صوب فقلبت الواو ألفا فصارت صاب.

في لسان العرب: (صوب: الصوب: المطر. صاب المطر صوبا، وانصاب: كلاهما انصب .. وقال الليث: الصب المطر. وصاب الغيث بمكان كذا وكذا، وصابت السماء الأرض: جادتها. وصاب الماء وصوبه: صبه وأراقه؛ أنشد ثعلب في صفة ساقيتين: وحبشيين، إذا تحلبا، قالا نعم، وصوبا ... والصوب مثل الصيب، وتقول: صابه المطر أي أمطر. وفي حديث الاستسقاء: اللهم اسقنا غيثا صيبا؛ أي منهمرا متدفقا). إذن نفهم لغة أن معاني جذر كلمة صاب هي: (صاب الغيث) أي مطر الغيث، (صابت السماء الأرض) أي مطرتها، و(صاب الماء) أي صبه وأراقه، و(صابه المطر) أي أمطر. فإذا أضفنا (الألف) الزائدة في أصاب إلى معاني جذر الكلمة، يصير معناها أمطر بفتح الألف، أي أنزل المطر، فيكون معنى الآية أن الريح تجري بأمره حيث أراد صب المطر.خاصة وأن الله تعالى ربط بين الرياح والسحاب والمطر فقال: (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاء وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) [الروم: 48]. وعلى ما ذكرناه من معنى أصاب، فالشاهد هنا من قوله تعالى: (أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاء) أي أمطر به من يشاء.لا أحد ينزل المطر إلا الله تعالى، فنقول أُمطرنا من الله بضم الألف، أي أنزل علينا المطر من الله. ولأن الله سخر لسليمان عليه السلام الريح، تجري بأمره، فصارت السماء تمطر بإذن وعلم ربه عز وجل، قال تعالى: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ) [الأنبياء: 81]. فوجهة الريح كانت إلى الأرض التي بارك الله فيها، فلن يأمر الريح بالذهاب إلى الأرض المباركة إلا لخير، والخير الذي يصيب أي أرض هو المطر، هذا وإن جاز أن يأمرها بالتوجه بالسحاب إلى أي مكان شاء من العالم.فإن كان سليمان عليه السلام يأمر الريح أن تجري بالسحاب لتروي الأرض حيث أراد أن تمطر، فهذا يتم بإذن الله تبارك وتعالى، كما أن الله تعالى اختص المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام بإحياء الموتى وإبراء المرضى بإذنه، قال تعالى: (وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [آل عمران: 49]. وقال تعالى: (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي) [المائدة: 110]. اقترن ذكر الريح في القرآن الكريم، بذكر السحاب، ومن ثم نزول المطر، هذا بخلاف اقترانها بذكر العذاب.

إذن يفهم من ظاهر النص القرآني، أن الله تعالى سخر الريح لسليمان عليه السلام تجري السحب حيث أراد فتمطر، ويعم الرخاء وسعة العيش. أما أن يفهم من التسخير أنه يركب الريح على بساط ويطير به، فهذه أساطير نسجها اليهود من وحي خيالهم، وأشبه بمزاعم السحرة الذين تحملهم الشياطين فوق البساط السحري والمقشات وتحلق بهم في الفضاء، ولا يوجد نص صحيح أو ضعيف يثبت صحة شيء من تلك الأساطير. والحقيقة أن الريح لا تحمل أحدا من المخلوقات عن الأرض، خاصة إذا كانت (الرِّيحَ عَاصِفَةً) سريعة الحركة، فحتما ستهلك من تحمله. إنما كانت الريح تجري بالسحاب حيث أرادا صيبا أي مطرا، وإلى الأرض التي بارك الله فيها.قال تعالى: (وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [البقرة: 164].قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [الأعراف: 57]. قال تعالى: (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ) [الحجر: 22].قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا) [الفرقان: 48].

قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [الروم: 46].

قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاء وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) [الروم: 48].

قال تعالى: (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ) [فاطر: 9].

سرعة الريح:
وقد تعدد وصف الآيات القرآنية للريح فتارة بأنها (رُخَاء) في لسان العرب: (والرخاء: الريح اللينة). وتارة بأنها (عَاصِفَةً) إذا اشتدت، فالريح وإن كانت تجري بأمره عاصفة شديدة السرعة، إلا أنها كانت ريحا لينة لا تدمر ولا تفسد، وهذه من آيات الله أن تجتمع في الريح الشدة واللين، والقوة والأمن. وقد حددت الآيات القدر الزمني الذي كانت تستغرقه مسيرة الريح، وبدقة متناهية (غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ) قال تعالى: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ) [سبأ: 12]. وعلى هذا يمكننا تقدير سرعة الريح، وبيان المسافة التي كان يمكن أن تقطعها، فإذا فرضنا جدلا أن حصانا يجري بسرعته المقدرة بحوالي 70 كم في الساعة، متواصلا وبدون توقف، وبمعدل سرعة ثابت لا يتغير، وفي خط مستقيم، على أرض مستوية بلا جبال يتسلقها، ولا وديان يهبطها، فإن كانت (الروحة) من الصباح حتى الظهيرة، و(الغدوة) من الظهيرة حتى الغروب تقدر بحوالي 6 ساعات، فإنَّ الحصان سوف يقطع مسافة 420 كم في فترة زمنية قدرها 6 ساعات. وفي اليوم الواحد سيقطع 1680 كم في خلال 24 ساعة، وفي الشهر سيقطع مسافة 50400 كم خلال 30 يوما. ففي حين يقطع الحصان في الروحة أو الغدوة مسافة 420 كم، تكون الريح قد قطعت مسافة 50400 كم، أي ما يزيد عن محيط الكرة الأرضة والذي يقدر بحوالي 075.16 40 كم. نخلص من هذا أن الريح إن كانت تسير بسرعة حصان، فإنه كان يمكنها أن تلف الكرة الأرضية في روحة، أو في غدوة، وهذا دليل على أن السماء كانت تمطر في زمن قصير، وبأمر من سليمان عليه السلام.

الخيل ذوات الأجنحة:

إن السفر بين المشرق والمغرب في زمن مقدر أمر متعذر في تلك الأزمان الغابرة، إلا بآية من الله تبارك وتعالى، ومعجزة يجريها على يد "ذي القرنين"، فيحمله إلى تلك الأماكن بسرعة فائقة. حيث تطول المسافة برا وبحرا، بسبب ما سيعترضه من جبال شاهقة، ووديان سحيقة، وبحار محيطة شاسعة، وأجواء متقلبة، مما يجعل الرحلة شاقة مضنية، وتستغرق زمنا طويلا لا يعلم مداه إلا الله تعالى. لذلك لا يصح أن تتم رحلة "ذو القرنين" بوسائل تقليدية كالتي ينتقل بها سائر البشر من دواب وسفن، بل لابد وأن اختص بوسيلة آتاه الله إياها تعينه على فعل ذلك، قال تعالى: (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا) [الكهف: 84، 85]. ومن هذه الوسائل أن الله تعالى سخر "لذي القرنين" وهو سليمان عليه السلام (الخيل ذوات الأجنحة)، يمتطيها فتنطلق به محلقة في السماء إلى حيث شاء، وهي السبب أي الوسيلة التي كان يصل بها إلى كل بقاع الأرض.في لسان العرب: (السبب: كل شيء يتوصل به إلى غيره؛ وفي نسخة: كل شيء يتوسل به إلى شيء غيره، وقد تسبب إليه، والجمع أسباب؛ وكل شيء به إلى الشيء، فهو سبب. وجعلت فلانا سببا إلى فلان في حاجتي وودجا أي صلة وذريعة).

قال ابن كثير في تفسيره: (وقال عبد الله بن عبيد بن عمير كان سليمان يأمر الريح فتجتمع كالطود العظيم كالجبل ثم يأمر بفراشه فيوضع على أعلى مكان منها ثم يدعو بفرس من ذوات الأجنحة فترتفع حتى يصعد على فراشه ثم يأمر الريح فترتفع به كل شرف دون السماء وهو مطأطئ رأسه ما يلتفت يمينا ولا شمالا تعظيما لله عز وجل وشكرا لما يعلم من صغر ما هو فيه في ملك الله عز وجل حتى تضعه الريح حيث شاء أن تضعه).

ولم يبين عبد الله بن عبيد عمن نقل قوله هذا! ولكن قوله: (يدعو بفرس من ذوات الأجنحة) أي كان لسليمان عليه السلام خيلا بأجنحة، هو قول يوافق ما ورد من حديث عائشة رضي الله عنها في سنن أبي داود قالت: (قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، من غزوة تبوك – أو خيبر – وفي سهوتها ستر، فهبت ريح فكشفت ناحية الستر، عن بنات لعائشة – لعب – فقال: (ما هذا يا عائشة؟) قالت: بناتي! ورأى بينهن فرسا له جناحان من رقاع، فقال: (ما هذا الذي أرى وسطهن؟) قالت: فرس، قال: (وما هذا الذي عليه؟) قالت: جناحان، قال: (فرس له جناحان؟) قالت: أما سمعت: أن لسليمان خيلا لها أجنحة؟ قالت: فضحك حتى رأيت نواجذه).

فسكوت النبي صلى الله عليه وسلم إقرار على ما قالته عائشة رضي الله عنها، على ما سمعته من أنه كان لسليمان عليه السلام خيلا بأجنحة، فإن صح أن سكوت النبي صلى الله عليه سلم عن إقرار، فاختصاص سليمان عليه السلام بهذه الخيول، دليل على تسخيرها له كما سخرت له شياطين الجن، فلم نعهد في دواب البشر ولم نجد في الحفريات أثرا لخيول ذوات أجنحة. فإن كان ذلك؛ فالغالب أنها كانت من خيول الجن، فلم تكن لأحد من بعده، وبموته عليه السلام رجعت من حيث أتت. في حديث صححه الألباني من (مشكاة المصابيح) عن أبي ثعلبة الخشني قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الجن ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف حيات وكلاب، وصنف يحلون ويظعنون). فللجن دواب يركبونها كما للبشر دواب، فلهم منها خيول، قال تعالى: (وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ) [الإسراء: 64]. فقوله للشيطان وهو من الجن (بِخَيْلِكَ) يثبت أن للجن خيول يمتطونها. وبالجمع بين النصين، من أن للجن (صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء) وأن لهم خيل، فلا يمتنع من ذلك وجود خيل مجنحة، سخرها الله تعالى لسليمان عليه السلام.قال ابن كثير في تفسيره: (وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار حدثنا مؤمل حدثنا سفيان عن ابيه سعيد بن مسروق عن إبراهيم التيمي في قوله عز وجل (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ) قال: كانت عشرين فرسا ذات أجنحة كذا رواه ابن جرير.)

وفي الجنة يرزق الله تعالى أولياءه خيولا مجنحة، ففي (البدور السافرة) بإسناد جيد عن عبد الرحمن بن ساعدة قال: كنت أحب الخيل فقلت: يا رسول الله هل في الجنة خيل؟ فقال: (إن أدخلك الله الجنة كان لك فيها فرس من ياقوت له جناحان تطير بك حيث شئت).

وبكل بد فما سمعته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن هذه الخيل المجنحة، وكانت لا تزال صغيرة تلعب، يدل على أنه قول سائد، كان يتردد على ألسنة الناس، فقد سترت سهوة لها بقرام فيه الخيل ذوات الأجنحة.

قالت عائشة رضي الله عنها: (دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سترت سهوة لي بقرام فيه تماثيل، (وفي رواية : فيه الخيل ذوات الأجنحة)، فلما رآه هتكه، وتلون وجهه، وقال: (يا عائشة! أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله، (وفي رواية: إن أصحاب هذه الصور يعذبون، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم)، ثم قال : (إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة)، قالت عائشة: فقطعناه فجعلنا منه وسادة أو وسادتين، [فقد رأيته متكئا على إحداهما وفيها صورة ]. أخرجه البخاري ومسلم والزيادة الأخيرة لأحمد سندها على شرط مسلم.
وفي صحيح النسائي، قالت عائشة رضي الله عنها: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجة، ثم دخل، وقد علقت قراما فيه الخيل أولات الأجنحة، قالت : فلما رآه قال : (انزعيه)).

فالله تعالى آتى سليمان عليه السلام من كل شيء، ولكن حدد هذه الأشياء قال تعالى: (وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا) [الكهف: 84، 85]. ذكر ابن كثير في تفسيره: (وقال مجاهد: (فَأَتْبَعَ سَبَبًا) منزلا وطريقا ما بين المشرق والمغرب، وفي رواية عن مجاهد (سَبَبًا) قال: طرفي الأرض). وإن صح كلام ابن كثير رحمه الله، إلا أن كلمة (سَبَبًا) تكررت مرتين في آيتين متتاليتين، بما يفيد وحدة دلالتها، ويدخل فيها تسخير الله تعالى الخيل ذوات الأجنحة يحلق بها في الجو، وينطلق بها من مكان إلى آخر.


يتبع

untitled-1897878783.png (1235×227)


رد مع اقتباس
  #6  
قديم 03-07-2015, 11:57 AM
المدير
 Egypt
 Male
 
تاريخ التسجيل: 16-12-2013
الدولة: القاهرة
العمر: 52
المشاركات: 7,975
معدل تقييم المستوى: 10
جند الله تم تعطيل التقييم
افتراضي

وجهات رحلة "ذو القرنين":
بدراسة رحلة "ذو القرنين" حول العالم، سنكشف حقائق كانت مجهولة، وأصول جغرافية تم تحريفها لتتعارض مع حكم الله تعالى، ولتخالف نص القرآن الكريم، مثل مركز الأرض ويقع في "مكة المكرمة"، وأمسى شمال الأرض يسمى جنوبا، وجنوبها يسمى شمالا. ومعالم جغرافية كانت مجهولة فيما مضى، واكتشفت حديثا مثل قارة أمريكا وأستراليا. ومشيدات في مواقع جغرافية محددة، مجهول سبب إنشاءها، وكيف تم بناءها، مثل أهرامات الجيزة في مصر. وهذا يحتاج منا إلى تأمل وتبصر في دلالات كل كلمة ومعانيها، والربط بين مجمل معاني الآيات واكتشاف علاقات الربط فيما بينها. قال ابن كثير: وقوله (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ) أي فسلك طريقا حتى وصل إلى أقصى ما يسلك فيه الطريق من ناحية المغرب وهو مغرب الأرض، وأما الوصول إلى مغرب الشمس من السماء فمتعذر). فإذا اتفقنا أن "ذو القرنين" هو نفسه "سليمان" عليه السلام، وقد سخر الله تعالى له الخيل ذوات الأجنحة، إذن فليس متعذر عليه أن يصل إلى مغرب الشمس من المحيط السماوي للأرض، دون أن يسلك الطرق والدروب المعتادة، وهذا يختزل له زمن الرحلة، ويجعل وجهته في خط مستقيم لا يحيد عنه. لأن رحلته ستمتد إلى مغرب الشمس ثم يستمر حتى مطلعها من جهة الشرق، ثم يستمر حتى يصل بين السدين، قال تعالى: (وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا) [الكهف: 84، 85]. ذكر ابن كثير في تفسيره: (وقال مجاهد: (فَأَتْبَعَ سَبَبًا) منزلا وطريقا ما بين المشرق والمغرب، وفي رواية عن مجاهد (سَبَبًا) قال: طرفي الأرض).


رسم بياني يوضح مواقع ومسار رحلة "ذو القرنين"

من تكرار قوله تعالى (فَأَتْبَعَ سَبَبًا) من أوسط الأرض حتى بلغ مغرب الشمس، (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا) من المغرب حتى بلغ مطلع الشمس، (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا) من مطلع الشمس حتى بلغ بين السدين، يستفاد منه أن "ذي القرنين" كان مستمر في إتباع نفس الطريق بترتيب المواقع، دون أن يرتد من حيث بلغ، لأن (ثُمَّ) تفيد الترتيب، وهذا مما يثبت كروية الأرض، وهذا من إعجاز القرآن الكريم، ودليل على صدق بيانه.

وفي قوله تعالى (أَتْبَعَ) لفظ نعلم منه أن "ذي القرنين" كان هدفه إلحاق العقاب بالأقوام الذين يقصدهم بوجهته، مما يعني أنه كان لديه علم بحالهم قبل ارتحاله إليهم، حيث لم ترد (أَتْبَعَ) بهذا اللفظ في القرآن الكريم إلا وألحقت بعذاب أو شر، فحكمه الله تعالى فيهم، إما أن يعذبهم وإما أن يتخذ فيهم حسنا، قال تعالى: (قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا) [الكهف: 86]. وإن كان قوله ملحقا بقوم المغرب، إلا أنه يسري على سائر الأقوام.

وقد قطع "ذو القرنين" على نفسه عهدا بأن يلحق العذاب بالظالمين، والظلم هنا هو الشرك، مما يدل على أنهم كانوا قوما وثنيين، قال تعالى: (قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا) [الكهف: 87]، وكذلك قصد بين السدين ليردم على قوم "يأجوج ومأجوج"، وهذا عذاب لهم لأنه يحول بينهم وبين خيرات سطح الأرض ونعيمها، قال تعالى: (قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا) [الكهف: 95]، أما قوم مطلع الشمس فهم في عذاب مقيم، فلا ستر لهم يحميهم من وهج الشمس وحرها، ولا مأوى يلجئون إليه، فلم تذكر الآيات أنه ألحق بهم عقابا ، مما يعني أنهم قوم ضالون معرضون، فتركهم فيما هم فيه من عذاب مقيم.

وهذا العهد الذي قطعه "ذو القرنين" على نفسه، بتعذيب الظالمين والمشركين، قال تعالى: (قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا) [الكهف: 87]، يذكرنا بوعيد سليمان لملكة سبأ وقومها الذين كانوا ظالمين مشركين (يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ) [النمل: 24]، فتوعدهم بحمل جنوده عليهم، وفيهم (جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ) [النمل: 17]، فقال تعالى: (ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ) [النمل: 37]. فكان يتتبع المشركين في مشارق الأرض ومغاربها، وهذا ما يدعم القول بأن "ذو القرنين" هو نفسه "سليمان" بن داود عليهما السلام. في لسان العرب: (وأتبع فلان فلانا إذا تبعه يريد به شرا كما أتبع الشيطان الذي انسلخ من آيات الله فكان من الغاوين، وكما أتبع فرعن موسى).

قال تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ) [الأعراف: 175].

قال تعالى: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا) [يونس: 90].

قال تعالى: (وَأُتْبِعُواْ فِي هَـذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ) [هود: 60].

قال تعالى: (وَأُتْبِعُواْ فِي هَـذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) [هود: 99].

قال تعالى: (إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ) [الحجر: 18].

قال تعالى: (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ) [طه: 78].

قال تعالى: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ) [المؤمنون: 44].

قال تعالى: (فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ) [الشعراء: 60].

قال تعالى: (وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ) [القصص: 42].

قال تعالى: (إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ) [الصافات: 10].

الكعبة مركز الأرض قديما وإلى يوم الدين:
ذكر تعالى أن "ذي القرنين" وصل إلى مغرب الشمس، قال تعالى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا) [الكهف: 86]، وهذا يعني أنه انطلق من مملكته الواقعة في مكان وسط بين المشرق والمغرب، هذا إذا اعتبرنا "مكة المكرمة" هي مركز الأرض منذ خلق الله الأرض ومن عليها، بدليل أن فيها أول بيت وضع للناس، قال تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ) [آل عمران: 96]. وقوله (وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ) تشمل مجمل أنواع الهداية، فهو قبلة المصلين، يلتفون حوله من كل أنحاء العالم، قال تعالى: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ) [البقرة: 144]، وهو وجهة الحجيج منذ آدم عليه السلام إلى يومنا هذا، حتى انخلع اليهود وتبعهم النصارى من أداء فريضة الحج وأعطاه الله لنا. فالحج فريضة أداها جميع أنبياءهم، هذا وإن لم يرد نص جامع لهم، ففرائض الأعيان ملزمة لكل الرسل والأنبياء، قال تعالى: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) [الحج: 27]. فهو ليس هدى للمؤمنين فقط، بل (وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ) مؤمنهم وكافرهم، ففيه آيات بينات لكل كافر معرض فيؤمن، ولكل مؤمن فيزداد إيمانا، قال تعالى: (فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ) [آل عمران: 97]. ومن هذه الآيات مقام إبراهيم، والحجر الأسود، وبئر زمزم، وقرني كبش إسماعيل عليه السلام (قيل احترقا!).

قد يختلف البعض إلى خريطة العالم اليوم، وببعض الحسابات البسيطة يمكن أن يبطل القول بأن الكعبة هي مركز الأرض اليوم، إلا أنه لا عبرة بالوضع الجغرافي الحالي للأرض، وما عليها من معالم جيولوجية، فالعبرة بصورة الأرض وحالتها الجيولوجية يوم خلقها الله تعالى، ووضع أول بيت للناس يفدون إليه، فمكة هي "أم القرى" ومركز الأرض، إذا ما تجنبنا ما آلت إليه الأرض من متغييرات، واستمرار تحرك قارات العالم وانفصالها عن بعضها البعض منذ ملايين السنين حتى اليوم، وستظل "الكعبة" هي مركز الأرض مهما تغيرت المعالم الجغرافية والتكوينات الجيولوجية لسطح الأرض. يجب تحديد الاتجاهات الأربعة حسب موقع "الكعبة" من العالم، باعتبارها المركز الرئيسي، شمال الكعبة وجنوبها، وشرق الكعبة وغربها. بدليل أن التقويم القمري ينضبط عالميا برؤية هلال "ذي الحجة" لمكة المكرمة. فمهما اختلفت البلدان في رؤيا الهلال للأشهر القمرية، إلا أنها لا يمكن أن تختلف حول هلال "ذي الحجة" لأنه إعلان عالمي لموسم أداء شريعة الحج. فكل ما هو من جهة شرق الكعبة فهو مشرق، وكل ما هو غربها فهو مغرب، وكل ما هو شمال الكعبة يقال شمال، وما هو جنوبها جنوب.

المركز المقابل للأصل:
تقع الكعبة وفق الإحداثيات الجغرافية في 21.05 25 21 شمالا، 34.32 49 39 شرقا، وهناك أيضا (المركز المقابل للأصل)، وهو المركز المقابل للكعبة من الجهة المقابلة لها من الكرة الأرضية، والواقف فوق هذه النقطة يمكنه الصلاة صوب الكعبة في جميع الجهات، فحيثما وليت وجهك فأنت متجه صوب القبلة.

بينما يقع المركز المقابل للأصل قرب جزيرة تيماتانجي Tematangi، وهي جزيرة مرجانية تقع جنوب شرق أرخبيل تواموتو Tuamotu، الذي يتبع مستعمرة بولينيزيا الفرنسية French Polynesia الواقعة في المحيط الهادي. ويقع المركز المقابل للأصل وفق الإحداثيات الجغرافية في 21.05 25 21 جنوبا، 25.68 10 140غربا.


صور توضح إحداثيات المركز الأصلي والمركز المقابل للأصل

من استقبل الكعبة استدبر المركز المقابل للأصل، ومن استقبل المركز المقابل للأصل استدبر الكعبة، لذلك أحسب والله تعالى أعلى وأعلم أن إبليس واضعا عرشه على المركز المقابل للأصل، بحيث يستقبله بالسجود كل من عبده من دون الله، مستدبرا الكعبة المشرفة معرضا عنها. وكل من استقبل الكعبة المشرفة فقد استدبر عرش إبليس، وأعرض عنه. فقد ثبت بروايات صحيحة أن إبليس يضع عرشه على البحر، حوله الحيات مستدبرة القبلة تطوف حوله في ندية للطواف بالكعبة المشرفة. يغلب لدي الظن أنها حيات من شياطين الجن، وليست حيات إنسية والله أعلم.

صح عن أبي سعيد الخدري في شأن ابن صياد وكان يظن أنه الدجال في (صحيح مسلم)، لقيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر في بعض طرق المدينة. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتشهد أني رسول الله؟) فقال هو: أتشهد أني رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (آمنت بالله وملائكته وكتبه. ما ترى؟) قال: أرى عرشا على الماء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ترى عرش إبليس على البحر. وما ترى؟) قال: أرى صادقين وكذابا أو كاذبين وصادقا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لبس عليه. دعوه). وفي رواية : لقي نبي الله صلى الله عليه وسلم ابن صائد ، ومعه أبو بكر وعمر . وابن صائد مع الغلمان .

في رواية عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لابن صياد‏:‏ ‏(ما ترى‏؟‏‏).‏ قال‏:‏ أرى عرشا على البحر وحوله الحيات‏.‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(أرى عرش إبليس‏)‏‏.‏ رواه أحمد وفيه علي بن زيد وهو حسن الحديث، وبقية رجاله ثقات‏.‏

إن وضع إبليس عرشه فوق المركز المقابل للأصل يكون مستقبلا الكعبة بالعداوة والندية، بصفته قائدا أعلى لأعداء الدين، يبث سراياه من المركز المقابل للأصل، ليفتن كل من أدبر عنه متجها إلى المركز الأصلي، ففي صحيح مسلم عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة. يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا. فيقول: ما صنعت شيئا. قال: ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته. قال: فيدنيه منه ويقول: نعم أنت). قال الأعمش أراه قال: (فيلتزمه).

وهذا أراه أصوب من القول بأن عرش إبليس على "مثلث بارمودا". خاصة وأن "جزائر البحر" أو أرخبيل تواموتو يقع تحت سيطرة فرنسا رائدة الماسونية وعبادة الشيطان في العالم كله. حقيقة إن منطقة "مثلث بارمودا" تقع فيها أحداث غريبة كاختفاء سفن وطائرات وأشخاص، لكن هذا ليس مبرر كافي للقول بأن عرش إبليس يقع في تلك المنطقة، قد تكون منطقة "بارمودا" لها علاقة بنشاط شيطاني، لكن الأصوب أن يختار إبليس مكانا لعرشه يتوافق مع معتقداته الخاصة، ونديته لله تعالى، وبالتالي فلن يخرج مكان عرشه عما ورد في السنة من أحاديث. وجهلنا بنشاط إبليس في المركز المقابل للأصل، يتوافق ودأبه التخفي وستر كيده، ليس وحده فقط، بل كل قبيله على هذا النحو يتبعون التخفي عن أعين البشر، قال تعالى: (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ) [الأعراف: 27].

إذا كان كيد الشيطان ضعيفا أمام كيد الله تعالى: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) [النساء: 76]، فإن كيد الشطيان علينا أعظم بتخفيه عنا، ما لم نستعذ بالله حق الاستعاذة، قال تعالى: (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [الأعراف: 200]. فحينها كيد الله تعالى الغالب لكل كيد. قال تعالى: (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا) [الطارق: 15: 17].

على كل حال فمسألة وجود عرش إبليس على "المركز المقابل للأصل" تحتاج إلى بحث مستقل، ومستفيض، لجمع الأدلة الشرعية، والقرائن المادية، لإثبات صحة وجهة النظر. وآثرت ذكرها هنا أخذا بالحيطة من كيد الشيطان، ولفتا للانتباه إلى أهميتها كنقطة تهم المسلمين جميعا، وغفل الغالبية عن الاهتمام بها، ولارتباطها بشكل ما برحلة سليمان عليه السلام الذي سخر الله له شياطين الجن.
ويبقى هناك سؤال يلح في ذهن الباحث، هل مر ذو القرنين سليمان عليه السلام في رحلته من مغرب الشمس إلى مطلعها بالمركز المقابل للأصل؟ وهل كان له شأن مع إبليس ومردة الشياطين في هذه المنطقة تحديدا؟ على أي حال أسأل الله تعالى أن يهديني ويوفقني والمسلمين جميعا في البحث عن إجابات لهذه التساؤلات بإذن الله تبارك وتعالى.

يتبــع

untitled-1897878783.png (1235×227)


رد مع اقتباس
  #7  
قديم 03-15-2015, 11:05 AM
المدير
 Egypt
 Male
 
تاريخ التسجيل: 16-12-2013
الدولة: القاهرة
العمر: 52
المشاركات: 7,975
معدل تقييم المستوى: 10
جند الله تم تعطيل التقييم
افتراضي

مغرب الشمس:
انطلق "ذو القرنين" في رحلته حول العالم متوجها نحو الغرب من الكرة الأرضية، حتى وصل إلى مغرب الشمس، قال تعالى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا * قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا) [الكهف: 86، 88].

وقوله تعالى (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ) دل على أنه بلغ أقصى أرض تغيب عندها الشمس، بدليل أنه وجد الشمس (تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا)، فوجود القوم يدل على أنه بلغ أقصى يابسة مأهولة بالبشر من جهة الغرب، وليس بعد آخر أرض معمورة إلا البحر المحيط، مما يدل على أن تلك العين الحمئة، تطل على منطقة ساحلية. وتتميز هذه الأرض عن غيرها بمعلم هام وهو (عَيْنٍ حَمِئَةٍ) أي فوهة بركان وحلي، عند الحدود الغربية لقارة أمريكا الشمالية. حيث تكثر فوهات الوحل البركاني، على امتداد الشاطئ الغربي للقارة الأمريكية.

العين الحمئة:
إن قوله تعالى: (وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ) لا يفيد أن الشمس تغيب في داخل تلك العين، فحرف (فِي) يفيد الظرفية، بمعنى وجدها تغرب عند عين حمئة. فذكر تعالى العين الحمئة كأهم معلم جيولوجي يحدد الموقع الجغرافي حيث تغيب فيه الشمس، قوله تعالى (عَيْنٍ حَمِئَةٍ) ينقسم من جهة المعنى والدلالة إلى قسمين لا ينفصل أحدهما عن الآخر (عَيْنٍ) و(حَمِئَةٍ)، ولكي نتفهم دلالة الجملة، يجب علينا دراسة معنى كل كلمة على حدتها، ثم بعد ذلك ندرس دلالة معاني الكلمتين مجتمعتين.

قوله (عَيْنٍ) هنا هي (عين الماء) وفي لسان العرب: (العين التي يخرج منه الماء، والعين ينبوع الماء الذين ينبع من الأرض ويجري ...).




وصف الله تعالى عين الماء هذه بقوله (حَمِئَةٍ) ولها معنيان حسب ما ورد في لسان العرب:

الأول: (الطين الأسود المنتن). ويقال كذلك (وحمئت البئر حمأ، بالتحريك، فهي حمئة إذا صارت فيها الحمأة وكثرت).

الثاني: (وقرأ ابن مسعود وابن الزبير: حامية، ومن قرأ حامية بغير همز، أراد حارة، وقد تكون حارة ذات حمأة، وبئر حمئة أيضا، كذلك).

بالجمع بين المعنيين نستطيع التوسع في تفاصيل قوله تعالى (عَيْنٍ حَمِئَةٍ)، إذن فمعنى (عين تنبع بطين أسود حار)، وهذه الأوصاف بالمفهوم العلمي المعاصر تتوافق مع مفهوم "فوهة بركانية Volcanic crater"، ولكن الصهارة أو الحمم Lava الخارجة من الفوهة طينية حارة وليست نارية كطبيعة أي بركان.



بالربط بين مفهوم عين الماء والطين والحرارة، إذا فالعين الحمئة هي ما يصطلح عليه بالمفهوم العلمي المعاصر Hydrothermal المعروف باسم " الوحل البركاني Mud volcanic"، فيكون معنى (عَيْنٍ حَمِئَةٍ) هو "فوهة الوحل البركاني crater Mud volcanic" والتي هي عبارة عن فوهة بركان طين غازي، يتشكل من سوائل وغازات مضغوطة. الغازات الصادرة منه حوالي 86٪ ميثان، مع ثاني أكسيد الكربون والنتروجين أقل بكثير. المواد المتدفقة منه غالبا ما تكون طين يتكون من مواد صلبة ناعمة، وسوائل تتضمن ماء (حامضي أو شديد الملوحة) وسوائل هيدروكربونية. لهذا السبب يعتبر ثوران غاية في الخطورة إذا ما حدث أثناء هطول أمطار غزيرة، أو حتى عندما يكون البركان مغطى بالثلوج الدائمة، فيتسبب درجة حرارة البركان المرتفعة في إذابة الثلوج.

نخلص من هذا أن العين الحمئة تقع قرب شاطئ القارة الأمريكية، وتحديدا في شمال غرب القارة الأمريكية، حيث أنها منطقة مكسوة بالثلج، والذي يذوب مع الرماد البركاني مكونا الطمي أو ما يصطلح عليه الوحل البركاني. ولكن على كل الأحوال من العسير تحديد العين المذكورة في القرآن الكريم، لأن العيون الوحلية أعمارها محدودة، فتجف وتزول مع مرور الزمن نتيجة عوامل التعرية، ويظهر غيرها في موضع آخر، المهم في الأمر أنها عادة ما تظهر وتختفي في مناطق متقاربة.



حتى لا يختلط علينا الأمر، فهناك فارق بين الوحل البركاني كما تقدم، وبين الحمم البركانية: وهي ما تلفظه البراكين من كتل حارة سائلة، وتبلغ درجة حرارتها بين 1000 م و 1200م . وتختلف طبيعتها ومظهرها حسب تركيبها الكيميائي، وهي على نوعان:

حمم خفيفة فاتحة اللون: وتتميز بلزوجتها الفائقة، وبطئ تدفقها تتراكم وترتفع مكونة لبرج فوق الفوهة بلغ ارتفاعه نحو 300 م ، كما حدث في بركان بيلي (في جزر المرتنيك في البحر الكاريبي ) عام 1902.

حمم ثقيلة داكنة اللون: وهي حمم بازلتية، تتميز بسيولتها، وسرعة تدفقها. وتنساب من البراكين فوق مساحات شاسعة مكونة هضاب فسيحة، مثل هضبة الحبشة وهضبة الدكن بالهند وهضبة كولومبيا بأمريكا الشمالية.

فعلى فرض أن المقصود مجرد بركان تقليدي لقال (وجدها تغرب في عين حميم)، أي فوهة بركانية، نسبة إلى الحمم البركانية، وكلمة (حميم) هي لفظ قرآني صريح، يدل على معنى الحمم السائلة، ولكن اللفظ جاء غاية في التحديد والدقة (عَيْنٍ حَمِئَةٍ)، وبالجمع بين القراءات المختلفة والمعاني المتعددة، فهو طين حار، وهذا ينفي أنها مجرد حمم بركان، بل ينطبق عليها وصف وحل بركاني. مما يدل على وجود فارق بين معنى كلمة (حَمِئَةٍ)، ومعنى كلمة (حَمِيمٍ).

قال تعالى: (لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ) [الأنعام: 70].

قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ) [يونس: 4].

قال تعالى: (هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ) [ص: 57].

قال تعالى (كَغَلْيِ الْحَمِيمِ) [الدخان: 46].

قال تعالى: (ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ) [الدخان: 48].

قال تعالى: (وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ) [محمد: 15].

قال تعالى: (فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ) [الواقعة: 54].

تنتشر البراكين فوق نطاقات طويلة على سطح الأرض أظهرها: النطاق الذي يحيط بسواحل المحيط الهادي والذي يعرف أحيانا بحلقة النار, فهو يمتد على السواحل الشرقية من ذلك المحيط فوق مرتفعات الأنديز إلى أمريكا الوسطى والمكسيك، وفوق مرتفعات غربي أمريكا الشمالية إلى جزر الوشيان ومنها إلى سواحل شرق قارة آسيا إلى جزر اليابان والفلبين ثم إلى جزر إندونيسيا ونيوزيلندا.



من أهم البراكين الوحلية في قارة أمريكا الشمالية تتضمن:

براكين شرب الوحلية Shrub و كلاواسي Klawasi في كوبر ريفر Copper River جبال رانجيلWrangell ، في ألاسكا بالولايات المتحدة الأمريكية. المواد المشعة في الغالب CO2 والنتروجين، ترتبط البراكين بعمليات الانصهار.

بركان وحلي بغير مسمى على ارتفاع 30 متر وذو قمة بعرض 100 متر، على بعد 24 كم من شاطئ ريدوندو Redondo، بكاليفورنيا، و 800 متر تحت سطح المحيط الهادي.

بركان وحلي ذو مجال صغير (3 أمتار) في بحر سالتون Salton المنطقة الحرارية الرضية بالقرب من بلدة نيلاند Niland. الإشعاعات في الغالب CO2.

بركان سموث ريدج الوحلي Smooth Ridge على 1.000 متر من الماء بالقرب من مونتري كانيون Monterey Canyon، بكالفورنيا.

بركان كاجلوليك الوحلي Kaglulik 43 متر تحت سطح بحر بيوفورت Beaufort Sea، بالقرب من الحد الشمالي لألاسكا وكندا. يعتقد وجود مصادر نفطية في المنطقة.
بركان ماكينا الوحلي Maquinna ، واقع على 16 ـ 18 كيلومتر غرب من فانكوفر، كولومبيا البريطانية، كندا.



فوهة بركان وحلي يصعد طالبي العلاج الطبيعي لعلاج أمراضهم الجلدية

البعض يستحم في داخل فوهات الوحل البركاني لعلاج الأمراض الجلدية!!

عبادة البراكين:
وقد أشارت الآيات إلى أن القوم عند العين الحمئة كانوا ظالمين، قال تعالى: (قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا) [الكهف: 87]، وأعظم ظلم العبد الذي يستوجب أن (يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا) هو الشرك، فالشرك هو الظلم الأعظم، قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [لقمان: 13]، قال الله تعالى (عَيْنٍ حَمِئَةٍ)، ثم أردف مشيرا إلى الظلم كناية عن الشرك، وهذا يدل على وجود علاقة بين العين الحمئة والشرك بالله تعالى، وهذه هي عبادة البراكين Volcanoes warship.

إن كلمة (بركان) ليست عربية، إنما هي لفظ معرب من كلمة فولكانو volcano، وهو اسم مشتق من اسم الإله "فولكان Vulcan" إله النار والحديد في الأساطير الرومانية. وهو ليس فقط إله النار، وإنما هو أيضا إله الحديد والبرونز، والذهب والفضة، وجميع المواد القابلة للانصهار، حيث يعتقدون أن البركان كان مدخنة كير حداد الآلهة. وله عيد يحتفل به في 23 أغسطس. أي في أيام الصيف القائظ، ويستمر ثمانية أيام متتالية تقام فيها الألعاب، وتقدم له القرابين، عادة من السمك، بأن تلقى في النار وتلتهمها النيران فلا تبقي نها شيء للوليمة المقدسة. وتسمى هذه الاحتفالات في روما Vulcania أو Volcanalia.

الحمم البركانية تحتوي على معادن مصهورة.

قديما لم تعرف البشرية بعد تطويع الحديد، ولا صهر المعادن وسباكتها، إنما عرفوا (زُبَرَ الْحَدِيدِ)، وهي ما يعرف بالحجارة النيزكية كما سنبين في موضعه. فكان يتم تشكيل المعادن بطرق بدائية تعمد على نحت الحجارة، وطرق المعادن، فما عرفوا تشكيل المعادن بالسباكة إلا على يدي داود وسليمان عليهما السلام. حيث لم يعرف الإنسان المعادن في صورتها السائلة إلا في صورة حمم تسيل من البراكين، مما يتعذر معه الاستفادة منها بتطويعها وتشكيلها قبل أن تبرد و تصبح شديدة الصلابة، إلا في حدود ضيقة، لكنها بكل تأكيد لا تحتوي على معدن صاف خال من الشوائب.

حيث لم يتوصلوا بعد إلى طريقة لبناء أفران لإحماء النار، وتسعيرها من أجل الوصول بها إلى درجة حرارة مرتفعة لصهر المعادن. وكانت البراكين هي المصدر الوحيد للحصول على المعادن المصهورة. ومن هنا عظمها الشيطان في أنفس الناس وأوحى لهم بعبادتها، ونحتوا لها التماثيل، فصوروا الإله هيفايستوسHephaestus إله النار والحدادة اليوناني المكافئ للإله الروماني فولكان على صورة حداد، وعندما يعمل الحداد يثور بركان وتطاير منه الحمم. فلم يكن هناك إله واحد للبراكين، بل في مكان من أنحاء العالم اتخذا من البراكين إلها معبودا من دون الله عز وجل.

إن عبادة البراكين وآلهة وربات النار هي عبادة وثنية عالمية موغلة في القدم، حيث تنتشر عبادة الربة بيليه Pele وتنطق PEH-leh وليس PAY-lay، وهو إله النار والبرق والرقص والبراكين والعنف، في أساطير بولينيزيا في جزر هاواي Hawaii التابعة للولايات المتحدة الأمريكية، ويوجد بركان Kilauea على الجانب الجنوبي لجزيرة هاواي الأكثر نشاطا. وهيستيا Hestia ربة النار اليونانية او Vesta الرومانية، وإله النار الياباني هو _ ماسوبي / كاجو _ تسوشي Ho-Masubi / Kagu-Tsuchi. وإله النار الهندوسي آجني Agni.

حتى بعث الله تبارك وتعالى داود عليه السلام علم فألان له الحديد، يصنع منه الدروع لتحصن الناس من ضرب السيوف وطعنات الحراب، قال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [سبأ: 10، 11]، وقال تعالى: (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ) [الأنبياء: 80]، وورثه سليمان عليه السلام، فأسال له عين القطر، أي النحاس المذاب، قال تعالى: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ) [سبأ: 12].

وبهذا العلم المعجز حينها، انكشف للناس عدم قدسية البراكين وأنها ليست بآلهة، لأن الإنسان يمكنه بالعلم تطويع المعادن، بل وصهرها أيضا، وذلك عن طريق النفخ في النار، فعرفت أفران صهر المعادن. وأي ادعاء مخالف لما أثبته الله تعالى من سبق نبيه سليمان وأبيه داود عليها السلام إلى تطويع المعادن هو ادعاء باطل، ولا أساس له من الصحة. لذلك فتقسيمات تاريخ البشرية من عصر حجري إلى عصر نحاسي إلى برونزي بدون أن تقرن بذكر داود وسليمان عليهما السلام فهو تقسيم يعارض ثوابت القرآن الكريم. لذلك فكل تاريخ البشرية عبثت فيه يد التحريف، ويجب أن يعاد صياغته وفق الكتاب والسنة.

عبادة البركان عند الهنود الحمر:
أما في شمال غرب الولايات المتحدة فقد عبد الهنود الحمر بركان جبل مازاما Mazama، ويعتقدون أن الإله "لاؤ Llao" هو إله العالم السفلي في أساطير قبيلة "كلاماث Klamath" الأمريكان الأصليين، خاض لاؤ معركة طاحنة مع رب السماء، "سكيل Skell"، التي تسببت في انفجار جبل مازاما مكونا فوهة البحيرة. يروي الكلاماثيون العديد من قصص الأرواح (الشياطين) القوية لاؤ وسكيل Llao and Skell. لاؤ كان روح العالم السفلي الذي عاش تحت جبل مازاما. سكيل كان روح السماء "العالم العلوي". تروي القصص بأن لاؤ كان قادرا على عبور الفوهة الارتفاع إلى قمة جبل مازاما حيث يمكنه لمس النجوم حيث يعيش سكيل. توابع الرواح استطاعا أن يتخذوا أشكال حيوانات كما يقال أشبه بالأيل، وثعلب، وحمامة، وهم يلعبون سوية.

أعاقت الانهيارات الجليدية النارية أحيانا حياة الأمريكان الأصليين بالقرب من جبل مازاما Mazama (قبل فوهة بحيرة البركان) بأكثر من 6.000 سنة مضت. فسر هؤلاء الناس إنفجارات مازاما العنيفة قبل الانهيار على أنها حرب بين إلهين. لاؤ وسكيل. في الحقيقة، الشاهد الأثري يوحي بأن البشر شهدوا تحول هذا الحدث عنيف. في الزمن التاريخي حرم الأطباء السحريين على معظم الهنود النظر إلى البحيرة، ولم يقدم الهنود أية معلومات حول البحيرة للرواد الذين عبروا خلال المنطقة منذ 50 سنة بدون اكتشافها.

حظت البحيرة والمنطقة المحيطة بها بتوقير الكلاماثيون، فتحفظوا عليها مجهولة من قبل المكتشفين البيض حتى سنة 1853. في 12 يونيو من تلك السنة قام ثلاثة منقبين عن الذهب جون ويسلي هيلمان John Wesley Hillman، وهنري كليبل Henry Klippel، وإيزاك سكيترز Isaac Skeeters، ارتقوا إلى أعلى منحدر الجبل مباشرة. حتى إذا بلغوا إلى أعلى نقطة له، أصابتهم رهبة حثيثة عندما شوهدت ضخامة البحيرة.

بحيرة فوهة بركان مازاما:
بكل بد فإن العين الحمئة التي ذكرها القرآن الكريم، لن تبقى على حالها تسيل منها الحمم كما كانت قديما، إلى يومنا هذا، فالبراكين بعد ثورتها تهدأ وتستكين سنين طويلة، ويتحول ما حولها إلى أراض خصبة. لكن لابد أنها ستحتفظ بخصائص مميزة لن تتغير أبدا، فلسنا بصدد التحدث عن فوهة بركان تقليدي صغيرة الحجم، بل حتما سنبحث عن فوهة بركان ضخم جدا، حتى تليق بأن تذكر في كتاب الله العظيم، وكذلك يشترط أن ينسج حوله الأساطير، بصفته معبودا من دون الله تبارك وتعالى للقوم عنده، وأن يقع هذا البركان عن آخر يابسة قبل مغرب الشمس، وهذه الشروط تجتمع جميعها فيما يعرف بحيرة الفوهة Crater Lake.



تقع بحيرة فوهة بركان جبل مازاما Mazama في لاية أوريجون Oregon، في شمال غرب الولايات المتحدة الأمريكية. ويبلغ طولها 9.7 كم، وعرضها 8.0 كم، ومتوسط عمقها 1.148 قدم (350 م). مازما هو أكثر انفجار بركاني هائل شهرة الذي وقع في حوالي سنة 5.677 قبل الميلاد. ويقع بالكامل في منتزه بحيرة الفوهة الوطني Crater Lake National Park. وهناك مخاطر تهدد الولايات المتحدة بعودة انفجار هذا البركان مرة أخرى.


صورة من الأقمار الصناعية توضح التضاريس داخل قاع البحيرة.






منظر غروب الشمس في العين الحمئة

يتبــع


untitled-1897878783.png (1235×227)


رد مع اقتباس
  #8  
قديم 03-18-2015, 07:49 PM
المدير
 Egypt
 Male
 
تاريخ التسجيل: 16-12-2013
الدولة: القاهرة
العمر: 52
المشاركات: 7,975
معدل تقييم المستوى: 10
جند الله تم تعطيل التقييم
افتراضي

سكان أمريكا الأصليين:
فيما يبدو أن "ذو القرنين" وجد القوم عند مغرب الشمس على وثنية وشرك، فدعاهم إلى دين الله تعالى، فمنهم من كفر ومنهم من آمن بالله تعالى، وكما تبين لنا أن هؤلاء القوم مقيمين في قارة أمريكا، وهم سكانها الأصليين المعروفين بالهنود الحمر (سمى الهنود الحمر بهذا السبب لأن كريستوفر كولمبس ظن خطأ انه في الهند عندما اكتشفها).


فقد أمر الله تعالى "ذي القرنين" إما يعذب هؤلاء القوم، وإما أن يتخذ فيهم حسنا، فقد حكمه الله فيهم، قال تعالى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا * قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا) [الكهف: 86: 88]، فمن الواضح أنه عذب المشركين منهم، بينما قال للمؤمنين منهم ما ييسر به عليهم من أمر حياتهم، خاصة أنهم في قارة معزولة عن عالم الحضارات والنبوات.

رغم ما يعتري الهنود الحمر من وثنية حين اكتشافهم، إلا أن الآثار الموجودة في بلادهم تشهد أنهم أصحاب حضارات، منها الأهرامات الضخمة التي تضاهي أهرامات الجيزة مساحة، فإذا كان سليمان عليه السلام هو باني أهرامات الجيزة كما يثبت هذا البحث، فحتما يزداد اليقين أنه هو نفسه من أنشأ على الأقل بعضا من أهم الأهرامات الأمريكية.




أغلب الظن أن هذه المعالم الحضارية، ما هي بقايا مما علمهم نبي الله ذو القرنين سليمان عليه السلام من علوم ومعارف تنفعهم في هذه القارة النائية وتيسر لهم معيشتهم قال تعالى: (وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا) [الكهف: 88]. ثم مضى عليهم الزمن فانقلبوا من موحدين إلى وثنيين كعهد كثير من الأمم، فاندثرت جميع معالم الدين الإسلامي تماما، ولم يبقى لديهم إلا الوثنية وعادوا كما كانوا، حتى قام الأوربيون بقتلهم وإبادتهم، والاستيلاء على أراضيهم وممتلكاتهم، إلا أنه لا يزال هناك قلة نادرة منهم في مناطق نائية وسط غابات بيرو. تداولت وكالات الأنباء عبر شبكة المعلومات صورا مفادها وجود بقايا من الهنود الحمر في مناطق نائية ومنعزلة من غابات بيرو (ويظهر في الصور التي التقطت من الجو أفراد القبيلة يحملون الأقواس والسهام وقد غطوا أجسامهم بقماش لونه أحمر. يذكر أن أكثر من نصف القبائل المعزولة في العالم موجودة في بيرو والبرازيل كما تقول منظمة Survival International. وقد التقطت الصور خلال عدة رحلات جوية فوق إحدى المناطق النائية لغابات المطر في البرازيل. ويظهر في الصور أبناء القبائل خارج أكواخهم يحملون الأقواس والسهام ويوجهونها نحو الكاميرا. ونسبت المنظمة إلى خوزيه كارلوس ميريلس الموظف في قسم الشؤون الهندية التابع للحكومة البرازيلية قوله: " قمنا بالرحلات الجوية حتى نصور بيوتهم، ونبين أنهم هناك وأنهم موجودون ، وهذا مهم لأن هناك من يشكون بوجودهم").










تم اكتشاف بقايا منعزلة من قبائل الهنود الحمر يعيشون حياة بدائية في بيرو.

وحسب الموسوعة المجانية: (الهنود الحمر أول شعوب تكتشف الأرقام والرمز إليها، وكانوا متقدمين جدا قبل ميلاد السيد المسيح بحوالي 3700 سنة ولكن بسبب كسلهم الشديد وانتشار الأمراض (بسبب التدخين) وانتشار الخرافات ظلوا كما هم حتى تخلفوا تماما عن العالم فجاءت أوروبا واستولت على أراضيهم بالكامل, اغلب سكان الهنود الحمر الأصليين يعيشون حاليا في بيرو وحسب بعض الإحصائيات تقول أنهم مهددين بالانقراض.

الهنود الأمريكان أو الحمر: وهم سكان أميركا الأصليين وهم الذين نزحوا عبر ممر أرضي كان بمضيق بيرنج بشمال شرق سيبيريا إلى القارة منذ 10 آلاف سنة قبل انحسار العصر الجليدي الأخير. واستوطنوها منذ آلاف السنين قبل أن يستعمرهم الأوربيون بعد اكتشاف العالم الجديد في القرن 15 الميلادي. وكان هذا الممر وقتها يربط شمال غرب أمريكا الشمالية بشمال شرق آسيا.واستطاع السكان الأوائل تسخير المصادر الطبيعية وتأقلموا مع المناخ والأرض التي كانوا يعيشون بها.



وخلال آلاف السنين أقاموا لهم ثقافاتهم وحضارتهم بشمال شرق القارة. فاستعملوا أخشاب الغابات في بناء بيوتهم وصنع قواربهم (الكانو) وآلاتهم الخشبية. وفي جنوب غرب الصحراء زرعوا الذرة وبنوا بيوتهم من طابقين من الطوب اللبن أو المجفف في الشمس. ظهرت بأمريكا الشمالية حضارة النحاس وحضارة الصيادين بالبر والبحر ولاسيما حول البحيرات الكبرى بكندا والولايات المتحدة الأمريكية. وكانوا بصنعون من النحاس آلاتهم بطرقه ساخنًا أو باردًا. لكنهم لم يعرفوا طريقة صهره ولا كيفية صبه قي القوالب كما كان متبعا في العالم القديم منذ سنة 1500 ق.م.



وفي المنطقة القطبية الشمالية مارسوا صيد الأسماك والحيوانات. لما إستعمرهم الأوربيون في القرن 15 الميلادي، واجهوا تحديات كبيرة. لكن بعضهم تعايش وتيادل التجارة معهم واستوعبوا تقنياتهم. لكن الأوربيين استولوا علي أراضيهم وكانوا يبيدونهم في كندا وأمريكا. وكانت هذه القبائل يطلق عليها قبائل أوننداجو وموهاك وشيروكي. وكلهم كان يطلق عليهم الهنود الأمريكان، أو الهنود الحمر. وفي كندا كان يطلق عليهم عادة شعب أبورجينال (Aboriginal people).





ولما وصل كريستوفر كولومبس عام 1492م أرضهم، كان عددهم يقدّر ما بين 40 إلى 90 مليونًا. ولما جاء الأسبان وجدوا 50 قبيلة هندية في الغرب بما فيها شعب بيبلو (Pueblo) وكومانش (Comanche) وبيمان (Piman) ويمان (Yuman)، وكان لهم لغاتهم المتنوعة. وجلب الأوربيون معهم الأمراض عن طريق الحرب البيلوجية كالجدري والحصبة والطاعون والكوليرا والتيفويد والدفتريا والسعال الديكي والملاريا وبقية الأوبئة التي كانت تحصد السكان الأصليين).


يتبــع


untitled-1897878783.png (1235×227)


رد مع اقتباس
  #9  
قديم 03-27-2015, 01:17 PM
المدير
 Egypt
 Male
 
تاريخ التسجيل: 16-12-2013
الدولة: القاهرة
العمر: 52
المشاركات: 7,975
معدل تقييم المستوى: 10
جند الله تم تعطيل التقييم
افتراضي

مطلع الشمس:
بعد أن بلغ "ذو القرنين" إلى مغرب آخر أرض تغيب عليها الشمس، واصل مسيرته في نفس الاتجاه حتى بلغ أول أرض من قبل المشرق تطلع عليها الشمس، وفي هذا سبق قرآني في إثبات كروية الأرض، لأننا إن انطلقنا من نقطة البداية صوب مغرب الشمس، وسرنا في نفس الاتجاه فحتما سننتهي عند نفس نقطة البداية مارين بمطلع الشمس.

وحين بلغ مطلع الشمس وجد قوما يعيشون في أرض مستوية لا جبال فيها يستظل بها من وهج الشمس، قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا) [الكهف: 90]، وقوله (مَطْلِعَ الشَّمْسِ) أي حيث أقصى أرض مأهولة بالبشر من قبل المشرق تبدأ الشمس تطلع عليها، وتتسم تلك الأرض بأن طبيعتها صحراوية قاحلة، تقل فيها الجبال، لا ينبت فيها شجر يستظل به، لقوله تعالى (لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا).

وحسب الخرائط الفضائية، فإن قارة أستراليا هي أول أرض مأهولة بالسكان قبل المشرق، وبخلاف هذا؛ فإلى حد بعيد فإن الجزء الأكبر من أستراليا صحراء أو أراضي نصف قاحلة معروفة باسم المناطق النائية. فتعد أستراليا القارة الأكثر تسطحا، ذات تربة غاية في الشيخوخة والأقل خصوبة، وهي القارة الصحراوية المأهولة. فقط الزوايا الجنوبية الشرقية والجنوبية الغربية للقارة تتمتع بمناخ معتدل. أغلب حياة السكان على طول الشريط الساحلي الجنوبي الشرقي المعتدل. وأما الماء فيحصلون عليه من الأنهار الموسمية.

70 ٪ من البلاد تصنف على أنها قاحلة أو شبه قاحلة، وهو ما يعني أنها تحصل على أقل من 500 مليمتر من الأمطار سنويا. وهذا يجعل من أستراليا القارة المأهولة الأكثر جفافا على الأرض. فقط أنتاركتيكا Antarctica هي الأكثر جفافا. 3 ٪ فقط من سكان استراليا الذين يعيشون في الأراضي الجافة التي تمثل 70 ٪ من القارة. وبقية السكان يتمركزون على السواحل.


خريطة لقارة أستراليا تبين توزيع منسوب الأمطار، وتثبت شح الأمطار في هذه القارة الصحراوية وشبه الصحراوية.

وعلى هذا فأستراليا هي القارة الحيدة في العالم، لم يجعل الله فيها جبالا شاهقة يتخذ من كهوفها مأوى، ولا أشجارا وارفة يستظل بها من أشعة الشمس، ورغم أنها قاحلة مجدبة فإنها مأهولة بالسكان، وهذا يوافق قوله تعالى: (لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا).

قال ابن كثير في تاريخه: (أي ليس لهم بيوت ولا أكنان يستترون بها من حر الشمس. قال كثير من العلماء: ولكن يأوون إذا اشتد عليهم الحر إلى أسراب قد اتخذوها في الأرض شبه القبور). وبالفعل فإن السكان الأصليين الأبوريجين في أستراليا، يحفرون الأرض قرب الأشجار حتى يصلون إلى الرمال الباردة في أيام الحر، فيدفنون أنفسهم فيها، أو يلطخون أجسادهم بالرمال الباردة لترطيب أجسادهم من حر الشمس.


أغلب أرض أستراليا صحراوية ممتدة بلا جبال.


هضبة مقدسة من الصخر الرملي في وسط أستراليا، تدعى Uluru أوAyers Rock لدى ملاك أراضي أنانجو Anangu المسكونة بعشرات الأرواح من كائنات أسطورية.

سكان أستراليا الأصليين:
كان السكان الأوائل من شعوب السكان الأصليينالأبوريجين Aboriginals الذين هاجروا إلى القارة منذ 60 ألف سنة من جنوبي شرق آسيا، عندما كانت المياه حولها ضحلة وتسمح لأفراده بالترحال إليها بحرا. ثم ارتفعت المياه المحيطة بحيث عزلت هؤلاء الوافدين إليها من الاتصال بموطنهم الأصلي وأصبحوا معزولين داخل قارتهم الجديدة. وكانت هذه القارة مجهولة للعالم الخارجي حتي القرن 17. وكان هؤلاء المهاجرون جامعي الثمار وصائدي الحيوانات والأسماك ولم يربوا الحيوانات الأليفة. وكانوا يفلحون أرضهم بإشعال النيران فيها لتطهيرها، و ليمكنوا الحشائش النضرة من النمو ولجذب حيوان الكنغرو وغيره ليصطادوها.



وكانوا يقيمون سدود المياه، ويغيرون مجاري الماء، ويتحكمون في مخارج برك المستنقعات والبحيرات لتربية الأسماك في مزارع سمكية. ورغم أنه شعب بدوي إلا أنه خلال الـ 3000 سنة الماضية كان يتسارع في التغيير مرتبطا بأرضه مستخدما آلاته الحجرية. وكان الأستراليون القدماء يمارسون التجارة مع الأطراف البعيدة بالقارة. وتوائموا مع العوامل البيئية وكانت لهم سماتهم الثقافية والحضارية. عندما وجدها الرجل الأوربي في أواخر القرن 17 كان يوجد بالقارة أكثر من 250 لغة متداولة. وانقرضت معظمها في مطلع القرن 19. وكانت المجموعات البشرية هناك ثنائية اللغة أو متعددة اللغات.




وجوه من قبائل أستراليا الأصليين

وهم قبائل فطرهم فاسدة، مجردون من الحياء يعيشون في فوضى من العري، لا يسترون سوءاتهم رجالا أو نساءا، بالكاد حصلت على صور لرجال يسترون فيها سوءاتهم. ويطلون أجسادهم الأصباغ، وفق طقوسهم الوثنية، وهم مشهرون بممارسة السحر، وتمت إبادتهم إبادة جماعية على يد الروم عباد الصليب فلم يتبقى منهم إلا قلة بعضهم تم تنصيرهم، والبعض ظل على وثنيته.


عددا من سكان أستراليا الأصليين مكبلين بالحديد والسلاسل من قبل المستعمرين البيض


زعيم أبوريجيني


ملك أبوريجيني






يصنعون دروعا بدائية من لحاء الأشجار.

حقيقة هناك أراض شاسعة في شمال الكرة الأرضية وجنوبها، لكنها لا تدخل في نص الآيات المذكورة في رحلة "ذو القرنين"، لأن القطبين الشماليين هما في الحقيقة أراض جليدية غير مأهولة، وليست بصحارى رملية مشمسة. حتى البلاد القريبة من القطبين، هي صحراء جليدية لا ترى الشمس، وربما أنها صارت مأهولة حديثا، أو انفصلت عن القارات القريبة منها مع مرور الزمن، بسبب الحركة التكتونية لألواح القشرة القارية. إنما الآيات التي فصلت رحلت "ذو القرنين" ذكرت أنه بلغ أقصى منطقة بركانية مأهولة بالناس قبل المغرب، وأقصى أرض صحراوية مأهولة قبل المشرق. وبناءا عليه فأقصى منطقة براكين في غرب الكرة الأرضية تقع شمال غرب القارة الأمريكية، وأول قارة صحراوية مقحلة، لا ساتر لها من الشمس، تقع عند مشرق الكرة الرضية هي قارة أستراليا.



تتفرد صحراء استراليا بأرض مبسوطة بلا تلال رملية ويندر وجود هضاب صخرية وتنعدم الجبال الشاهقة، وبالتالي ينعدم وجود الظل تقريا، فلا ساتر من أشعة الشمس.


يوقدون النار بطرق بدائية، بطريقة لف أعواد من الحطب.


يتخذون معاول بدائية من الحجارة


رجل يصطاد الكنغرو ليطعم صغاره.

"أوفير" التوراتية وجزر سليمان:
يوجد أرخبيل شمال شرق قارة أستراليا، تسمى "جزر سليمان Solomon Islands" تقع في جنوب المحيط الهادي. تتألف من أكثر من 990 جزيرة، مجموع مساحتها 28450 كم2. عاصمتها هونيارا. وعدد سكانها 500 ألف نسمة. اللغة الرسمية فيها هي اللغة الإنجليزية، جزر سليمان سكنت من قبل الميلانيسيين لأكثر من 30000 سنة. بدأ المستوطنون البولينيزيون بالوصول في العام 4000 قبل الميلاد. وساد الاعتقاد بأنها هي "أوفير Ophir" جزر سليمان التوراتية الغنية بالذهب. ذكر اسم "أوفير" في التوراة المحرفة، فقد استقدم سليمان عليه السلام الذهب لبناء بيت المقدس في أورشليم. وحسب الوصف التوراتي، فبسبب توجه السفن جنوبا عبر البحر الأحمر من ميناء عتيق ذكرته باسم "عصيون جابر" بجوار "آيلة" إلى "أوفير" لذلك كان يعتقد أنها تقع في جنوب الجزيرة العربية.

(وعمل الملك سليمان سفنا في عصيون جابر التي بجانب آيلة على شاطئ بحر سوف في أرض أدوم * فأرسل حيرام في السفن عبيده النواتي العارفين بالبحر مع عبيد سليمان * فأتوا الى أوفير واخذوا من هناك ذهبا أربع مئة وزنة وعشرين وزنة وأتوا بها إلى الملك سليمان) [الملوك: 1: 9/26: 28].

(حينئذ ذهب سليمان إلى عصيون جابر وإلى آيلة على شاطئ البحر في ارض أدوم * وأرسل له حورام بيد عبيده سفنا و عبيدا يعرفون البحر فاتوا مع عبيد سليمان إلى أوفير وأخذوا من هناك أربع مئة وخمسين وزنة ذهب وأتوا بها إلى الملك سليمان) [أخبار الأيام الثاني: 8/ 17، 18 ].
(لأنه كان للملك في البحر سفن ترشيش مع سفن حيرام فكانت سفن ترشيش تأتي مرة في كل ثلاث سنوات أتت سفن ترشيش حاملة ذهبا وفضة وعاجا وقرودا وطواويس) [الملوك الأول: 10/ 22].

وهام الباحثون على وجوههم بحثا عن "أوفير" التوراتية أملا في اكتشاف الأرض التي كان يجلب منها الذهب الوفير إلى سليمان عليه السلام. فانطلاق السفن من عصيون جابر وآيلة صوب المحيط الهندي جعل الكثيرون يعتقدون أن "أوفير" تقع في الهند شرقا، ومنهم "كريستوفر كولومبس" وغيره الكثيرون، الذي دفعه طموحه في القيام برحلته التاريخية أملا في الوصول غربا إلى "أوفير" الهندية. والواقع أن رحلة بحرية ذهابا وإيابا إلى الهند كان أمر غير ممكن خلال ثلاث سنوات، ولا يتفق مع إمكانيات السفن التي كانت شائع استخدامها قبل الميلاد، خاصة وأن التنقيب عن الذهب بكميات وفيرة يستلزم زمنا، فضلا عن مقايضته. هذا بخلاف أن الطريق البري بين القدس والهند أقرب منه عن طريق البحر، والأكثر صعوبة هو الوصول إل جزر سليمان.

بما أن الله تعالى سخر لسليمان عليه السلام شياطين الجن، فاستخراج الذهب ونقله إليه لن يستغرق لحظات معدودة، فضلا عن أن الشياطين كانوا يغوصون له في البحار، قال تعالى: (وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ) [الأنبياء: 82]، وقيعان البحار والمحيطات مصدر غني بالذهب. بدليل أن غنى مياه البحر بأغلب المعادن المختلفة، ومنها المعادن النفيسة كالذهب، وإن كانت تحتوي على عناصر ضئيلة في الحجم إلا أن هذا دليل قوي على ثراء قيعان البحار المترسب فيها ثروات هائلة من الذهب، خاصة وأن الحمم البركانية الغنية بالمعادن ممتدة على مساحات شاسعة في قاع البحر، فلم تصل إليها يد بشرية حتى الآن، بسبب أن تكلفة استخراجها ستكون الباهظة. لكن الحصول عليها بواسطة الجن أمر لن يكبد سليمان عليه السلام أكثر من أمر يصدره إليهم.

واستمرت المحاولات في البحث عن "أوفير" التوراتية، حتى اكتشف هذه الجزر الأسباني "الفارو دو ميندانا دو نيرا Álvaro de Mendaña de Neira" 1568، منطلقا من "بيرو" غرب القارة الأمريكية الجنوبية، حيث وجد ذهبا في الثغر الذي يطلق عليه الآن "الماتانيكو ريفير Mataniko River"، فاعتقد أن هذا هو أحد المواقع التي حصل منها سليمان عليه السلام على الذهب لبناء بيت المقدس في أورشليم. ومن ثم سمى ميندانا الجزر باسم جزر سليمان. رحل عنها ثم عاد في سنة 1595بنية الاستقرار ومات جراء إصابته بالملاريا.

أيضا كان يعتقد الرحالة الإيطالي "ماركو بولو Marco Polo" أن جزر سليمان كانت معروفة إلى حضارة الإنكا Inca، وهي إمبراطورية قامت على الحدود الغربية لقارة أمريكا الجنوبية، واشتهرت بالبذخ في استخدام المشغولات الذهبية. من البديهي أن الأسبان بحثوا عن الذهب أثناء اكتشافهم الجزر حسب هذه المهمة الأولى لكن دون جدوى إلى حد ما. ومن الجدير بالملاحظة أن جزر سليمان بقيت مجهولة وأسطورية بعض الشيء مائتي سنة أخرى قبل عودة المستوطنين والتجار.

والمعلومات التاريخية شحيحة جدا عن جزر سليمان لا يمكن الاعتماد عليها، حيث تعج هذه الجزر بالأساطير والسحر، فالسكان الأصليين كانوا يؤمنون بعبادة أرواح الأسلاف، فهمنهم من يمارسون الطب السحري، فيدعون أن لديهم القدرة على سحب الأجسام الملعونة من جسم الضحية بمصهم خارجا، أو بإرسال روح أخرى لاستعادتهم، ولا يزال آخرون يمارسون السحر الأسود. والغالبية العظمى يعبدون الصليب بعد تنصيرهم، والمسلمين قلة حوالي 350 مسلم تقريبا..

طبقا لكتاب كولين جاك هيلتون Colin Jack Hilton: "البحث عن جزر سليمان 1567 _ 1838" (Clarendon press 1969)، أصبح عنوان جزر سليمان شعبيا بعد الحملة الإسبانية الاستعمارية الأولى التي (كشفت) عددا من الجزر في عام 1568. وحسب تحديد، قائد السفن الفور دو ميندان Alvaro De Mendana اعتقد أن هذه المنطقة من جنوب المحيط الهادي "قارة استراليا الواسعة تشتمل على، أوفير Ophir الملك سليمان".

على كل الأحوال عدم العثور على ذهب قديما، لا ينفي اكتشافه حديثا بكميات وفيرة، أو أن سليمان عليه السلام لم يصل إلى هذه المنطقة، إنما تسمية الجزيرة باسم "جزر سليمان" يثبت أن أهل الكتاب يبحثون جديا وراء " أوفير" التوراتية، ليس أملا في إثبات صحة كتبهم المحرفة، إنما همهم البحث عن الذهب. لكن ما نلاحظه في هذا أن لديهم أدلة على وصول سليمان عليه السلام إلى هذه المنطقة، وإلا فبكل تأكيد لن يشدوا الرحال من أسبانيا يطوفون أرجاء العالم أملا في الوصول إلى أستراليا والجزر المحيطة بها انطلاقا من تخمينات جزافية حول "أوفير" أسطورية لا وجود لها، ولن يطلقوا عليها اسم سليمان لمجرد العثور على حفنة من الذهب هناك، وإلا فإن "بيرو" ذات حضارة "الإنكا"، والتي انطلقوا منها، كان أوفر ذهبا، وأولى بإطلاق اسم سليمان عليها. وإن تكتمهم لأدلة تثبت صحة وصول "ذو القرنين" سليمان عليه السلام إلى هذه المنطقة من العالم، يعد احتمال قائم تجنبا لفضح التزوير في كتبهم المحرفة.

إن الاهتمام بالبحث الأثري في قارة أستراليا وما يحيط بها من جزر لم يعد قاصرا على أهل الكتاب وحدهم، فوفق ما توصل إليه هذا البحث فإننا كمسلمين؛ لنا حقوقا، وعلينا واجبات، تجاه الكشوف الأثرية في هذه المنطقة من العالم، لأن العثور على أدلة أثرية سوف يخدم تفسير القرآن العظيم، وبالتالي تقيم الحجة على أهل الكتاب.

إن ذكر "أوفير" التوراتية التي كان بحث أهل الكتاب عنها، هو السبب الرئيسي في اكتشاف كلا من قارتي أمريكا وأستراليا، يثبت صحة أن "ذي القرنين" وهو مجرد كنية أو لقب لنبي الله سليمان عليه السلام، وصل بنفسه إلى هذه الأراضي التي كانت مجهولة حتى قرون قريبة وليس شخص مختلف عنه، وبهذا يثبت سبق النص القرآني في الكشف عن وجود قارات مجهولة وإثبات كروية الأرض. إضافة إلى التأكيد على أن أهل الكتاب على علم بشكل أو آخر بعلاقة هذه المناطق بنبي الله سليمان عليه السلام، وهذا يسحق بحثا مستفيضا لفضح ما يكتمونه من كشوف وحقائق علمية.


يتبــع

untitled-1897878783.png (1235×227)


رد مع اقتباس
  #10  
قديم 03-28-2015, 09:34 PM
المدير
 Egypt
 Male
 
تاريخ التسجيل: 16-12-2013
الدولة: القاهرة
العمر: 52
المشاركات: 7,975
معدل تقييم المستوى: 10
جند الله تم تعطيل التقييم
افتراضي

بين السدين:
واصل ذو القرنين رحلته من مطلع الشمس حتى (بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ)، فوجهته كانت محددة مسبقا، ولقد كان ذو القرنين على علم بوجود السدين، قبل انطلاقه إليهما، وعلى علم كذلك بما كان بينهما من مدخل "يأجوج ومأجوج"، فقوله (حَتَّى إِذَا بَلَغَ)، يفيد أن هدفه كان بلوغ (بَيْنَ السَّدَّيْنِ)، فقوله (حَتَّى) حرف جر لانتهاء وغاية، و(إِذَا) ظرفا للمستقبل متضمنة معنى الشرط، لأنه جاء بعدها فعل ماضي (بَلَغَ)، ولو جاء اسم بعد (إِذَا) لكانت وظيفتها المفاجأة، كأن يقول (حتى إذا السدين)، هذا مما يدل على أن ذي القرنين كان على علم مسبق بوجود السدين، وكأن ذهابه إلى ما بين السدين كان أشبه برحلة تفقدية لما بينهما. بل كان على علم مسبق بجميع المناطق التي بلغها، لتكرار نفس الصيغة، لقوله تعالى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ)، و(حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ)، و(حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ).

كذلك تكرر دخول (حَتَّى إِذَا) ثلاث مرات في قصة موسى مع الخضر عليهما السلام، قال تعالى: (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا) [الكهف: 71]، قال تعالى: (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاَمًا فَقَتَلَهُ) [الكهف: 74]، قال تعالى: (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ) [الكهف: 77]. وفي نهاية المطاف أقر الخضر عليه السلام أن كل ما فعله ما كان عن أمره (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي) [الكهف: 82]، مما يشير أنه كان نبيا أوحي إليه مسبقا أمرا بخرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار. وهذا التوافق في الصياغة اللغوية، مما يشير إلى أن "ذي القرنين" أوحى الله إليه مسبقا خبر الأقوام الذين انطلق إليهم، فلم يكن لقاءه بهم غير مقصود منه، مما يثبت أنه كان نبيا كما كان الخضر وسليمان عليهما السلام أنبياء.

لذلك قال له القوم (إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ) على سبيل الشكوى منهم والتضرر من إفسادهم، لا على سبيل إخباره بما يجهل من أمرهما. وهذا يلزم منه أن "ذي القرنين" كان على علم مسبق بإفساد "يأجوج ومأجوج" في الأرض، وأنه انطلق صوبهم لردعهم، ووضع حد حاسم لإفسادهم في الأرض، فقام ببناء السد الثالث.

الثلاثة سدود:
ذكر في آيات سورة الكهف ثلاثة سدود تحديدا، سدين حيث بلغ "ذو القرنين"، وسد ثالث قام ببنائه حيث بلغ بين السدين. فيؤكد التوافق اللفظي إلى أن السدين المذكورين أولا هما من نفس جنس السد الثالث الذي بناه "ذو القرنين"، أي أن هذه السدود الثلاث من بناء مخلوق وليس أي منهم جبل مخلوق، حيث ذهب البعض إلى أن السدين هما جبلين، وهذا بناءا على إحدى القراءتين، إحداهما بضم السين والأخرى بالفتح، فغضوا الطرف عن معنى القراءة الأخرى، وتركوا الجمع بين كلا المعنيين، فلا أرى علة لحمل معنى السدين على أنهما جبلين، والسد الثالث على أنه حاجز، بل الثلاثة سدود هم حاجز من جنس واحد.

في لسان العرب: (السَّدُّ، السُّدُّ: الجبل والحاجز. وقرئ قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ)، بالفتح والضم. وروي عن أبي عبيدة أنه قال: بين السُّدين، مضموم، إذا جعلوه مخلوقا من فعل الله، وإن كان من فعل الآدميين، فهو سَد، بالفتح، ونحو ذلك قال الأخفش).

وبالجمع بين القراءتين، بالضم والفتح، فالثلاثة سدود من جنس واحد، ولا يصح الفصل بين معانيهم المختلفة، فمن الخطأ التمييز بين السدين والسد الثالث، فإن قيل أنهما جبلين من خلق الله تعالى، فهذا يتعارض مع الثابت من أن السد الثالث حاجز من بناء البشر، فليس هناك نص يجزم بأن السدين هما جبلين من خلق الله تعالى حتى نجزم بذلك. وإن أخذنا بالقراءة بفتح السين فالثلاثة سدود هي حواجز من بناء البشر، وهذا لا يكفي وحده لضبط المعنى بالكامل، ولكن بإضافة المعنى بالضم يكتمل وصف السدود بأنهم كالجبال.

إنما الصحيح أن كل سد من السدود الثلاثة من تشييد البشر، فبالتوفيق بين معنيي كلمة سد: (جبل، وحاجز)، وفقا للقراءتين، يتضح أن الثلاثة سدود هي حواجز من صنع البشر أشبه بالجبال التي من خلق الله تعالى. إذا فالسدين الذين بلغهما "ذو القرنين" كانا بناءين من صنع البشر في ضخامة الجبل حجما، ثم قام ببناء سد ثالث بينهما، ولعلمه المسبق بوجود السدين فالراجح أنه هو من قام بتشييدهما.

السد الثالث:
وعلى هذا فالسد الثالث مشابها للسدين السابقين عليه، في الشكل وضخامة الجبل حجما، وموافقا لهما في الوظيفة، وهي الحجز بين مسكن "يأجوج ومأجوج" وأهل الأرض. وحسب الأصول الهندسية المتبعة في التصميم المعماري، فإن اختزال الجبل هندسيا يتلخص في أن له قاعدة ذات أربعة أضلاع متقابلة، يتناقص مقطعه تدريجيا لينتهي بقمة مدببة في أعلاه، وهذه المواصفات الهندسية تنطبق على الشكل الهرمي. فإذا بحثنا في أرجاء العالم كله، لن نجد إلا أهرامات الجيزة الثلاثة في مصر.الوحيدة التي تحمل صفات السدود الثلاثة التي بناها "ذو القرنين" سليمان بن داود عليهما السلام.


صورة تخيلية تبين عندما بلغ ذو القرنين بين السدين لم يكن هناك السد الثالث بين الهرمين

من المفترض أن يكون تصميم السد الثالث متفوقا على تصميم السدين الأولين، بحيث يتفادى العيوب والثغرات الهندسية التي سبق وظهرت، فالتطور المعماري موضع اعتبار في الحرف والفنون. فالهرم الأوسط منهم سنجده يتفرد بتفاصيل معمارية تجعله مختلف عن الهرمين الآخرين، فجوانبه الأربعة مستوية تماما، بينما الهرمين الآخرين، سنجد أن كل جانب مضغوط من الوسط في خط طولي ممتد من القاعدة حتى القمة، أي أن لكل هرم منهما ثمانية أضلع.







رسوم توضيحية تبين انقسام جوانب الهرمين الأكبر والأصغر إلى ثمانية أضلع

وبناءا على أن السد الثالث وظيفته منع خروج "يأجوج ومأجوج". فهذا ينطبق على السدين الآخرين، مما يلزم منه أيضا أن تحت كل منهما بوابة لخروجهم ودخولهم، ولا يمتنع وجود بوابات كثيرة منتشرة في أماكن مختلفة من أنحاء العالم، وأن هناك سدود كثيرة ذات شكل هرمي بحسب عدد تلك الأبواب. وبالفعل يوجد في أنحاء متفرقة من العالم سدود (هرمية الشكل) كثيرة جدا يصعب حصرها، لكن لا نستطيع أن نؤكد أن جميع تلك الأهرامات قام "ذو القرنين" بتشييدها، إنما يكفينا الاهتمام بما ذكره القرآن الكريم فقط.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، مصر وحدها بها أكثر من تسعين هرما، موزعين في أمكان متفرقة منها، وهناك أهرامات أقل حجما في النوبة والسودان، وأكبر الأهرامات النوبية في مروي ونوريوالكوريبالسودان. ويوجد أهرامات في الصين، والهند، وفرنسا في العصر الروماني بني هرم فاليكون Falicon، كما كان هناك أهرامات بنيت في هذه الفترة. وفي اليونان هرم هيلينيكون باسانياس Hellinikon Pausanias. وهناك أكثر من بكثير.

فهناك الأهرامات الأمريكية مثل هرم الشمس في تيوتهواكان Teotihuacan بالمكسيك له قاعدة أكبر من أي هرم في مصر. بنى عدد من الشعوب القديمة في أمريكا الوسطى والجنوبية الأهرامات كذلك. فقد شيدوا الأهرامات المدرجة ذات النهايات المسطحة. واستخدموا أعلى الهرم المسطح كمصاطب يبنون عليها معابدهم. بنى الموتشيكا في بيرو Peru أهرامات كبيرة من الطوب. يحتوي معبد الشمس بالقرب من تروجيلو Trujillo الحالية على الساحل الشمالي لبيرو على هرم مُدرج من الطوب بني فوق قاعدة مدرجة. والمايا Mayan القدماء في أمريكا الوسطى بنوا مقابر ركامية على هيئة أهرامات شيدوا فوقها المعابد.

كذلك بنى التولتيك Toltec في أواسط المكسيك الأهرامات الكبيرة المدرجة. يوجد أحد هذه الأهرامات في شلولا Cholula ويعتبر أحد أكبر المنشآت في العالم. بنت مجموعة تنتمي إلى التولتيك أهرامات الشمس والقمر الكبيرة التي مازالت واقفة في تيويتواكان Teotihuacan بالقرب من مكسيكو سيتي. لقد دمّر الأسبان معظم أهرامات إمبراطورية الآزتك Aztecs المتأخرة في المكسيك. وبنيت هذه الأهرامات بمدرجات أو مصاطب شأنها شأن الأهرامات الأمريكية الأخرى وضعت في أعلاها المعابد. وكان أكبرها اثنين بنيا في تينوشتيتلان Tenochitlan (مكسيكو سيتي الحالية).
























لا نستطيع الجزم أن كل هذه الأهرامات بناها سليمان عليه السلام لكن على الأقل شيد بعض منها

يتبــع


untitled-1897878783.png (1235×227)


رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
ملك, الريح, السلام, القرنين”, بأمره, بن, داود, جرت, رحلة, سليمان, عليهما, “ذو, كتاب:


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


Facebook Comments by: ABDU_GO - شركة الإبداع الرقمية
تابعونا عبر تويتر تابعونا عبر فيس بوك
الساعة الآن 04:58 AM بتوقيت الرياض

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO Designed & TranZ By Almuhajir
new notificatio by 9adq_ala7sas

جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة لمنتدى آخر الزمان©